اسيا العتروس: التطبيع المجاني في زمن الربيع العربي طبعوا ما شئتم ولكن لا تقولوا انه من اجل القضية الفلسطينية.. وجود الجامعة العربية كعدمه.. ولكن الدفع للخروج من الجامعة خطوة يراهن عليها الاحتلال ويجب ان تكون مرفوضة

 

اسيا العتروس

يبدو ان الاستعدادات تسير في البيت الابيض  لاحتضان فعاليات توقيع”اتفاقيتي السلام ” وهو اتفاق لن يملك من السلام غير الاحرف التي سيدون  بها واذا كان اتفاق اوسلو 1993 على علاته ونقائصه وظلمه للفلسطينيين كان يمكن ان يؤسس لواقع مختلف في المنطقة فان الاتفاق الراهن الذي يسعى ترامب لتقديمه الى رئيس الوزراء الاسرائيلي ناتنياهو مقابل دعم اللوبيات اليهودية المتنفذة له في سباق الانتخابات القادمة لن يكون اكثر من محطة اضافية مذلة للعرب وسيكون من السذاجة والبلاهة الاعتقاد بان ناتنياهو او أي زعيم اسرائيلي يمكن ان يقبل بتقديم أي تنازل او  حتى تجميد مؤقت لمشاريع الاستيطان والتوسع على حساب الفلسطينيين…والحقيقة ان غبي ايضا من يقبل بتقديم أي تنازلات اذا كان يحصل على ما يريده دون شروط او تعهدات وهذا هو حال ناتنياهو الذي يحقق بفضل ترامب الذي تحول الى ناطق باسم العواصم العربية المطبعة كل اهدافه بالفوز بمزيد من مشاريع التطبيع المجاني دون رفع الاحتلال عن شبر واحد من الاراضي المحتلة ودون تحرير اسير واحد ودون تطبيق قرار واحد من القرارات الدولية سواء منها الالزامية الصادرة عن مجلس الامن او تلك الصادرة عن الجمعية العامة…

لسنا نريد الانسياق في التفاصيل التي سبقت الاعلان عن الاتفاق الاسرائيلي الاماراتي ولاحقا الاسرائيلي البحريني في انتظار اعلان بقية القائمة وقد بدأت بعض الاسرار تنكشف حول العراب الذي مهد لترامب الطريق وساعد في تطويع الاطراف المعنية وجرها الى اتفاقات مجانية بدعوى تطويق الخطر الايراني المفترض في المنطقة.. ويبدو ان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وحليف بوش الاب في الحرب على العراق كان وراء المبادرة ولعلنا نتذكر الان كيف دعي بلير لتراس مركز للابحاث في الامارات باجر خيالي يفوق ما حصل عليه في حياته في داونيغ ستريت …

وفي انتظار ما ستحمله الساعات القادمة بشان ترتيبات احتفالية توقيع الاتفاق بحضور وزير خارجية الامارات ونظيره البحريني في البيت الابيض، فقد بات واضحا وبعد الاجتماع الافتراضي لوزراء خارجية الدول العربية الاربعاء الماضي ان تراجع القضية الفلسطينية بات امرا واقعا لا جدال فيه وقد بدا وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي في وضع محرج وهو يطالب الدول الاعضاء برفض قرار التطبيع الاماراتي الاسرائيلي قبل ان يتم اسقاط الطلب واعتبار ان ذلك يتنزل في اطار قرار سيادي وحتى يتم التخفيف من وقع المصيبة سيدفع الوفد الفلسطيني الى سحب طلبه وتجنب بالتالي مزيد المهازل …

وقد تكررت الخطوة نحو مزيد التطبيع اول امس لياتي الاعلان مجددا من واشنطن ثم تل ابيب بشان اتفاق مماثل بين البحرين واسرائيل وسيرحب مجلسي الشورى والنواب في البحرين بإقامة علاقات مع إسرائيل تمهيدا لزيارة البيت الأبيض بعد غد الثلاثاء لحضور مراسم التوقيع على الاتفاق…

وحسب ما تم تسريبه فان توقيع الاتفاق سيكون  برئاسة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن الوفد الاسرائيلي  وكبار المسؤولين في الإمارات والبحرين وبمشاركة ترامب.وكان من الطبيعي ان يصف ناتنياهو الحدث بالتاريخي وهو الذي لم يكن يتوقعه حتى في الخيال..

