ازمة الجزائر: الحراك الشعبي وصراع الاضداد

حسن زيتوني

النجاحات الاولية التي حققها الحراك الشعبي السلمي في الجزائر منذ الثاني والعشرين من شهر فبراير الماضي وصفت من قبل العديد من السياسيين والمحللين بالجزئية والبسيطة في مظهرها لكنها جوهرية في مضمونها من حيث التحولات التي ينشدها الحراك الشعبي باسقاط رموز العصابة بشطريها السياسي والمالي. وجاءت التصريحات المتتالية من قائد الاركان الجزائري القايد صالح لتؤكد ما تتردد عبر سنوات عديدة بان مشكلة الجزائر تكمن في هيمنة مافيا المال والاعمال Political-Business Mafia وتحالفها مع شخصيات سياسية متغلغلة في اجهزة السلطة والدولة.

تواطؤ المال والسياسة في تسيير شؤون الدولة في العقود الاخيرة و بعلم كامل من قبل رؤساء الاجهزة الامنية والاستخبارية السابقة الذين تواطؤوا هم كذلك في الجريمة , جعل من الصعب بمكان ان تلعب اي جهات اخرى مدنية او شعبية في مواجهة غطرسة هذه الشخصيات والمؤسسات المتورطة في التغطية عليها مثل قطاع العدالة الذي كان يفترض ان يكون مستقلا بعيدا عن السلطنتين التنفيذية والتشريعية.

خيوط اللعبة التي رسمت بعلم اصحاب القرار من رئيس الجمهورية الى الوزير الاول مرورا بالبرلمان ومجلس الامة ساهمت بشكل واضح في تنفيذ اكبر جريمة اختلاس ونهب في تاريخ الجمهورية الجزائرية.. الاف المليارات كما ذكرها قائد الاركان اختلست ونهبت من المال العام ولا يعرف مصيرها. نشير هنا الى ان المبلغ المالي الذي يتردد على ألسنة الكثير من الرسميين وغير الرسميين يقدر بتريليون و مئتي مليار دولار امريكي 1.2 تريليون دولار) .

ولم يقتصر هذا الفساد على القطاع البنكي – المصرفي الذي استخدمته العصابة للحصول على الاموال الضخمة في شكل قروض مالية لتمويل مشاريع تنموية مزيفة لم تر النور اصلا , بل تعداه الى اروقة الدولة ومؤسساتها في باقي ولايات الوطن وبلدياته. الولاة ورؤساء البلديات ومدراء الشركات العامة والخاصة في قطاعات البناء والعقار والاشغال العمومية وغيرها لستغلوا هذا الوضع واستفادوا بطرق غير مشروعة وملتوية من ظاهرة الفساد واقاموا علاقات مع صناع القرار و رموز العصابة ذوي النفوذ الكبير في أعلى هرم للسلطة . لهذا انتشرت ظاهرة الفساد في كامل ارجاء الوطن وفي كافة مؤسسات الدولة المركزية منها والمحلية.

اليوم وجدت هذه العصابات ورموزها من يقف لها بالمرصاد وهو الشعب بحراكه الذي تحول الى الطرف الضد في معادلة الصراع الذي تعيشه الجزائرحاليا. فلا غرابة اذن ان يطالب الحراك الشعبي السلمي بتغيير جذري للنظام القائم الذي تغلغلت في كافة اجهزته الفاعلة ظواهر الرشوة والمحسوبية و الاختلاس والنهب للمال العام بكل الطرق والاسلليب المتاحة على مرأى ومسمع المؤسسات والاجهزة التي كان يفترض انها تقف حصنا مانعا امام مثل هذه التجاوزات الخطيرة.

الحراك الشعبي يدرك جيدا ان محاولات النظام الحالي بالتعجيل في اجراء انتخابات رئاسية و بعدها برلمانية هو محاولة للتغطية على حجم ظاهرة الفساد وانتشارها في الوطن برمته. و هي سياسية الهروب الى الامام لكي لا تتم اي محاسبة من ارتكبوا هذه الجرائم الشنيعة في حق الوطن والشعب. والاسوأ من كل ذلك ان رموز هذا الفساد وعصابته بشطريها السياسي والمالي لم تتحل باي وطنية كانت . بل تمادت في استغباء الشعب واحتقاره وتواطئت مع دولة الاستعمار فرنسا لتنفيذ جرائمها وحماية مصالحها.

