اضراب المعلمين الأردنيين ومحاكمة عهد كامل

د. معن علي المقابلة

 بنهاية دوام يوم الخميس 3/10/2019 ينهي اضراب المعلمين الأردنيين شهره الأول ، وهو أطول اضراب يحدث في تاريخ وزارة التربية والتعليم الأردنية بل في المملكة.

جاء اضراب المعلمين على خلفية مطالبة نقابة المعلمين بإيفاء الحكومة لتعهداتها بزيادة مئة وخمسين بالمئة على الراتب الأساسي للمعلمين ، وقد حصلت على المئة الأولى قبل سنوات ، وفي عام 2014 طالبت النقابة بالخمسين بالمئة المتبقية ، الا ان الحكومة رفضت ذلك فلجأت النقابة للإضراب ، الى ان تدخل بعض النواب وتمت تفاهمات أدت الى تعليق الاضراب على ن تُجدول العلاوة على سنتين او ثلاثة سنوات تبدأ عام 2016م.

الا ان الحكومة تجاهلت ذلك كما ان المجلس الثالث لم يكن جاداً في المطالبة بها ، الى ان جاء المجلس الرابع والذي انبثق عن الهيئة المركزية المنتخبة من المعلمين وقد تشكل مجلس النقابة من مجموعة من الحراكيين الذين قادوا حراك المعلمين للمطالبة بالنقابة الى جانب الحركة الإسلامية(الاخوان المسلمين)وبعض المحسوبين عليهم ، وادت المفاوضات بين الطرفين الى انتخاب مجلس يضم الفريقين وان شكل الإسلاميون والمحسوبين عليهم الأغلبية فجاء الاتفاق على ان يكون رئيس مجلس النقابة من الحراكيين وهو الدكتور احمد الحجايا الناطق الإعلامي للنقابة في الدورة السابقة ، بينما يتوزع باقي المواقع الأخرى الحركة الإسلامية والمحسوبين عليهم كنائب النقيب الدكتور ناصر نواصرة وامين السر وامين الصندوق والناطق الإعلامي.

وعلى ما يبدو ان المطالبة باستكمال علاوة الخمسين بالمئة كانت الأولوية لدى هذا المجلس ، ووضع خطة طريق للوصول اليها ، فقد خاطب المجلس وزارة التربية والتعليم للالتزام بتعهداتها التي وعدت النواب بإعطائهم العلاوة سنة 2014م الا ان الحكومة تنكرت لذلك وقالت بانها لم تقطع وعداً بذلك ، ادرك المجلس ان الوزارة ترفض الاعتراف باستكمال العلاوة مما أدى الى التصعيد ضمن الخطة التي وضعها المجلس واعلنها النقيب الدكتور احمد الحجايا على الاعلام وهي الدعوة لاعتصام حاشد لمعلمي المملكة في العاصمة عمان امام مقر رئاسة الوزراء (الدوار الرابع) وحدد موعده يوم الخميس الموافق 5/9/2019م يبدأ الساعة الثانية عشر ظهراً وينتهي الساعة الثانية ، كخطوة تصعيدية أولى ، وبعد ذلك يمنح المجلس الحكومة شهراً كاملاً للاستجابة لمطلب العلاوة ، واذا لم تستجيب ينتقل المجلس الى تصعيد اخر وهو الدعوة الى اضراب مفتوح لمعلمي المملكة يبدأ في 1/10/2019م ، ويشاء القدر ان ينتقل نقيب المعلمين احمد الحجايا الى الرفيق الأعلى بحادث سير مؤسف ، ليصاب ميدان المعلمين بصدمة كبيرة لفقدانهم نقيبهم الذي كان يتسم بشخصية قوية ، كما كان مقاتلاً شرساً في سبيل تحصيل حقوق المعلمين والدفاع عن قضاياهم وجاءت وفاته قبل الاعتصام بأسبوع ، وللحقيقة فبرغم الخسارة التي مني بها المعلمون بفقدانهم لنقيبهم في وقت حرج ، الا ان هذه الوفاة التراجيدية قد شحذت همم المعلمين واصبحوا اكثر تصميماً  على الالتفاف حول نقابتهم للحصول على مطلبهم ، وفاءً للراحل الدكتور احمد الحجايا ، كما ان نائب النقيب الدكتور ناصر النواصر اثبت بأنه رجل المرحلة وليس باقل قوة من سلفه الحجايا.

 بدأ التحضير للاعتصام من خلال التحشيد لفروع النقابة في المحافظات ، وقد ادركت الحكومة ان الأعداد ستكون كبيرة جداً خاصة القادمة من المحافظات ، فاتخذت قراراً بمحاولة منع او إعاقة وصول المعلمين من المحافظات للعاصمة عمان ، فأوعزت بمنع الحافلات التي تقل المعلمين من الوصول ، كما وضغطت على اصحاب الحافلات بعدم تأجيرها للنقابة ، الا ان هذه الإجراءات لم تمنع المعلمين من الوصول للعاصمة ، الذين جاءوها بسياراتهم الخاصة ليجدوا كل الطرق المؤدية للدوار الرابع مغلقة ، وقد تجمع المعلمون في اكثر من مكان للوصول للدوار الرابع مقر الحكومة والذي تحول الى ثكنة عسكرية ، الا انهم مُنعوا بالقوة وتم القاء قنابل الغاز المسيل للدموع على بعض جموع المعلمين الذين حاولوا الوصول لمقر الحكومة ، كما تم رشقهم بالماء وتعرض البعض للضرب والبعض الاخر للاعتقال ، وقد قُدرت اعداد المعلمين الذي شاركوا بالاعتصام حوالي اربعين الف معلم ومعلمة.

