ادلب… مفتاح التقارب التركي مع أمريكا وإسرائيل.

عمر الرداد

منذ بداية انضمام تركيا الى تحالف إستانا، وانجاز مناطق خفض التوتر في مناطق مختلفة في سوريا، والانقلابات المتكررة عليها من قبل المليشيات الإيرانية، ومعها أطراف من الجيش السوري، كانت أسئلة كبرى تطرح في أوساط المحللين والمتابعين للشأن السوري، حول المدى الذي يمكن معه أن يستمر تحالف تركيا مع إيران وبإشراف من روسيا في سوريا،رغم ان هذا التحالف لا يمكن وصفه الا بكونه تفاهمات إستراتيجية، تمكنت القيادة الروسية من انجازها مع تركيا، في ظل علاقة هشة بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، ومعها دول أوروبية.

على هامش قضية ادلب،لم يكن بالإمكان بالنسبة لتركيا وإيران ومعهما روسيا الا مواجهة لحظة الحقيقة في إظهار التباينات بين الأطراف الثلاثة وانتهاء تفاهمات الضرورة التي فرضتها التشابكات والتعقيدات في الملف السوري، والتي كان عنوانها غير المعلن شكوك روسية وإيرانية بجدية انضمام تركيا واستمرارها بهذا التفاهم “التحالف” ،باعتبار ان الأوضاع التي ستؤول في ادلب ستشكل أولى محطات الحل في سوريا ،وعلى ضوئها ستبنى موازين القوى الفاعلة في القضية السورية والحل المستقبلي فيها، وهذا ما يفسر الاهتمام الدولي بقضية ادلب ،لدرجة تدخل مجلس الأمن بأكثر من جلسة مخصصة لقضية ادلب، بمعنى ان المفاوضات المباشرة وغير المباشرة والضغوط المتبادلة كانت في إطار حلول وسيناريوهات ما بعد ادلب، وهو ما جعل منها قضية معقدة ومتشابكة.

لقد أبرزت ادلب بلا مواربة ان اللاعبين الأساسيين في فكفكه ألغازها بشكل مباشر هما روسيا وتركيا،فيما اللاعبون الآخرون من الجيش السوري والمليشيات الإيرانية وفصائل المعارضة المسلحة مجرد لاعبين ثانويين،يتحركون إما بالفلك التركي بالنسبة للمعارضة او الفلك الروسي بالنسبة للجيش السوري والمليشيات التابعة لإيران، من هنا كانت الفجوة عميقة في مؤتمر طهران بين القيادات:الروسية والإيرانية والتركية، في ظل مقاربة تركية جوهرها الفصل بين القوى الإرهابية والقوى المعتدلة في ادلب،ومقاربة إيرانية سورية،ترى لا خيار في ادلب الا الحسم العسكري او استسلام كافة الفصائل المسلحة ، دون الالتفات لما يوصف بفصائل متشددة أو معتدلة.

الموقف التركي من ادلب اظهر وبلا مواربة، انه يتطابق في كلياته مع الموقف الأمريكي والأوروبي ، بالتحذير من كارثة إنسانية في ادلب ، وتحذيرات للجيش السوري من مغبة استخدام الأسلحة الكيماوية، وحدوث موجة لجوء جديدة تناهز المليون شخص حسب تقديرات الأمم المتحدة .

 ولم يكن عبثا تغييب الطرف الإيراني عن قمة سوتشي بين الرئيسين اردوغان وبوتين،ولاحقا تغييب إيران ايضا عن المفاوضات التقنية الخاصة بتنفيذ الاتفاق حول حدود المنطقة منزوعة السلاح ، بالتزامن مع قيام الإعلام التركي المقرب من الرئاسة التركية “الأناضول”بشن هجوم على المليشيات الإيرانية حول ادلب ،حيث أوردت معلومات” استخبارية” تفصيلية حول أسماء وأعداد عناصر المليشيات الإيرانية  في ريفي شرق وجنوب ادلب، وهو ما يعني ان تركيا تعلن بطريقة او بأخرى انضمامها للموقف الدولي الذي تقوده أمريكا وإسرائيل وجوهره إخراج إيران من سوريا،والذي أصبحت تتعاطى معه القيادة الروسية بايجابية منذ قمة هلسنكي بين الرئيسين الروسي والأمريكي، وتم تنفيذه بحرفية عالية من قبل روسيا في معارك درعا والجنوب السوري ،حيث غابت المليشيات الإيرانية عن المشهد، وتم أبعادها بالفعل عن حدود الجولان ،وكان القادة الروس هم أصحاب الكلمة الفصل في الجنوب.

