اسيا العتروس: بعد محاكمة جزار البلقان.. امل رفيع يتجدد في الجنائية الدولية.. هل يكون مصير ناتنياهو كمصير ملاديتش؟

اسيا العتروس

هل يكون مصير رئيس الوزراء الاسرائيلي ناتنياهو كمصير مجرم الحرب ملاديتش الذي اقرت الجنائية الدولية ضده حكما بالسجن مدى الحياة ؟السؤال تفرضة تطورات الاحداث و الجرائم الكثيرة التي يحملها ناتنياهو في جرابه و هي جرائم حرب اقترفت في حق اطفال و نساء و شباب فلسطين و في حق المقدسات و في حق الارض و الزرع على مدى عقود و سبقه في ارتكابها شارون البلدوزر الذي رحل دون محاكمة و مثله محطم عظام الاطفال بيريز و غيرهم من القيادات العسكرية الاسرائيلية التي حظين بحصانة دولية و حماية حلفاء هذا الكيان …

طبعا قد يبدو السؤال اقرب الى الهذيان في زمن العدالة الدولية المغيبة و لكن قرار الجنائية الدولية في حق سفاح البلقان حدث مهم عاشت على وقعه العدالة الدولية قبل ايام باعلان تاييد الحكم بالسجن مدى الحياة على احد قادة مجرمي  للعصر الحديث و هو الجنرال الصربي راتكو ملاديتش المعروف خاصة بلقب سفاح البلقان ..صحيح ان الحدث لم يثر الاهتمام في غمرة تواتر الاحداث دوليا و اقليميا و انصراف الراي العام الدولي الى التعاطي مع تداعيات الحرب على كورونا و ازمة اللقاحات في العالم و الرصد اليومي لعدد لضحايا الوباء في العالم , و لكن الاكيد ان هناك اعين و منابر ترصد و تقرأ و تتابع كيف تحقق هذا الامر بعد اكثر من ربع قرن على اسوا حرب عرقية في قلب اوروبا في القرن تسعينات القرن الماضي و الاكيد ان هناك من يتحسب لما تحقق للجنائية الدولية ومن يسعى الى اجهاض و بتر تحركاتها مستقبلا خاصة بعد ان اقرت الجنائية الدولية و المدعية العامة بن سودا بان ما يحدث من تجاوزات في الشرق الاوسط و تحديدا في فلسطين المحتل يدخل تحت مظلة اهتماماتها وهي تتجه الى التحقيق في الجرائم الاخيرة المرتبطة بالعدوان الاسرائيلي الارهابي على غزة …

وبالعودة الى قرار الجنائية الدولية بحق مجرم الحرب راتكو ملاديتش و هو قرار تاريخي و مصيري في مسار العدالة الدولية المغيبة ذات المعايير المزدوجة فان الاكيد ضمان الوصول الى النتيجة المطلوبة ليس بالامر الهين و ليس خاليا من العراقيل و التحديات ,  ان هذه المحكمة لا تعني سوى الدول الموقعة على اتفاقية روما التي تقبل بها حكما في القضايا و انه كما ان لهذه المحكمة دول و منظمات تساندها فهناك ايضا قوى كبرى تعلن لها العداء و لا تعترف بها و تتحسب من امكانية اخضاع قواتها العسكرية المتورطة في قضايا و جرائم ضد الانسانية تحت سيفها ..و الاكيد ان هذا القرار بشان مجرم الحرب ملاديتش يؤكد ان صدق و صلابة الارادة و اصرار عائلات الضحايا على محاسبة ومسائلة الجاني مثلت الشرط الاساسي للوصول الى هذه النتيجة ..

ومن هنا سيتعين الانتباه الى اهمية التسلح بالكثير من الصبر و الجلد و العمل لاستنساخ هذه التجربة و استعادة نتائجها بالنسبة لضحايا الاحتلال الاسرائيلي المستمر منذ عقود ..

 بتأييد القرار الصادر في 2017 بالسجن مدى الحياة بحق الجنرال السابق راتكو ملاديتش المعروف باسم “سفاح البلقان تكون الجنائية الدولية بلاهاي حققت هدفا كبيرا للانسانية لا سيما و ان سفاح البلقان  يحمل في رصيده سلسلة من الجرائم  ضد الإنسانية بينها مجزرة شريبرينيتشا  التي سجلت مقتل  أكثر من 8 آلاف من اهالي البوسنة من المسلمين على أيدي قوات صرب البوسنة الذين كانوا تحت امرته …و ظلت صور القوات الاممية اصحاب القبعات الزرقاء و هم موثوقون الى الاعمدة الكهربائية اكبر اهانة تلحق المنظمة الاممية تحت انظار العالم الى جانب غيرها من جرائم الحرب التي ارتكبت في حق نساء و اطفال البوسنة في تسعينات القرن الماضي …

ظل ملاديتش هارب طوال ستة عشرة عاما قبل ان يتم القبض عليه في 2011

مر على الحرب اكثر من ربع قرن و ربما لم يكتب للالاف من أهالي الضحايا أن يعيشوا لحظة تحقيق العدالة التي تاخرت كثيرا و استوجب تثبيت الحكم عليه اكثر من عقدين من الانتظار و الثبات و الاصرار على جمع الوثائق و الشهادات و الرد على مطالب الدفاع بتبرئة سفاح البلقان الذي ينظر له الكثير من مواطنيه الصرب كبطل قومي …

