“اغتيال سليماني” عبثية الحسابات الترامبية في ظل غياب الاستراتيجية وحضور التأثير للجناح الصهيوني داخل البيت الأبيض

الدكتورة حسناء نصر الحسين

ابتعاد الحكومات السابقة للإدارة الأمريكية عن تنفيذ عملية الاغتيال للجنرال سليماني وقرار الحكومة الحالية بقرار اغتياله يأتي ضمن جملة متغيرات منها ضعف قوة أمريكا عالميا بعد الانكسارات المتتالية في الشرق الأوسط و انتصارات محور المقاومة على المشروع الأخطر للمنطقة وفشلهم في  تحقيق ما سمي بمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كان الارهاب العالمي اهم أدواته، وصعود قوى عالمية أخرى أدى إلى تراجع دور أمريكا عالميا، وان كنا نقول ان قرار الاغتيال هو قرار عبثي بسبب غياب الاستراتيجية للولايات المتحدة التي كانت تراهن  بهذا القرار  على تحقيق اهداف تؤثر على مزاج الناخب الامريكي  وتعوض فيه امريكا ما خسرته في السنوات السابقة من سمعة للجيش الذي لا يقهر الا انه انقلب السحر على الساحر على المستوى الداخلي  اعتبره اكبر ساسة الولايات المتحدة بأنه خطأ استراتيجي وخسر ترامب جبهته الداخلية فعصفت المظاهرات المنددة بعملية الاغتيال في أكثر من مدينة أمريكية و ما قرار البرلمان الأمريكي بالحد من صلاحيات ترامب بشأن شن اي عدوان على إيران ليس إلا عنوان اكبر لمدى غياب الاستراتيجية لهذه الدولة .

قرار الاغتيال جاء على خلفية اتهامات سوق لها ترامب باتهامه طهران بأنها  تخطط لاستهداف اربع سفارات بدون تحديد في اي دولة سيتم الاستهداف وهذا ما نفاه وزير الدفاع الأمريكي مؤخرا، مما يقدم ترامب على أنه كاذب  بالنسبة للرأي العام الدولي ومجرم بنظر القانون الدولي .

قرار الاغتيال سوق له الاسرائيلي منذ وقت مبكر، وصدر من وقت طويل، وكان التباين الامريكي الاسرائيلي في توقيت التنفيذ للعملية، وليس مستبعدا هنا لجوء ترامب الى هذه الخطوة لأجل الهروب من المحاسبة الداخلية واجراءات العزل، وحاجة ترامب الى الهروب خارجيا عبر صناعة أزمات ومشكلات سياسية وإحداث صراعات من هذا النوع ليس مستبعدا، فما يلاحقه في الداخل يهدد بشكل كبير بقاءه لفترة ثانية في البيت الابيض، وهذه واحدة من حساباته الشخصية التي دفع لأجلها نحو هذا الصراع عبر اقدامه على قرار اغتيال الجنرال سليماني، وفي التاريخ ما يشير الى مثل هذه التوجهات لرؤساء سابقين للبيت الابيض كالذي قام به بيل كلينتون بتنفيذه حملة قصف كبرى على العراق عام ١٩٩٨م بالتزامن مع جلسات الاستماع حول عزله .

لقد ألزم ترامب الولايات المتحدة الامريكية بصراع أبعاده غير معروفة، حيث تسعى ايران ومن خلفها قوى المقاومة في المنطقة للانتقام، وإشارات مرشد الثورة الايرانية الامام الخامنئي عن أن المواجهة لن تنحصر عسكريا، وأن مسار الرد لا يقتصر على الرد العسكري، هذا يعطي تصورا للمواجهة القادمة من كونها ذات أبعاد متعددة، وأن على الولايات المتحدة الامريكية أن تراقب كل مستويات وجودها وقدراتها ليس فقط المستوى العسكري .

