اكرم الديك: صراع حضارات أم صراع ثيران: العنصرية وفشل التعدّدية الثقافية في أوروبا

اكرم الديك

التنوّع الثقافي ضروري لبناء المجتمعات البشرية والحفاظ على بقاءها واستمراريتها. ولكن أثبتت المجتمعات متعددة الثقافات داخل قلوب العواصم الكبرى في أوروبا أن الثقافات والأجناس المختلفة لا يمكن أن تعيش وتتعايش بسلام معا. في حين أن العدالة الإنسانية تُلزم المرء بمكافحة العنصرية والمناداة بالتعايش الحر داخل أي مدينة حضرية لا سيما معاقل الاستعمار الزائل كلندن وبرلين وباريس، فإنه لا يمكن للمرء أن يُهمل فردية وخصوصية الشعائر الدينية والجوانب الثقافية الأخرى التي تُشكّل كل فرد بعينه.

يُعتقد عموما أن كل ثقافة تحمل شخصية خاصة بها ولديها خصوصية داخلية تتمثّل في عناصر تتكون داخل مجتمعاتها على مرّ التاريخ. يمكن للثقافات الأخرى أن تنظر إلى هذه الخصوصية والشخصية على أنها مغلقة وحصرية عرقيا مما يؤدي في النهاية إلى ما أُطلق عليه “صراع الحضارات”. تم نشر ثقافة صراع الحضارات طوال فترة التسعينيات ونظمها الأكاديمي الأمريكي صامويل هنتنغتون حيث تفترض نظريته أن جميع النزاعات بين الحضارات الغربية وغير الغربية هي في جوهرها ثقافية وليست سياسية أو اقتصادية.

قام هننغتون بتوسيع نظريته في كتابه الصادر عام 1996 بعنوان “صدام الحضارات: إعادة تشكيل النظام العالمي”. هذه الأسطورة تفترض صراعًا ثقافيًا وليس سياسيًا أو اقتصاديًا بين الحضارات الغربية وغير الغربية. يعتمد الصدام المفترض على حقيقة أن “أكثر من مليار مسلم منتشرين في خمس قارات على الأقل … جميعهم غاضبون من الحداثة الغربية، وكأن مليار شخص ليسوا إلا واحدًا والحضارة الغربية ليست مسألة أكثر تعقيدًا.” ومع ذلك، فإن الأمر مثير للغضب في الغالب، لأن هنتنغتون، يكتب بطريقة عدوانية وشوفينية كما يراها إدوارد سعيد وغيره، وهي الطريقة الوحيدة التي يعرفها الغرب لمواصلة الفوز في هذا الصراع، وكأنّ العرب ليسوا من بني البشر بل ثيران مصروعة تنقاد إلى كل ما هو أحمر. يفترض مفهوم تصادم الحضارات أن كلتا الحضارتين لا تتغيرا. بينما يقترح هنتنغتون تفوق الحضارة الغربية على الحضارة “الأدنى” (الإسلامية والكونفوشية)، يسأل سعيد: “ألا تؤدي هذه الطريقة (طريقة إنتاج خريطة مبسّطة للعالم) في الواقع إلى إطالة أمد الصراع وتفاقمه وتعميقه؟ ماذا تفعل لتقليل هذا الصراع الحضاري؟ هل نريد صدام الحضارات؟ ألا تحشد المشاعر القومية القتل القومي؟”

إن الاعتزاز الشديد بثقافة الفرد على حساب الثقافات الأخرى يبني حاجزا غير مرئي وجدارا يدفع المجتمعات نحو المركزية الحصرية والتقوقع على نفسها مما يؤدي إلى تهميش الآخرين. وهذه بداية العنصرية والفاشية والنازية والشوفينية. يبني هذا أيضا غيتوهات ثقافية، فالغرض من أي غيتو هو الحصار والإغلاق والانغلاق. لا يعني احترام الممارسات الاجتماعية والثقافية لأمة أو عرق بالضرورة القضاء على المعتقدات الدينية أو السياسية أو الثقافية لأمة أو عرق آخر. فبينما يُسهّل الهجوم العسكري الهيمنة على جغرافية معينة، يمنع الحوار الثقافي أو التجسير ما بين الثقافات الصراعات المختلفة. وفي حين أن نظريات مثل “صراع الحضارات” و”الجغرافيات الخيالية” ووسائل الإعلام التي يسيّرها الغرب تقوم بتسهيل الصراع، فإن الانخراط في تدريس وكتابة أدب ما بعد الاستعمار والموسيقى والسينما العالمية عبر المؤسسات التعليمية والمنصات المختلفة تعمل على تحفيز التعددية الثقافية وتسهيل فهم الاختلافات الثقافية والمساعدة في نشر صور متنوعة تدحض الصورة النمطية للعالم كما يراها هنتنغتون وأتباعه.