وبذلك سيكون التوقيع قبل رأس “السنة اليهودية”، وبالتزامن مع اتفاقيات اوسلو في 13 سبتمبر 1993.

ويبدو ان الاتفاق دخل حيز التنفيذ مع اول رحلة طيران بين تل ابيب وابوظبي ومنها وصول اول وفد اقتصادي في العلن يضم بالإضافة إلى دوف كوتلر الرئيس التنفيذي لبنك “هبوعليم”، مجموعة من رجال الأعمال في مجالات التكنولوجيا الفائقة والتكنولوجية المالية والصناعة.

وقد تواتر بالامس الترحيب من  مجلس الشورى ومجلس نواب الإمارات، بإقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والبحرين، وهو ما اعتبره المجلسان خطوة تاريخية في خدمة امن واستقرار المنطقة…

المثير فعلا انه بعد اعلان الاتفاق الثاني ارتفعت نفس الاصوات في تبرير ما تم التوصل اليه واعتباره منطلقا لمنعرج جديد في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني  وبداية انهاء الاحتلال..وكنا نتامل ان تتواضع الاطراف المعنية وتبين للمتتبع كيف سيساهم هذا الاتفاق المنفرد والمجاني في تحقيق السلام وعودة الحق الفلسطينية او على الاقل دعم القضية التي طالما تزين بماسيها  ومعاناة اصحابها المسؤولون والحكام العرب في مختلف اللقاءات والمحافل الاقليمية والدولية عندما لم يكن لديهم ما يستعرضونه امام العالم في خطاباتهم البائسة ويجدون في تطورات القضية الفلسطينية وتضحيات وملاحم الاجيال المتعاقبة ما يفاخرون به امام العالم..

لسنا في اطار الغاء حق كل بلد في اعلان قراره السيادي فهذه مسالة لا تقبل المجادلة ولكننا في اطار قضية طالما ادعى العرب زورا انها قضيتهم المشتركة التي لا تقبل المساومات ومن هذا المنطلق سيتعين على الدول التي تقرر المضي قدما في التطبيع المنفرد والمجاني ان  تتحلى بالجرأة والشجاعة وأن تتحمل مسؤولية خيارها وتتوقف بالتالي عن خطاب الاستخفاف بالعقول والترويج بان ما اقدمت عليه كان لاجل القضية الفلسطينية ولاجل الشعب الفلسطيني…لان الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التشكيك في هذا المجال ان هذا الخيار لن يحقق السلام ولن يدفع بالقضية الفلسطينية خطوة واحدة بل الاكيد ان ما سيقدم عليه ناتنياهو مستقبلا قد يتجاوز كل ما قامت به الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ نشأة اسرائيل بالنظرالى الفرصة المتاحة اليوم لطي ملف القضية الفلسطينية نهائيا بأيدي اصحابها  واشقائهم…والاكيد ان المراهنين على تحول ايجابي وحوار شامل برعاية ناتنياهو اكثر من يدرك زيف هذه الرهانات التي لا يصدقها

وليد الامس..وهي بالتالي شانها شان تركيا التي سارعت باصدار بيان يندد بالاتفاقية الاسرائيلية البحرينية كما فعلت بعد اعلان الاتفاقية الاماراتية ولا ندري ما الذي يدفع انقرة الى هذا الموقف والحال انها مطبعة منذ نشاة هذا الكيان ويجمعها باسرائيل اتفاقات عسكرية واقتصادية وثقافية معلنة…

ما حدث في الساعات القليلة الماضية ان الرئيس الامريكي تحول الى متحدث باسم الدول العربية المعنية وكانه يعفيها من مواجهة جسامة الموقف

وتداعياتها المذلة وكان ترامب الاسعد وهو يعلن الحدث الثاني من نوعه خلال شهر مبشرا بالمزيد وكاشفا ان دول عربية تتنافس على الفوز باتفاقية مع اسرائيل .

 

 

 

 

 

 

ماذا بعد التطبيع ..