ادارة ترامب تأخذ الامريكيين الى حرب جديدة ولعلها الحرب الاكبر في الشرق الأوسط من اي وقت مضى، وما هو مجزوم به هو انها لن تكون حربا تقليدية بل مزيج بين الحروب التقليدية واللاتقليدية، وهذا يؤكد بأن شكل الصراع سيأخذ صورا متعددة تفوق ما يمكن تصوره، ليجد الجميع انفسهم امام صراع مرحلة وصل فيها اطرافه الى اعلى المستويات في امتلاك قدرات وتقنيات ادوات الصراع، بما يصنف الصراع القادم بكونه صراعا مختلفا كليا عما قد مر من اشكال الصراع في العالم .

القول بأن ترامب لا يملك استراتيجية يدير بها قراره هذا، يؤكده تصرفاته بشكلها الغريزي وإيمانه بسياسة اللحظة، وما تصور هذا الرجل من أنه بسلوكه هذا تجاه ايران سيجبرها على العودة الى طاولة المفاوضات إلا دليل يؤكد الاجابة على السؤال الأهم في كل هذا المشهد وهو.. هل لدى ترامب استراتيجية حينما حسم قرار الاغتيال؟ وهنا لنا أن نتفاجأ لو أنه فكر في التبعات المترتبة على هذا القرار، والاثار اللاحقة وما سيترتب على هذا القرار، واذا كان ثمة استراتيجية لدية فهي استراتيجية ترك الاحتمالات مفتوحة، وهذا ما يدعونا للقول بكارثية القرار وأن هذا الرجل يدير الصراع باستراتيجية الانزلاق الشامل .

ذهب ترامب للدفاع عن قراره باغتيال الجنرال سليماني بقوله انه ضمن حقوقه كرئيس ويسرد جملة من المبررات منها أن الضربة وقائية امام ما كان يخطط له سليماني من تفجيرات لسفارات واشنطن في المنطقة، وهذا ما ذكره مسؤولون أمريكيون ضمن طاقم ترامب، كل تلك المبررات لم تكن مقنعة للأمريكيين وما تعكسه التعليقات الامريكية مجتمعة هو أن الهدف من العملية ليس ما قدمه ترامب من مبررات، وإنما الهدف هو خلاصه من الضغوط الداخلية عبر اشعال أحد  اكبر الصراعات في المنطقة ومع خصم عنيد وقوي هو ايران، ليدرك الامريكيون قبل غيرهم أن ترامب يشتغل ضمن حسابات عبثية يعكسها فقدانه لأي استراتيجية مقنعة على الاقل للأمريكيين، ولا تخلو حساباته من حصة لإسرائيل، فما حصدته في كنف الادارة الترامبية فاق حتى احلام الصهاينة انفسهم داخل الكيان الاسرائيلي .

اسرائيل رأت في سليماني العدو الصليب الذي لطالما سعت وحاولت وترددت في اغتياله، والذي ترى في غيابه عن ساحة الصراع مكسبا استراتيجيا بالنسبة لها، وسعت اسرائيل خلال فترات طويلة مضت لاستخدام كل روافع الضغط على الادارة الامريكية للصدام العسكري مع ايران وتوجيه ضربات عسكرية لها، وهذا يرجعنا للتقديرات الاسرائيلية التي ترى في خيار الصدام العسكري ضرورة حتمية توقف جموح ايران العسكري ويفرمل نفوذها في المنطقة، لتأتي كل تسريبات الاعلام العبري مشيرة بوضوح الى أن لدى اسرائيل كل الاسباب كي تذهب الى خيار الاغتيال وترحب بالخطوة الامريكية، فما قدمته اسرائيل من مشاركة استخباراتية ورصد وتتبع مثل العمود الفقري لجسم العملية، وبعيدا عن السيناريوهات المرعبة جدا بالنسبة لإسرائيل لما بعد سليماني والتي تجعل اسرائيل تندم الف مرة للإقدام على هذه الخطوة، اشارة المعلق الصهيوني دان شابيرو  في مقاله بصحيفة هآرتس من قوله بأن “ترامب لا يطبق استراتيجية، بل يعمل باندفاع لتحقيق الأفضل، على الرغم من أنه في كثير من الاحيان يحقق الأسوء” هذا الكلام يحدد موقف وموقع اسرائيل من الخطوة الامريكية، وليس على اسرائيل ما بعد سليماني سوى الانتظار لسيناريوهات قد تتجاوز توقعات ما رسمته مراكز الابحاث والدراسات الاسرائيلية بكثير .