الاتفاقات التركية الروسية التي تم انجازها بعد لقاء اردوغان وبوتين حول حدود المنطقة منزوعة السلاح (15-20كم) مؤكد أنها ستطال المليشيات الإيرانية، وهو ما يتوقع معه أن تظهر خلافات بين طهران وموسكو عند تنفيذه ،خاصة وان طهران لم تشارك في قمة سوتشي، بالتزامن مع خلافات بين تركيا وهيئة التحرير الشام وبعض الفصائل المسلحة،التي أعلنت رفضها الالتزام بالتعهدات التركية بتسليم أسلحتها ،وهو ما يعني امكانية توجيه ضربات متزامنة الى المليشيات الشيعية وبعض الفصائل الجهادية المتشددة ،وربما تكون مثل هذه الضربات مقبولة دوليا وتحديدا من قبل الولايات المتحدة ودول أوروبية.

رغم ان فجوة الخلافات بين تركيا من جهة مع الولايات المتحدة ودول أوروبية إضافة الى إسرائيل واسعة، وتتعدد ملفات الخلافات بين الجانبين بما في ذلك بنية النظام التركي وعدم قدرته على تلبية اشتراطات دخول تركيا الاتحاد الأوروبي،الا الموقف التركي من قضية ادلب والتقارب ،وربما التطابق مع المواقف الأمريكية والأوروبية ، وخاصة تجاه إيران وتواجدها في سوريا،والاعتراف بكون جبهة النصرة تنظيما إرهابيا ،سيكون احد ابرز المفاتيح لفتح البوابات المغلقة بين اردوغان والغرب، خاصة وان اصواتا فاعلة ، أمريكية وأوروبية تنادي بضرورة التوقف عن استعداء القيادة التركية، والحفاظ على “شعرة معاوية” معها، كي لا تذهب تركيا بعيدا في التحالف مع روسيا على حساب علاقاتها التاريخية مع الغرب، وربما كان في الهدوء الذي تشهده الجبهة الإعلامية في التراشق الإعلامي بين الرئيس اردوغان والرئيس ترامب إضافة لقيادات أوروبية وإسرائيلية ما يؤشر الى انزياحات بالمواقف التركية يتابعها ويرقبها الغرب بدقة،وستبدأ تركيا ترجماتها في ادلب وما بعد ادلب في كثير من قضايا المنطقة.

مدير عام مركز ابن خلدون للدراسات”عمان-الأردن”

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. أي كيان إرهابي مهما كان اسمه ، شأنه شأن أي سلاح أمريكي ، وهو كمسمار جحا تدقه في الدول التي لا تدور في فلكها ، وواهم كل من يعتقد أن الغرب يحارب الإرهاب ! بل أكثر من ذالك إن الكيانات الغربية هي كيانات سياسية قائمة على أساس إرهابي ، ويعطون الحق لأنفسهم بإرهابنا لأننا لا نستطيع قول مانريد؛ فشعوبهم تقول ماتريد ولا أحد يسمعها، مثال ذالك غزو العراق(شعوبهم عارضت وقياداتهم غزت)
    ما فائدة أردوغان في خروج إيران من سوريا،إنها مصلحة إسرائيلية ليس الا؛فلتركيا حدود مشتركة مع إيران ولا يستطيع تغيير الجغرافيا؛إن وجود إيران في سوريا يشكل خطراً على إسرائيل ، وليس الدول العربية
    في قمة طهران قال الرئيس بوتين لأردوغان نحن(مع الرئيس روحاني) لانتفاوض عن الإرهابيين ؛ فتفاوض عنهم أردوغان في قمة سوتشي.
    تصنيف تركيا لجبهة النصرة على أنها إرهابية كان تلبية لطلب روسيا وليس الغرب الذي يعتبرها معارضة معتدلة ، وحاضنة للخوز البيضاء شخصيات مسرح الكيميائي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here