أساس مشكلة الهجرة في العالم هو التفرقة العنصرية. وبهذا، يمكن أن تكون التعددية الثقافية نظاما تقدّميا مناهضا للعنصرية، ولكن من المحتمل أن تكون، إذا ما اعتبرناها خلاف ذلك، نظاما سياسيا رجعيا سلبيا ينتج عنه فصل ثقافي واجتماعي وتطرّف ديني ووطني. وعليه، فإنه يمكن قراءة مفهوم التعددية الثقافية كمفهوم استشراق غربي سطحي يعزز وجهة النظر الغربية والمنظور الاستشراقي للسود / الغير غربيين / الغير البيض على أنهم متخلّفون ثقافيًا ودونيًّا من الناحية العرقية. لا يمكن بعد ذلك رؤية التعددية الثقافية أكثر أو أقل من طريقة لتحمّل تخلّف الآخرين واختلافهم. نموذج التعددية الثقافية يعمل في بريطانيا أفضل بكثير من ألمانيا وفرنسا. ومع ذلك، فإنه يعمل مثل المضغ على قطعة من عرق السوس على سن متسوّس، ببطء شديد وخلل متكرّر. ولكن الإنجليز بالتحديد قادرون على إخفاء هذا النقص أو الضرر. هذه كانت إحدى الميّزات التي ساعدتهم على استعمار ثلاثة أرباع العالم، بالإضافة إلى أسطولهم البحري الجامح.

السبب في أن التعددية الثقافية قوبلت بالعنصرية في لندن وبرلين هي أن التنوع الثقافي كان يحاول دائما أن يجعل الغرب مثل بقية العالم، فهدّدت هذه العملية بالتالي استبدادهم الأحادي وترهيبهم العرقي. المشكلة مع بريطانيا وألمانيا هي أن معظم الأفراد أنفسهم ليسوا متعددي الثقافات وليسوا على دراية كافية أو منفتحين على العالم وليس عندهم تقبّل الاختلاف والآخَر بشكل يؤهلهم للمشاركة في إنشاء مجتمعات متعددة الثقافات. أحد الأسباب وراء ذلك هو حقيقة أن تاريخ أوروبا حدث خارجها فيبقى داخلها فارغا أخلاقيا وثقافيا. ولكن ما لا شك فيه أن أرض لندن وبرلين الآن هي أراضي ذات تربة خصبة للغاية لأولئك الذين يقطنوها من غير الأوروبيين ويساهمون في جعلها قرى عالمية، ولكنهم يعيشون تحت تهديد صراع الحضارات، فوجود المنفي أو المهاجر ليس آمنا في الغرب حيث تتسع الفجوة الثقافية أكثر فأكثر كل يوم حيث تُعتَبر أية مساهمات خارجية من المهاجرين للمجتمع الأوروبي المحلي تهديدا لأمنها واستقرارها وليس تعزيزا وتغذية لتجسير الحضارات. في هذا تهميش لدور المهاجر والمنفي حيث يتمتّع الغير أوروبي بتجربة ثقافية الجدير بها تضييق الهوة لا توسيعها. إن التعددية الثقافية أو ما يسميه ديفيد كاميرون “مبدأ الدولة للتعددية الثقافية” ليست سببا للتفرقة فهي تفتح النوافذ على الغيتوهات المغلقة، وليس العكس.