امام هذه الإهانة التي تعرض لها المعلمون ، وخاصة ان الاعتصام كما أُعلن عنه سيكون اعتصاماً سلمياً لن يتجاوز الساعتين والهدف منه إيصال رسالة قوية للحكومة ، قرر نائب النقيب الدكتور ناصر نواصرة وتحت ضغط المعلمين الذين شعروا بالإهانة من إجراءات الحكومة إعطاء الحكومة مهلة نصف ساعة لفتح الطرق المؤدية للدوار الرابع ، والا سيعلن عن البدء بإضراب مفتوح للمعلمين يبدأ من يوم الأحد 8/9/2019م ، وهذا ما حدث.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا ، لماذا تعاملت الحكومة بهذا العنف مع المعلمين على الرغم من ان اعتصامهم كان محدداً بساعتين فقط ، كما ان اعتصامهم اعتصاماً مطلبياً وليس سياسياً مرتبط بعلاوة مالية يعتقد المعلمون انهم يستحقونها؟

اعتقد ان منظومة الحكم ولا أقول الحكومة اتخذت قرار عدم وصول المعلمين للدوار الرابع وهو مقر الحكومة ، للرمزية التي أخذ الدوار الرابع يشكلها لدى المعلمين فمنذ اعتصامهم الكبير في 14/2/2012م والذي على ضوئه استجابت الحكومة لإنشاء نقابة المعلمين  كما ان الدوار الرابع له مكانة خاصة ايضاً لدى الحراكيين فاعتصامهم الكبير عليه أدى الى اسقاط حكومة هاني الملقي والذي عرف بهبة رمضان ، اضف الى ذلك ان الجهات الأمنية تأكدت ان اعداد المعتصمين سيكون بالألاف وهذا سيوصل رسائل عدة لكثير من الجهات تكون كلها لصالح المعلمين ، كما ان الجهات الأمنية بذلت جهوداً جبارةً منذ اعتصام الرابع الذي اسقط حكومة الملقي بعدم وصول المحتجين للدوار الرابع ، ونجحت بذلك بحيث اصبحت هذه الاحتجاجات بمحيط الدوار الرابع او ما يعرف بساحة كراج مستشفى الاردن.

راهنت منظومة الحكم على ان اضراب المعلمين لن يطول معتقدةً ان موت نقيب المعلمين الدكتور احمد الحجايا صاحب الشخصية الكارزماتية ، والذي يلقى قبولاً عند جميع تيارات المعلمين سيضعف الاضراب ، كما انها اعتقدت ان نائب النقيب وهو المحسوب على الاخوان المسلمين قد لا يلقى تجاوباً من ميدان المعلمين خاصة اذا ما بدأوا بتحريك عناصرهم باتهام النقيب بانه يتحرك بأوامر من جماعته لتصفية حسابات مع النظام على حساب المعلمين ونقابتهم ، كما راهنوا ايضاً على عدم تجاوب اهالي الطلاب والشعب بشكل عام مع الاضراب ، الا ان مجريات الأمور اثبتت عكس ذلك ، فقد ادار مجلس النقابة بقيادة نائب النقيب النواصرة الاضراب بحرفية وذكاءً كبيرين ، بل نستطيع القول بأن الاضراب تحول من اضراب مطلبي متعلق بعلاوة مالية للمعلمين الى محاكمة لسياسات النظام في العشرين سنة الماضية، اي منذ تسالم الملك عبدالله الثاني لسلطاته الدستورية عام 1999م ، وهذ بفضل تعامل الحكومة الأمني مع الاضراب.

بحيث فُتحت ملفات عديدة اخفق فيها النظام بشكل واضح دون اعطاء تبرير لهذه الاخفاقات ، كما ان رجال الدولة المتهمين بهذه الاخفاقات لا زالوا هم انفسهم ممن يديرون البلد ، والانكى من ذلك ان بعضهم ممن يدير ملف اضراب المعلمين ، والاكثر غرابة ان المنطومة الحاكمة بدأت تستعين برجالها من وزراء ونواب عاملين ومتقاعدين وصحفيين لاقناع المعلمين بفك اضرابهم حرصاً على امن البلد ومصلحة الطلاب ، مما اثار حنق كثير من المعلمين والناشطين عندما بدأت تتسرب من وسائل التواصل الاجتماعي فساد هؤلاء والرواتب الفلكية التي يتقاضونها من اكثر من جهة حكومية  واخذ الأردنيون يتهكمون عليهم بمقولة ” يريد من يأخذ عشرة الاف دينار في الشهر ان يقنع من يأخذ اربعمئة دينار انه على خطأ”.