ترامب احاط نفسه بمجموعة من المسؤولين والمستشارين ذوي النزعة الصهيونية أو اصحاب الميول الصهيوني، أمثال بومبيو وجون بولتون، وليس غريبا القول بأن الوزير بومبيو هو من تكفل بهندسة الاغتيال وهو من مارس اقصى الضغوط لاقناع ترامب في اللحظات الحاسمة بقرار الاغتيال، وهذا يكشف الدور الذي لعبه الجناح الصهيوني داخل البيت الابيض في العملية، ويشير للمديات التي يستطيع من خلالها هذا الجناح التأثير على الادارة الترامبية، بما يعزز القول أن اغتيال سليماني كان رغبة اسرائيلية قبل أن يكون ارادة أمريكية، ومهما سعت اسرائيل لإخفاء نفسها تفاديا لتبعات الرد والانتقام، يظل حجم التحريض الاسرائيلي على سليماني والذي جاء مبكرا جدا، والضغوظ الاسرائيلية التي مورست لتنفيذ العملية، تحتم ابقاءها ضمن دوائر الفاعلين الرئيسيين للحدث وللجريمة .

أمام كل التصريحات الامريكية الكثيرة تعليقا على الضربة وقرار ترامب، أقف مع الاشارة التى نشرها بايدن على صفحته بتويتر بقوله “إن ترامب رمى إصبع ديناميت في برميل بارود ويدين للشعب الامريكي بتوضيح استراتيجيته وخطته لإبقاء جنودنا وموظفي سفاراتنا ومصالحنا وحلفائنا بأمان” وهذا منطق يؤكد ما أشرت إليه من أن ترامب لا يملك أي استراتيجية يمكن من خلالها فهم حساباته تجاه هذا القرار وهذه العملية .

ما يسلم به الامريكيون هو أن القرار سيفتح الباب عليهم لمشهد أكثر تعقيدا ولا يمكن التنبؤ بمساراته، مشهد المؤكد فيه أنه سيستمر طويلا، وما بات يدركه الامريكيون تماما لما بعد سليماني، أن كل هزائمهم في السياسة الخارجية مجتمعة لا تقارن بشيء أمام هذه الجريمة وما سيلحقهم بسببها من هزائم أقل ما توصف به أنها كارثية ككارثية قرار ترامب .

باغتيال سليماني الحرب آتية لتبقى بعدها الاسئلة المفترضة والوحيدة، وهي.. أين؟ وبأي شكل؟ ومتى؟

وأجد نفسي مجبرة بأن اختم هذا المقال بتكرار التساؤل الذي طرحته صحيفة نيويورك تايمز الامريكية في إحدى افتتاحياتها بالقول “إن السؤال الذي يجب أن يطرح ليس ما إذا كان اغتيال سليماني مبررا، بل ما إذا كان قرارا حكيما؟ ” والايام القليلة القادمة كفيلة بإعطاء إجابة كاملة لهذا التساؤل الامريكي .

لم تكن دولة الكيان الصهيوني بعيدة عن قرار الاغتيال بل كانت شريكة أساسية في عملية الاغتيال تناولت مواقع الكترونية إسرائيلية دور اسرائيل بعملية الاغتيال وكيف مدت الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية بالمعلومات وحركات القائد سليماني منذ انطلاقه من مطار دمشق وحتى وصوله مطار بغداد .

ترامب ونتنياهو وما يعانيانه الرجلان من إمكانية الفشل السياسي حاولا الهروب إلى الأمام بعملية الاغتيال وكذا ضرب مشروع السلام الذي أعلنت عنه إيران مع المملكة السعودية وهذا أمر يقلق دولة الكيان والولايات المتحدة من ناحية نجاح هذا المشروع ويؤثر على سوق بيع الأسلحة لدول الخليج .

باحثة في العلاقات الدولية -دمشق

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here