وعليه، فإن تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك والسابع من يوليو 2005 في لندن أخافت الكثيرين، ولسوء الحظ عززت الصورة النمطية للمسلمين بشكل عام، والجماعات الإسلامية المتطرفة بشكل خاص، على أنهم ثيران هائجة ومصروعة. كما أن أخطر التحولات التي حدثت بعد تفجيرات 2001 و2005 هي تحول سياسات ومركزيّة الهوية من القومية إلى الدينية، حيث زادت هذه العملية الطين بلّة.

لم تحدث تفجيرات يوليو 2005 في لندن من فراغ. فقد أعقب تلك التفجيرات الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق والذي شاركت فيه المملكة المتحدة كحليف لأميركا. من الواضح أن ما يحدث للمسلمين في خارج بريطانيا يخص وينعكس على وجود المسلمين البريطانيين في داخلها. وعليه فإن فشل التعددية الثقافية ليس فقط فشل ثقافي ولكنه أيضا سياسي كما يتجلى في الانخراط المستمر للقوى الغربية في مستعمراتها السابقة كالعراق والأردن والهند وباكستان وغيرها. المهاجرون المبعثرون جغرافياً والمغتربون ثقافياً والمنفيّون جسديا (بحكم لون البشرة المختلف وسمات الوجه واللهجة وما إلى ذلك) هم أرقام تحت المراقبة والتهديد من قبل النظام الرأسمالي قبل العنصرية أيضا. وفي خضمّ هذا وذاك يجد المهاجر والمنفي ملجأً وأُلفة بالعودة إلى العادات والتقاليد فيصبح الدين مثلا سلاحًا ودرعًا لحماية الهجمات في ظلّ هذا التسامح الأوروبي المقنَّع. وعليه، يصبح للحجاب رمزية لدى المرأة الغير أوروبية يتخطّى وظيفته الدينية بتغطية الشعر أو حماية الأنوثة من تلوّثها، بل يصبح الحجاب درعًا يحرسها ضد التغيير والتهديد. وبالفعل، تصبح هذه الوظائف جزءا من هويتها المتغيّرة أيضا.

من الحريّ بنا التذكير ها هنا بأنه يمكن للمرء أن يجد نوعين من المهاجرين في أوروبا: نوعا تقدميا ومتكيفا وآخر دفاعي ومحافظ. على عكس هذا، فقد أعرب رئيس الوزراء الإنجليزي ديفيد كاميرون عن استيائه تجاه الهجرة الجماعية الى بريطانيا ونعتها ب “الهجرة السيئة”. جاء الخطاب الذي ألقاه كاميرون في عام 2011 بالتزامن مع حظر رئيس الوزراء الفرنسي للنِّقاب وسط ضجة سياسية وتسارع في السياسات التي تستهدف السكان المسلمين والعرب الأكبر في فرنسا بشكل خاص وأوروبا بشكل عام، هذا وقد سبق أن أعلن خطاب المستشارة الألمانية فشل التعددية الثقافية في ألمانيا أيضا.

يشعر المرء عند قراءة هذه الخطابات بأن المجتمعات والثقافات والقيم في أوروبا الغربية مهددة من غير السكان الأصليين وكذلك التدفق السريع للمهاجرين (ولا سيما دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط وشرق أوروبا) إلى أوروبا الغربية. فإن مثل هذه الخطابات والمواقف السياسية تجاه المستعمَرين مسبقا قد تسببت في غضب وإثارة التطرف ومعارضة قوية للمجتمعات الآسيوية والأفريقية المهاجرة في بريطانيا والجزائرية والتونسية والمغربية في فرنسا ومعظم الأتراك المسلمين في ألمانيا. ما يربط السكان المهاجرين الرئيسيين الثلاثة (وهم الأتراك والأكراد والباكستانيون والهنود والجزائريون والمغاربة) المستهدفون في خطابات كبار قادة غرب أوروبا الثلاثة هو أنهم جميعا يأتون من ما يسمى بـالدول “النامية” أو “دول العالم الثالث” و أن دين غالبية هؤلاء ولغتهم الأم هو الإسلام والعربية على التوالي، وأن لون بشرتهم داكن، ويأتون من ماضي استعماري ويعيشون مضارعا ما بعد الاستعمار حيث يتضح الاستعمار الجديد كمظهر آخر جديد للإمبريالية – ليس استعمارا عسكريا بالضرورة ، ولكنه اقتصادي وثقافي.

