اصدارات سنة 2018 “نبيل جميل” حقق المواءمة بين التوثيق التاريخي والنص الروائي

 بغداد – حمدي العطار

ان القدرة على الجمع بين ما هو تسجيلي وما هو روائي يشكل احيانا معضلة لا يستطيع معظم الروائيين تجاوزها،فنرى بعض الاعمال تلتصق بما هو واقعي (مباشر) فتكون الرواية تسجيلية وثائقية بنسبة كبيرة، وتفقد العناصر الفنية في السرد الروائي، وهناك من يأخذ من الواقع الاطار العام وينشط عنصر الخيال كثيرا ، فتضيع عنده العناصر التوثيقية للاحداث وتطورات الشخصيات، الروائي” نبيل جميل” في روايته (رسائل رطبة) أستطاع ان يربط ما هو واقعي وتاريخي بالوثائق مع تفعيل العنصر الفني والخيال المرتبط بأرضية واقعية، فكانت الرواية ابتدأ من العنوان الذي سنتعرف فيما بعد عن سبب هذه التسمية التي قد توحي ما عثر عليه (سيمون فيليبس) احد افراد السواحل اليونانية المراقبة للحدود البحرية مع تركيا،حينما يشترك في انتشال 34 جثة دفعتها الامواج وهي لجنسيات عراقية وسورية مهاجرين بقوارب الموت”غير ان ما جعلني منشغلا اكثر، هو ما وجدته ملفوفا بعناية داخل ستر النجاة الطافية، فقد كان على شكل مجلد محكم التغليف” وهي عبارة عن مخطوطة رواية كتبها البطل (خالد) تتضمن رسائل بينه وبين حبيبته المغربية (عائشة) التي تعرف عليها في مهرجان المربد، فيقرر ان يمثل دور العاشق من اجل الحصول على مساعدة منها ليهاجر من العراق الى المغرب فيتحول حديثهم من الشعر الى السياسة ومنه الى الغزل”رائحتك شهية مثل جوزة الهند الطازجة”وبينما يمضي السارد في فضح هذه المهرجانات التي مهمتها مدح القائد والتغني ببطولاته المزيفة من اجل ان ينتفع هؤلاء بمكرمات قائد الضرورة !”فبدت القصائد ركيكة مجرد رصف كلمات، تحفيز على الحرب وكأنها اشعال فتن، وصب بنزين على نار، اراقة المزيد من دماء العراقيين”

*التلاعب بالزمن

ليس هناك ترتيب زمني للسارد بل هو يوظف الزمن لصالح البناء الفني للاحداث وتأثيرها على الشخصيات، فهو يمهد فكرة الهجرة من العراق ونضوجها عبر تناول الوضع بعد الاحتلال الامريكي للعراق”نعم فالأحزاب القادمة لا تفكر بأمثالك، من بقي في الداخل كان مع نظام صدام حسين،هو تفكيرهم وقرارهم،حينما جاؤوا ممتطين دبابات امريكا وبريطانيا ليستلموا العراق” ويعود السارد الى شاعرته المغربية ليتطور الحديث من الغزل المؤدب الى الغزل الجنسي”ادنيت منها اكثر وانا اشعل لها السيجارة،لمست خدها برفق ولم تمنعني أو تتذمر” يخبر خالد صديقه فريد الذي يثق برجاحة عقله بموضوع الهجرة مستغلا علاقته بعائشة المغربية،ينصحه فريد بعدم الاستعجال ويطلب منه الصبر “لا تتعجل انتبه حتى لا تشك بالامر دعها هي من تبدأ اولا”

*رسائل رطبة

الرطوبة التي يتحدث عنها السارد ليس هي فقط رطوبة مياه البحر الذي غمرته مع المهاجرين ولامست الرسائل بينه وبين عائشة فأصبحت رطبة، بل هي رطوبة يكشفها خالد وعائشة فيها ايحاءات جنسية جرئية،

وليست الجراءة الجنسية تتوقف على الرسائل فحسب بل ان عمل خالد  كحارس في مرأب بالقرب من الملهى في شارع الوطن له حصة واسعة من الرواية ،حينما يسرد حياة  الحارس المصري (زكريا) وزوجته الراقصة العاهرة بعلمه وبتشجيع منه لجمع المال! او سرد الحارس العراقي الثاني معه (شاكر العبد) – أبو الفروخ!وكذلك اضطرار الشاعر والبطل السارد خالد ان يعمل بمهن وضيعة مع العاهرات من اجل كسب المبلغ المطلوب للهجرة!

يبقى ما يحسب للسارد “نبيل جميل” قدرته على الامساك بالنسق الفني المغاير ،وتقديم بنية توثيقية روائية وضخ مكثف للمعلومات التي تجعل القارئ يتعرف على المرحلة التاريخية موضوع السرد هاجس الهروب في رواية (رسائل رطبة)

في هذه الرواية يلمح السارد “نبيل جميل” الى مفهوم (الوطن الضائع) الذي يأس المواطن من العثور عليه،فيبحث عن وطن بديل، وكأنه يقول على لسان بطله “خالد” ليس المهم  الوطن انما المهم هو المواطن!

“ندمت على ثماني سنوات في الحرب، شعرت بغصة لم تنزل من الريق،أمن اجل هذه الامكنة كنت ادافع كي ينعم السكارى بليال حمراء؟انا في الخندق وهم في نعيم الحانات؟انا في الحجابات لا انام من البعوض وازيز الرصاص والكيمياوي والموت الدائم، وهم في جنة الحياة يسرحون ويمرحون……سأكافح من أجل الهروب،هكذا قررت،حتى لو عملت في الدعارة ” هكذا يبرر خالد عمله في مجال الدعارة والحصول على العمولات والبقشيش،ليجمع المال الكافي للحصول على جواز مزور يهرب فيه من العراق.