و الاكيد ان ما حدث يعني بكل بساطة ان هناك جرائم لا تسقط بالتقادم و ان الذين رفعوا شعار ما ضاع حق وراءة طالب يدركون هذه الحقيقة اليوم ..و الاهم من كل ذلك كيف سيتعين ابقاء جذوة الامل قائمة في امكانية نجاع الجنائية الدولية بلاهاي بعد إعلان المدعية العامة في فاتو بنسودا نيتها فتح تحقيق شامل بخصوص جرائم حرب محتملة ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، هو قرار هام جدا للفلسطينيين بشكل خاص، وللعدالة الدولية بشكل عام. هذا القرار الذي جاء نتاجا لحراك دولي مكثف بدأ منذ سنوات من قبل مؤسسات المجتمع المدني ومن بعدها السلطة الفلسطينية وبعثاتها الدبلوماسية وممثليها في الأمم المتحدة بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 67/19 من عام 2012 اصبحت بموجبه فلسطين دولة بصفة مراقب غير عضو، بدل كيان غير عضو في الأمم المتحدة، الأمر الذي أتاح لها التوقيع على معاهدات واتفاقيات دولية، وهو ما فعلته بخصوص التوقيع على نظام روما المؤسس لمحكمة الجنايات الدولية منذ 2014.

 

لا خلاف ان القرار الصادر عن المدعية العامة في محكمة الجنايات الدولية  التي تستعد لترك منصبها على أنه محطة مهمة في حلبة الصراع الدائرة في المحافل الدولية بين ممثلي الشعب الفلسطيني من السلطة الفلسطينية ومنظمات حقوقية ومجتمع مدني وجهات أخرى مناصرة للشعب الفلسطيني في حقه بتقرير مصيره من جهة، وبين إسرائيل وحلفائها  وبالدرجة الأولى حليفها الامريكي الرافض لهذه المحكمة ..

الاكيد ان الطريق لا يزال  لتحقيق العدالة المنشودة للقضية الفلسطينية ومعاقبة مجرمي الحرب ، فالإجراءات المترتبة على هذا القرار قد تطول، مثلما طالت حتى قررت المدعية العامة لاتخاذ هذا القرار اربع  سنوات ..قرار اعتبرته سلطات الاحتلال بلا وزن و لكنها اهتزت له فهددت و توعدت و هي تتحسب ليوم يتم ايقاف مسؤوليها السياسيين و العسكريين في المطارات الاجنبية و يقادون للمحاكمة ..

و لكن قرار يدرك خبراء القانون الدولي و العدالة الدولية انه استوفى  جميع المعايير القانونية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية على عكس ما كان يردده  المدعي السابق أوكامبو بأن المحكمة ليس لها اختصاص على الأحداث في فلسطين…

فات بن سودا تؤكد ان  صلاحيات الجنائية الدولية  تشمل الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وغزة و هذا في حد ذاته انجاز غير مسبوق يتعين تعزيزه و تاكيده على ارض الواقع لملاحقة مجرمي الحرب و الجناة الذين تلطخت ايديهم بدماء الابرياء.

يقول المطران عطا الله حنا

رئيس اساقفة سبسطية للروم الارثوذكس بأن الصراع المتعلق بالقضية الفلسطينية ليس صراعا دينيا ولا يجوز لنا كفلسطينيين ان نقبل بأن يقوم البعض بإلباس هذا الصراع ثوبا دينيا فالاحتلال عبر ابواقه وادواته يسعى لابراز هذا الصراع وكأنه صراعا دينيا في حين انه ليس كذلك وهذا لا ينصب ومصلحتنا الوطنية.

و هو يعتبر انه يجب  على الفلسطينيين اليوم ان يكونوا على قدر كبير من الوعي والحكمة والمسؤولية امام هذه المسألة الهامة فالعالم بأسره بدأ يتحرك لنصرة القضية الفلسطينية وهنالك صحوة ضمير في كثير من الاماكن في مشارق الارض ومغاربها .

هناك عمل كبير ينتظر الفلسطينيين للاستثمار في تداعيات  العدوان الاخير على غزة و مدينة القدس اعلاميا و قانونيا و ديبلوماسيا و استنفار العدالة الدولية و مخاطبة شعوب العالم بكل الطرق المتاحة  للتاثير على الراي العام الذي اكتشف حقيقة الاحتلال و فظاعاته و لم يعد يقبل بتبرير استمرار حالة الظلم و العدوان …و حسب استطلاعات الراي الاخيرة فان لغة الارقام تؤكد تراجع دعم الغرب لاسرائيلي و تحرك عديد المنظمات الحقوقية للمطالبة بوقع سياسة المكيالين ..

هناك نقطة يتعين ايضا الانتباه لها وتتعلق بالمدعي العام الجديد للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان  الحقوقي البريطاني الذي سيخلف الغامبية فاتو بن سودا

التي فرضت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عقوبات بحقها….و ليس من الواضح ان كان كريم خان الذي يقود تحقيقاً للأمم المتحدة حول الفظائع التي ارتكبها تنظيم “داعش” في العراق سيلتزم بمواصلة التحقيق في جرائم الاحتلال الاسرائيلي في الضفة و القطاع فهذا يبقى اختبار اخر للعدالة الدولية التي بدأت تتحرك ولو ببطى ء …

اسيا العتروس

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here