اطلالة الرئيس التونسي على الزمن المصري الجميل

 

 

احمد كيوان

في لحظة من اللحظات المثيرة والبالغة الاهمية، جاءت الخطوة الجميلة والرائعة للرئيس التونسي قيس سعيد في زيارته التي تمت هذا الاسبوع لمصر، حين طلب ان يتضمن برنامج زيارته لمصر ان يقوم بزيارة ضريح الزعيم الراحل الرئيس جمال عبد الناصر.

وهي خطوة لم يقم بها، على ما اعلمه، أي زعيم عربي منذ وفاة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر. كما ان الحكومات المصرية المتعاقبة لم تدرج على البروتوكول ضريح عبد الناصر حتى يقوم بزيارته الرؤساء والشخصيات الدولية، باعتباره رجل النهضة في مصر الحديثة بعد محمد علي باشا. ولهذا، فان ما قام به هذا الرئيس العظيم لتونس قيس سعيد إنما يطل على التاريخ من جديد، ويطل على الزمن الجميل الذي ظنه البعض قد قضى وانتهى. ولا اشك، للحظة واحدة، ان حكام البترو دولار في الخليج كانوا في حالة امتعاض وغثيان وهم ينظرون ويرون هذا الاعتبار الكبير الذي ابداه الرئيس التونسي تجاه قائد عربي رحل قبل اكثر من خمسين عاما، ولا يزال حيا في وجدان الشعب العربي في مغرب الوطن وفي مشرقه. فهؤلاء الحكام الخليجيون، الذين خاصموا عبد الناصر وحاربوه تماما كما فعل الاستعمار والصهيونية، ظنوا ان عبد الناصر قد مات وان تراثه وفكره قد دفن معه، وانهم اصبحوا “زعماء” الامة العربية التي خانوها وانقلبوا عليها واشعلوا النار في ارجائها وفتحوا بوابات بلادهم امام غلاة التطرف في اسرائيل، فاصبح نتنياهو فاتح الامارات والمنامة والرياض والرباط وغيرها من العواصم العربية. فيا له من تاريخ اسود سيسجل ليكون وصمة عار في جبين هذه الامة في هذا الزمن العربي الرديء.

 من هنا، جاءت الخطوة الجبارة للرئيس النبيل قيس سعيد، ليكتب تاريخا آخر ناصع البيان في سفر التاريخ. وقد بدأ مقدمته في زيارته ضريح الزعيم عبد الناصر، حين اكدت هذه الزيارة وبشكل قاطع ان رموز الشعوب هي كنوز التاريخ، وعبد الناصر هو ذاك الرمز الحقيقي للشعب المصري وللشعب العربي بشكل عام. وهو كنز لامتنا وتاريخنا، سيظل محفوظا الى يوم تبعثون. فها هو ابو الهول في مصر، وهو رمز فرعوني، لا يزال كنزا تاريخيا رغم مرور آلاف السنين على بنائه وتشييده. وهو من ابرز معالم القاهرة السياحية، اذ يؤمّه ويؤمّ باقي الاهرامات كل الزائرين والوافدين لمدينة القاهرة. ومن المهم بعد الخطوة الجبارة للرئيس التونسي ان تهتم مصر اكثر بهذا الرمز الكنز حتى يكون معلما يحرص السياح والزوار على زيارته في مقدمة الاماكن التي يزورونها. واهم من ذلك حتى يظل هذا الارث الفكري والنضالي القومي والانساني لجمال عبد الناصر محط آمال النخب القومية العربية. فالمرحلة القادمة تتطلب عودة الى هذا الفكر الذي لا يزال في اكثره صالحا لزماننا القادم، لأنه التحرر مقابل الهيمنة والتبعية، والعدالة الاجتماعية امام القهر الذي تمارسه الرأسمالية المتوحشة، واظهار انسانية الانسان في وجه العنصرية والتعصب الذي يسود بلدانا كثيرة هذه الايام.

ومع ان الرئيس التونسي قيس سعيد كان، وحتى قبل ان يصبح رئيسا للجمهورية، من اشد انصار فلسطين وظل صامدا في وجه الضغوطات التي مورست عليه، رافضا أي شكل من اشكال التطبيع وداعيا الى سن قانون يحرم التطبيع مع الاحتلال، وكان واضحا في هذه الامور سابقا، لكن احدا لم يكن يعرف انه ناصري الى هذا الحد وهو الذي لا حزب له. غير ان نقاءه وصفاءه ووضوح رؤيته هو ما دفع بأكثرية الشعب التونسي لتختاره رئيسا لهذا البلد الذي له خصوصية عند الشعب الفلسطيني بعد احتضانه لمنظمة التحرير الفلسطينية، عقب الخروج من لبنان. وامتزاج الدم الفلسطيني بالدم التونسي هو الذي ولّد هذه الحرارة والعلاقة الحميمية بين الشعبين الشقيقين.

وقد لاقت زيارة قيس سعيد لمصر وضريح عبدالناصر استحسانا لدى اوساط تونسية عديدة، حزبية وشعبية، بخلاف حركة “النهضة” التي هي حركة “الاخوان المسلمون” في تونس. وهي كغيرها من فروع الاخوان المنتشرة في العالم العربي ناصبت عبد الناصر العداء في حياته، لأنه لم يقدم لها الحكم في مصر على طبق من ذهب. وناصبته وتناصبه العداء بعد رحيله، لأنها لا تزال تخاف من فكره ومن عودة هذا الفكر مرة اخرى الى عالمنا العربي. وقد اثبت الرئيس التونسي هذا الأسبوع ضرورة هذه العودة.

فشكرا، سيدي الرئيس النبيل، قيس سعيد!!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. أستاذ أحمد : لقد لفت إنتباهي الشبه الكبير بيّنَكم وبين الشهيد ناجي العلي…!!!! كونوا بخيّردائمأ, كل الود سّيدي

    ………………………….
    إبن النكبة العائد إلى يافا
    لاجىء فلسطيني

  2. سلام الله وتحيّة ترقى لتليق أستاذ أحمد ….
    جمال عبدالناصر شّمسٌ سّطعت فّهيّ لم تَغرُب ولن تَغيب..
    لم أجد ما أعقب به أجمل ولا أجَلّ من هذه العبارة ..
    فشكرا، سيدي الرئيس النبيل، قيس سعيد!!
    كل الود والوفاء سيّدي ….
    ……………………………
    إبن النكبة العائد إلى يافا
    لاجىء فلسطيني

  3. قيس سعيد الذي زار ضريح القائد العربي الخالد جمال عبدالناصر منتخبٌ من الشعب التونسي العربي الهوى والعقل، ومن جماهير شعبه يستمد سعيد الشرعية والقوة لزيارة ضريح عبدالناصر.. أما الحكام العرب المفروضون بالهراوة الأمريكية والفرنسة والبريطانية على شعوبهم التي يحكمونها بمنظمومة الفساد والاستبداد.. هؤلاء المرعوبون والمتحكم فيهم لا يجرؤون على زيارة ضريح عبدالناصر ، وهذا أمرٌ جيد، لأنهم إن فعلوا سيلوثون الضريح ويلطخونه بعار الخيانة التي تصاحبهم أينما حلُّوا وارتحلوا..

  4. فيما قيل لي ، قام الرئيس هواري بو مدين بزيارة للضريح خلال أول زيارة له بعد وفاة الرئيس المصري ولم يرفقه الرئيس السادات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here