جاء ملف الولاية العامة التي يفترض ان يتمتع بها رئيس الوزراء اول الملفات التي بدأ الناشطون طرحها ، عندما ادركوا ان رئيس الوزراء ليس لديه قرار في التعامل مع الاضراب ، وان كان هو في الواجهة ، الا بالرجوع لسلطات يبدو انها اعلى منه كالديوان الملكي ودائرة المخابرات العامة وبعض القوى المتنفذة داخل منظومة الحكم ، وهذا عزز موقف الحراك الشعبي والذي كانت اهم مطالبه استرداد السلطة من خلال تعديلات دستورية تعيد السلطة للشعب.

ومن الملفات التي فُتحت على مصراعيها ملف الخصخصة ، ففي العشرين سنة الماضية تم بيع معظم المؤسسات الوطنية وخاصة الاقتصادية منها ، للقطاع الخاص ، سواء الوطني او الخارجي والهدف المعلن من ذلك لتحسين اداء هذه الشركات في خدماتها للمواطن ، وليذهب جزء من اثمانها لسداد الدين الخارجي وإنشاء صندوق للاجيال ، الا ان شيئاً من هذا لم يتحقق ، بل اننا خسرنا هذه المؤسسات وزادت المديونية بارقام فلكية.

كما تم فتح ملف الهيئات المستقلة وهي هيئات يتداخل عملها مع عمل الوزارات ، الا ان هذه الوزارات ليس لها عليها سلطة فهي تتبع لرئاسة الوزراء وقد تم انشاء هذه الهيئات لتوفر فرص عمل لابناء علية القوم من رجال الدولة وبرواتب كبيرة بصرف النظر عن مؤهلاتهم وكفاءاتهم ، وقد قُدر عدد هذه الهيئات باكثر من سبعين هيئة بحيث يشكل هذا العدد عبئاً على خزينة الدولة ، فقد قُدرت موازنة هذه الهيئات بمليارين دينار.

الا ان اهم هذه الملفات واخطرها ملف التعليم ، فقد اثار تعنت المنظومة الحاكمة تجاه تحسين اوضاع المعلمين ، وقبل ذلك المحاولات المستميدة منها بعدم الموافقة على إنشاء نقابة المعلمين ، تخوفاً لدى النخب من ان هناك مخططات لخصخصة التعليم ، وقد ظهرت بوادره عندما تعنتت المنظومة الحاكمة بعدم اعطاء النقابة اي دور في تأليف المناهج وتدريب المعلمين ، ويبدو ان هذه التخوفات كانت في مكانها ، فقد تم إنشاء المركز الوطني للمناهج وهو مركز مستقل عن الوزارة يُعين اعضائه بارادة ملكية مهمته اعداد المناهج للوزارة ،  كما لم تعد الوزارة مسؤلة عن تدريب المعلمين ، واصبحت الجهة المنوطة بها هي اكاديمية الملكة رانيا العبدالله ، والتي دار لغط كبير حول هذه الأكاديمية في الاسابيع القليلة الماضية ، فهي مسجلة كشركة خاصة ، وظهر لها مخصصات في الموازنة العامة ، كما انها معفاة من الضرائب او جزء منها ، كما اصبح لهذه الآكاديمية نفوذاً كبيراً في وزارة التربية والتعليم بحيث يُعطى خريجيها اولوية في التعيين متجاوزةً ديوان الخدمة المدنية صاحب الولاية في التعيينات في القطاع العام.

وهناك حديث عن بإيجاد بنك اسئلة من خلال شركة تتعاقد معها وزارة التربية والتعليم ، وهذا بالضرورة سيؤدي الى إعادة هيكلة الامتحانات ومن ثَمَ الغاء مديرية الاختبارات والامتحانات بشكل عام. وبذلك لن يتعدى دور وزارة التربية والتعليم عن مديرية لشؤون الموظفين مهمتها تحديد مراكز عمل المعلمين لا اكثر ولا اقل.

واخيراً وليس آخراً ، اظهرتعامل منظومة الحكم مع اضراب نقابة المعلمين ، مدى هشاشة هذه المنظومة ، فما ان تم مواجهتها بمجموعة منظمة وتمتلك ارادة حقيقية في الدفاع عن مطالبها كنقابة المعلمين ، حتى تكشف الكثير من عوراتها ، كما ان نقابة المعلمين استطاعت ان تظهر هشاشة وقصور رؤية القوى السياسية الأخرى المتواجدة على الساحة السياسية منذ عشرات السنين ، اعتقد ان نقابة المعلمين بحسن ادارة اضرابها اعطت دروساً لا منهجية وخارج الغرف الصفية بكل الاتجاهات ، وسيكون لهذه الدروس انعكاسات ايجابيه على كل المستويات.

باحث وناشط سياسي

Maen1964@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. والله يا دكتور ما عدنا نعرف ماذا يلعبون بنا وربنا يكملها علينا بالستر

  2. مقال معمق يجيب عن معظم الاسئلة التي لا رعرف اجوبتها القارئ المهتم.
    شكرا للكاتب على هذا الجهد الطيب.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here