القيادة الفلسطينية التي مرت من انتكاسة الى اخرى ومن طعنة الى اخرى اعتبرت ان الاتفاقية

“خيانة للقضية الفلسطينية” فيما استدعت الخارجية الفلسطينية سفيرها في المنامة للتشاور. وقال وزير التنمية الاجتماعية الفلسطيني أحمد مجدلاني انّ الاتفاق “يشكل طعنة جديدة في خاصرة القضية الفلسطينية وطعنة في ظهر الشعب”. بدورها ندّدت حماس بما وصفته “عدواناً” و”إضرارا بالغا” بالقضية الفلسطينية، واعتبرت حركة “حماس”، امس، أن تطبيع علاقات البحرين مع إسرائيل ردة تاريخية ورذيلة دبلوماسية و”إصرار على تطبيق بنود صفقة القرن التي تصفي القضية الفلسطينية”. ودعت فصائل فلسطينية ابومازن الى الانسحاب من الجامعة العربية وهو موقف فاشل ويمكن ان يشكل افضل هدية لاسرائيل في هذه المرحلة وقد يمثل الخطوة التي مهدت لها تل ابيب وخططت لها قبل انطلاق قاطرة التطبيع ولاشك ان معالجة الخطأ بخطإ اخر لا يغير شيئا من المشهد والاكيد ايضا ان الجامعة العربية على علاتها وهناتها وقد باتت عبئا على الشعوب وغيابها افضل من بقائها فان الانسحاب الفلسطيني من هذا الهيكل الميت سينهي وجود القضية نهائيا وهذا ما لا يجب الانسياق اليه رغم خطورة الاتفاقات وتداعياتها على القضية الفلسطينية ..

الاكيد ايضا ان التطبيع الراهن ليس وليد اليوم وقد انطلق التخطيط له منذ فترة وهو ياتي بعد اربعين عاما على اتفاقية كامب ديفيد والتطبيع المصري الاسرائيلي وبعد اتفاقية وادي عربة والتطبيع الاسرائيلي الاردني و ما تلاه من تطبيع غير رسمي مع عديد العواصم العربية

ما هي الخيارات المتبقية اليوم امام مسلسل التطبيع المجاني الحاصل..ولو ان التطبيع ارتبط بالتزامات ومنجزات على ارض الواقع لوقف الاحتلال ورفع الظلم عن الشعب الفلسطيني واعادة الجولان واراضي لبنان لربما هان الامر وبدا امرا طبيعيا ولكن ما يبدو حتى الان ان اسرائيل تحصد الاتفاقات وثمارها على ظهر العرب والفلسطينيين الذين يحسب لهم انهم يصرون كشعب على البقاء والدفاع عن الهوية الفلسطينية برغم كل الطعنات وبرغم ما يعيشون على وقعه من حصار ومن عزل ومن تجويع ومن تشريد وتجفيف للتمويلات وهدم للمخيمات والملاجئ وتدمير للمدارس الفلسطينية وللثقافة الفلسطينية..

لا يمكن والحال هذه لعن المستقبل ولكن الواضح ان الخيارات في ظل النفاق السياقي الحاصل تكاد تكون معدومة او هي صفر بما يجعل القضية الفلسطينية امام مفترق طرق ولا مخرج لها الا باحياء الروح الفلسطينية والوحدة الفلسطينية التي يتضح اليوم ان غيابها عجل بانهيار سقف البيت الفلسطيني..لم تعد اسرائيل العدو في نظر العواصم العربية المتطبعة وفي حسابات جامعة الدول العربية التي ولدت مع القضية الفلسطينية ومن يدري فقد تصبح حليفا وشريكا وعضوا في الجامعة العربية العبرية خلال وقت قصير وهذا ما يحلم به ناتنياهو..

ولكن يبقى برغم كل ما تضمنته اتفاقات الذل والمهانة ان التطبيع لم يساعد على مدى عقود في ازالة او الغاء اسم فلسطين ولا نخاله يفعل..مرت اكثر من اربعة عقود على اتفاقية كامب دايفيد ولا يزال الراي  العام المصري يتوجس من التقارب الاجتماعي والثقافي مع اسرائيل ويرفض كل اشكال التطبيع الثقافي والرياضي وغيره برغم التطبيع الرسمي الحاصل..والامر ذاته في الاردن حيث يرفض الشعب الاردني هذا التطبيع باشكاله وقناعتنا ان السائد ايضا ان اغلب الشعوب العربية التي تملك حرية الراي والتعبير ترفض التطبيع المذل المجاني طالما ظل الاحتلال قائما وطالما استمرت انتهاكات جيش الاحتلال في حق النساء والاطفال والمقدسات..