*الهروب الاول

كان ذلك في زمن صدام ،ففي هذا القسم من الرواية يقدم لنا نبيل جميل شخصية خالد الاديب والشاعر بصورة مغايرة،فهو اصبح يفكر بالغاية تبرر الوسيلة، فيجعل من تلك الشخصية الواعية إن تكون شخصية انتهازية بلا كرامة ولا تملك اي واعز اخلاقي بما يمارسه من اعمال وسلوكيات وضيعة هدفها الحصول على المال،وهنا ايضا يفرغ الكاتب كل الصور التي تلامس حياة الملاهي وبيوت الدعارة بوصف دقيق لا يخلو من الجراءة التي قد يضعها البعض في خانة (الكتابة الاباحية)! “غرقت بكامل جسمي في مستنقع نتانة ما حسبت بأنني سوف أمر بقربه ذات يوم” وبعد ان يجمع خالد ما يكفي لشراء جواز مزور يحصل عليه من صديقه المصري زكريا،يخرج من العراق الى الاردن ، ليتصل بحبيته عائشة التي لديها مهرجان في القاهرة فيندفع بالمغامرة ويسافر الى مصر،ويعتقل بسبب التزوير وان زكريا المصري مطلوب للقضاء بتهمة القتل، يسلم الى السفارة العراقية، ويرحل الى العراق ليعيش مرحلة العذاب وامتهان رامة الانسان!

“في سجون العراق أجهز علي تماما بشتى إنواع التعذيب… وصلت للموت،نحل الجسم واختل العقل”

*تأيب الضمير

بينما يعيش خالد في دوامة التكيف المؤقت في العراق،كانت عائشة تعيش اصعب انواع الحرمان وتمرض من شدة الحب وعدم القدرة على ما تريد  ,`وما ترغب !فكان الحلم هو هاجسها للتعويض عن هذا الحرمان”في ذلك الحلم احسست وكأنني منذ دهور منغرسة فيك،قذفت من طراوة شفتيك فاجتاحتني نار من حريق ارتجافك،رضاب ريقك العذب كالعسل في فمي، حبك قواي في مواجهة الحياة، ضمني اليك بقوة،لاحقني بأنفاسك الحارقة،وشهقاتك المتلاحقة، وانت تسفني ماء الحياة،رطبني بمائك الساخن” كل هذه المشاعر توصلها الى حالة من اليأس لتفكر بالموت بعد ان تسمع بإن خالد حبيبها قد تزوج في العراق!فتصل الى الانتحار ويتم انقاذها باعجوبة! لذلك تكتب رسالة عتاب الى خالد تشرح فيها ما حدث له ويشعر خالد بتأنيب الضمير لممارسة الخداع من اجل مصلحته”هل تذكر رسائل البحر وآثار نهدي، لقد صبغتهما من اجلك والصقت الورقة على صدري، مرغتها فوق الحلمتين حتى انتصبتا ومزقتا الورقة….فقد كنت احبس نفسي في داري في الطابق العلوي،كي احضر لك رسائلي المبلولة بسوائلي” يقول خالد لنفسه”منذ تلك الليلة وألم تأنيب الضمير لم يفارق الذهن… عندما اتفقد رسائل وصور عائشة ،أدرك بأنني كنت على قدر كبير من السخافة واللؤم،والمبالغة والاحتيال في الغزل”

الخاتمة

قام السارد بتقسيم روايته الى ثلاث مقاطع(بداية – الوسط- نهاية) وإن كانت معظم الرواية في الوسط لكن البداية كانت تشكل نوع النهاية،وعلى الرغم من معرفتنا بمصير خالد الا انها لم تفسد علينا عنصر التشويق!

ففي نهاية الرواية يسرد لنا السارد محاولة الهروب الثانية التي خطط لها خالد وهذه المرة للهجرة الى اليونان عن طريق تركيا،وهو يحلم بالوصول الى اوربا (المانيا)،فبعد توجيهات مفصلة من احد المهربين حول كيفية الانتقال من بلد الى اخر وصولا الى برلين ، ترتبط الرواية مع الجزء الاول لتكتمل الصورة بهذه الاسطر”انا الان في اواخر شهر ايلول من عام 2015 اكتب آخر سطور روايتي، بعد ذلك اغلفها بسيليفون ثم اضعها داخل كيس بلاستيك محكم، خوفا من دخول ماء البحر واتلافها، لي امنية بنشرها في المانيا بعد قبول اللجوء” يمتد زمن الرواية 15 عاما من سنة 2000 يوم التقى خالد بحبيته عائشة الى سنة هجرته وموته غرقا سنة 2015 ،اغلب اجزاء الرواية في البصرة مع اشتراك الامكنة الاخرى بشكل قليل (المغرب- الاردن- مصر) جعلنا السارد نجد انفسنا امام شخصيات واحداث حية لما يملكه من طاقات سردية متفجرة،لا تخلو من الصور الدرامية التي تقترب من لغة السينما ومجال الدراما،الرواية تشكل عالم السارد وهي تجربة غنية مر بها معظم العراقيين وتألم من مرارتها !

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. دراسة مهمة من كاتب متمكن غاص في اعماق الرواية واستخرج ما كان مدفونا فيها من لؤلوء .. نعم هكذا وجدت الاستاذ حمدي العطار وكانه غواص محترف يشار له بعمق التجربة والخوض في مجال النقد . وقد وفق كثيرا في بحثه .. شكرا له الف شكر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here