هذه العصابات التي اغتمنت مراكزها السايسية والاقتصادية النافذة بادرت بتنفيذ مشروع خطير للغاية تمثل في ضرب كل مكتسبات ثورة نوفمبر التحريرية , كما شككت في الانجازات الوطنية القليلة التي حاولت اعادة الاعتبار لمقومات الشخصية الوطنية بعد الاستقلال ممثلة في اسلام الجزائر وعروبتها. من

منا لا يتذكر العبارة التي رددها رجال الاعمال الفاسد وأحد اهم رموز عصابة المال والنفوذ السياسي علي حداد عندما قال :vive la France’” تحيا فرنسا. تلك العبارة التي اشمئز لها الملايين من الجزائريين , وكنت واحدا منهم . والمؤسف ان أحدا في النظام الجزائري حتى ممن عرفوا بوطنيتهم تجرأ ليضع هذا المجرم في مكانه ويلجمه عن مثل تلك التصريحات المؤلمة جدا. لن يغفر التاريخ أبدا لكل من استغل نفوذه ليسيء للوطن .

وبعد هذه الاسابيع التي مرت على الحراك الشعبي السلمي ورغم المحاولات اليائسة التي حاولت اجهاضه وتشويهه , فان سقف المطالب الشعبية ارتفع ولم يعد يقتصر على رحيل الباءات الاربعة كعصابة سياسية , اضافة الى اعتقال رموز العصابة المالية المتواطئة في الاختلاس والنهب والسرقات وحسب , بل تعداه الى تغيير النظام بشكل جذري وفي كامل مؤسساته المركزية والجهوية في ربوع الوطن. لقد بدأت عمليات شل نشاطات وزراء الحكومة الحالية بمقاطعة زياراتهم الميدانية داخل الوطن , ورفض الاستجابة لتنظيم اي انتخابات رئاسية في الظروف الراهنة ومقاطعتها هذا الى جانب التجاوب مع الاقتراحات الصادرة عن مؤسسة الجيش الوطني الشعبي والتفاعل معها ايجابيا عنتدما تصب في مطالب الحراك الشعبي .

كافة هذه التطورات تهدف الى احلال تغيير جذري في منظومة الحكم الجزائري ورسم دستور جديد يأخذ بعين الاعتبار مطالب الشعب الجزائري داخل الوطن وخارجه لأرساء قواعد صلبة لدولة ديمقراطية حقيقية اساسها العدل و الحكم الرشيد . والشروع في نهضة علمية وفكرية تسمح للجزائر الالتحاق بالركب الحضاري الذي آلت اليه العديد من دول العالم التي تمتلك كفاءات بشرية هامة الى جانب ثروات طبيعية معتبرة.

الطريق الى ذلك ممكن لكن في تصوري يجب على الحراك الشعبي ان يتحلى بالصبر واليقضة و يحافظ على اللحمة الوطنية بين ابناء الشعب الواحد ويمنع اي تسلل لايادي تريد تشويه هذه الثورة السلمية واجهاضها بشكل او بآخر. تحيا الجزائر والمجد والخلود لشهدائنا الابرار

كاتب واعلامي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. تشكر أيها الكاتب الأصيل على مقالك الفاضح للعصابة الرهيبة التي دمرت جزائر الشهداء تدميرا شاملا . ولكن ما يجب الانتباه إليه و بسرعة البرق ، هو أن الدولة العميقة ما تزال في أوج قوتها وجبروتها ، وتكاد تسطو على الحراك السلمي المبارك ، وتسيطر عيله سيطرة كاملة ، وتجعله يدمر نفسه بنفسه ، وذلك عن طرق القنوات الخاصة التي هي ملك للدولة العميقة و سلاحها الفتاك. فجميع هذه القنوات الخاصة وبدون استثناء تسعى جاهدة لدمير الحراك ، حتى تواصل نهبها و سرقتها لثروات الشعب الجزائري الأبيّ . فهذه القنوات هي الخطر كل الخطر ، فيجب فضحها قبل فوات الأوان. فهذه القنوات تستضيف يوميا أناسا مدسوسين من طرف رجال العصابة ورجال الدولة العميقة ، يقدمون نصائح للحراك ، وهي في الحقيقة مكائد و دسائس لضرب الحراك في الصميم . إنها قاب قوسين أو أدنى من تدمير الحراك . فالرجاء كل الرجاء فضح هذه القنوات ، و وضع حد لجبروتها ، وغلقها في أقرب وقت ممكن . و شكرا جزيلا.

  2. ____ المسؤول عن كل هذا ’’ التزيف ’’ هو من قام بتعديل دستور الرئيس السابق اليمين زروال .. الأولوية الآن هي تحصين الدولة من أية حماقات مضافة .. الشغل لمليح يطوّل .. و الكل سيغادرو يدخل الحفرة عريان .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here