الاكيد ان الخيارات ستتضح ولو بعد حين حينما تسود عقلية مختلفة وقيادة سياسية غير السائدة  لديها ارادة على جمع كل مكونات الشعب الفلسطيني بعد التخلص من عقدة السلطة الوهمية التي قسمت الشعب والارض وانهكت الجميع ومنحت الاحتلال فرصة المقايضة والمساومة والمكابرة في فرض حساباته…

بالامس ومع اعلان اتفاقية التطبيع مع البحرين صادقت الحكومة الإسرائيلية، على زيادة الميزانية العامة الإسرائيلية بمبلغ 11 مليار شيكل، تخصص معظمها للجيش الإسرائيلي، ولانخال هذه الميزانية لاقامة السلام بل الاكيد انها ستخصص لمزيد تشتيت وتشكيك الدول العربية في قدراتها وامكانياتها …

خلاصة القول ان التطبيع لن يزيل فلسطين من الخارطة وستظل فلسطين قبل وبعد التطبيع قائمة بشعبها واجيالها المتعاقبة الوفية للحلم وللقضية تلك التي حفظت الامانة وحافظت على الذاكرة من التغييب والمصادرة والانهيار…هي بالتاكيد سنوات سوداء ومرحلة عقيمة وخطيرة ولكنها لا يمكن ان تزيل القضية من الذاكرة سيمر قطار التطبيع  المجاني ويختفي المطبعون الذين سيسجل لهم التاريخ انهم لم يمتلكوا ما يكفي من الشجاعة والجراة ليقولوا انهم اختاروا التطبيع خدمة لمصالحهم وظلوا يرددون انهم  يطبعون من اجل القضية ..ورسالتنا طبعوا ما شئتم ولكن لا تقولوا انه من اجل القضية فرائحة الكذب والنفاق تجاوزت كل الحدود ..

صحفية تونسية رئيسة تحرير جريدة الصباح

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. من الحقائق التي تبعث على الدهشة في التاريخ العربي المعاصر ان اي اتفاق ثنائي او اكثر كان يوقع ثنائيا او اقليميا او دوليا بين اي طرف عربي او مجموعة الدول العربية واي طرف دولى كان يذكر دائما كلازمة شعرية لا طائل من ورائها وهي التمسك بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني …
    ترى هل كان ذلك ذرا للرماد في العيون وخداعا للشعوب المغلوبة على امرها حيث تكون هذه الكلمات كالابر المخدرة للشعوب بالقول اننا حريصون على حقوق الشعب الفلسطيني …
    لقد عادت بي الذاكرة لمقولة شهيرة للرئيس الامريكي الاسبق (نيكسون ) الذي قالها بملء فمه ويبدو انه كام صادقا اذ قال كنت اتمنى ان يعرض على احد من الرؤساء العرب القضية الفلسطينية ..
    كان ينبغي لنا ان ندرك ان السياسة العربية ومنذ نشوء القضية الفلسطينية حتى تاريخه لم تكن صادقة لا من قريب او بعيد حينما كانت تدعي انها تطالب بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الا من رحم ربي فربما كان ذلك يجري على استحياء وبهدف الاستهلاك المحلي لا اكثر ولا افل ..

  2. وما فاءدة اتحاد علي ورق لا بستطيع جمع قرار موحد لاءزاخة قشة
    ومعظم من يجلس على مائدة التحاضر من الخونة لاءمتهم ولا يمثلون إلا انفسهم ولا يسعون إلا لترسيخ كراسي حكمهم المستبد لشعوبهم واموال بلادهم تنفق لشراء سلاح خردة لحماية أنفسهم .

  3. باختصار. ما يسمى بقطار التطبيع ليس له محطة مغادرة أو وجهة وصول. لن يسمح الفلسطينيون لهذا القطار بالتوقف في محطتهم ولهذا فإن رحلته ستذهب سدى.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here