أذكر ها هنا مثالين من أرض الواقع. الأول يحدث في ألمانيا، فتدخل إلى منصّة انتظار القطار دون حواجز إلكترونية لتفحّص التذاكر كباقي دول أوروبا، فتحاول الدولة ها هنا أن تبني علاقة ثقة وطيدة بين الفرد وبين الدولة يسيّرها ضمير الفرد لا العقاب بالانضباط بالنظام والتعليمات التي تبني بيوتا لا عماد لها وتزدهر بها عجلة الاقتصاد في الدولة. لا يمكننا إنكار أن معظم العرب يخرقون هذه القوانين ويستقلّون القطارات والحافلات مستغلّين حضارة الدولة. لكنها أيضا دولة عنصرية بالمجمل، فيهجرها معظم الفنانين والمبدعين لأنهم شعب لم يتم شفائه من النازية بعد. فألمانيا دولة غير متسامحة ومتعصّبة وسلطويّة. تم طردي مؤخرا من عدة حانات في وسط هامبورغ فقط لأنني كنت مطلقا لحيتي وأتكلّم الإنجليزية معهم والعربية مع صديقي الى جانبي. كل من بريطانيا وألمانيا استعماري ولكن الفرق أن البريطاني يبتسم في وجهك ويعاملك بلطف ويُظهر ولو كذبا تسامحه معك وقد يذمّك في ظهرك في السر. أما في ألمانيا، ليس هنالك وقت للمجاملات. يسبّك الألماني في وجهك ويطلب من العودة من حيث أتيت. في كل مرّة أذهب فيها لتناول الطعام أو الى الحانة، أصر أن أذهب الى مكان مكسيكي أو أفريقي لأشعر بإنسانيتي.

أما المثال الثاني يحدث في إنجلترا حيث تكتظ الشوارع فيها بمتاجر لبيع التوابيت ومنظّمي الجنازات. تسير في الشارع وبين الحين والآخر تمرّ بمتجر نعش يضجّ بتوابيت مختلفة بتصاميم وألوان وأشكال مختلفة، حتى أن بعض المحلات تعرض مواضيع مختلفة وأفكار رئيسية يمكن أن تقوم عليها مراسم الجنازة بعد موتك. عندما يُذكر الموت في الشرق الأوسط، تدقّ النساء الخشب ويتعوّذ الرجال من الشيطان مستعينين بسور من القرآن. يبدو أن الموت شيطانيّ في وطننا وغير مقبول به كجزء لا يتجزّأ من سنّة الحياة الطبيعية. فالخرافات أو الشعوذات مثلا توفر الأمن والطمأنينة لمعتقديها حيث يتخبّط الرجال والنساء بالإطراء مع آلهة زائفة يتذرّعون فيها بوسائل مقنّعة للخلاص على أن يعيشوا بعيدا عنها تحت واقع أو حقيقة أن الموت آت لا محالة. في أجزاء أخرى من العالم مثل الصين مثلا، يصمّم بعض الرجال والنساء جنازاتهم الخاصة ويصمّمون توابيتهم الخاصة في منتصف العمراستعدادا للنهاية. لربما يكمن في هذه الاعدادات مواجهة مباشرة للموت  تنمّ عن استيعاب واعٍ لقانون السببيّة، بينما نموت نحن أحياء داخل عقول أمست تابوتا والموت تأخّر. ولكن بالمقابل يعاني معظم الناس والمؤسسات في انجلترا من فقدان الذاكرة جزئيا حول ماض إمبراطوري امبريالي واستعماري سببه وجود أجيال باكستانية وهندية وفلسطينية وكاريبية وغيرها كانت قد استعمرتها سابقا. فوجود هؤلاء في أراضي انجلترا ما هو الا تذكير للمواطن الإنجليزي ببربريّته وحيوانيّته في قتل إنسانيّة الآخر على أرضه، كالثور الذي حاول مرارا وتكرارا أن يعيش في سلام بعيدا عن حيوانيّة المتادور.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here