ادريس حنبالي: زمن إسرائيل.. زمن أمريكا

 

ادريس حنبالي

مهلا.. نحتاج إلى حكم؛ إلى حكم رابع؛ أو إلى تقنية ” الفار ” والتي بدورها تحتاج إلى حكم وهكذا..

الأحداث حين تتشعب و يستعصي الفهم هناك ملاذ غائب أو مغيب.. إنه التاريخ.. كم يبدو مخيفا.

ما أشبه اليوم بالأمس؛ ولا أمل من العودة إلى بدايات “الربيع” ..

قبله بقليل؛  تذكرون زيارة.. الرئيس باراك أوباما  للشرق الأوسط و خطابه الشهير بمجلس الشعب المصري؛ لابد من العودة لهذا الخطاب مرة إن لم يكن؛ مرات.

وقد نصل إلى ربيع 2003 وسقوط بغداد ..بل قبل ذلك بقليل ..إلى خريف بداية القرن أو ما تعارفنا عليه بأحداث 11  أيلول وما تلاها بعد ذلك. .الويل لنا ممّا تلا أيول.. ومازال..

بل ينبغي العودة إلى أبعد من هذا.. إلى سقوط جدار برلين سنة 1990؛  عندما أصبحت الولايات المتحدة تتربّع على عرش العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي  عدوها الأوحد واللدود..

 والانتصار كثيرا ما يورث الغرور خصوصا  إن تحقق  دون عناء و من غير كبيرِ تضحية؛   ذلك النصيب الأكبر من  المجهود الحربي الذي  بُذِلَ  آنذاك  كان يركز على الخاصرة الجنوبية للعدو ( أفغانستان ) والدماء  المبذولة في الساحات هناك  كانت إسلامية و عربية عبر ما روجوا له آنذاك وسموه “المجاهدين العرب “.. والمال الذي تم إنفاقه لنفس الغرض أيضا؛ كان القسم الأكبر منه مالا عربيا تُدرّه حقول البترول العربية ..

لقد أقسمت الولايات المتحدة أن تظل القوة المهينة في العالم؛ و أن يكون القرن 21 قرنا أمريكيا بدون منازع ..وهكذا توالت الأحداث وأصبح العالم يعيش وسط دوامة لا تتوقف .     فبينما كان الروس يتجرّعون مرارة الانكسار؛ – كتلك التي تجرّعوها في القرن التاسع عشر على يد نابوليون؛  عندما تمكن من غزو موسكو واضطرت  الجيوش الروسية إلى الانسحاب خارج أسوارها –   كان عالم متعدد الأقطاب قد بدأ بالتشكل و بزغ نجم التّنين يلوح في الأفق.. وهذا ليس يخفى على أحد؛ فكل الدراسات كانت تتوقع أن الصين ستصبح القوة الاقتصادية الأولى  في أفق  العقد الثاني أو الثالث من القرن الجديد.. كان إذًا لابد من التحرك للحيلولة دون تحقق هذا السيناريو المرعب. العالم هذه اللحظة مشغول بالصراع الإيراني الأمريكي و الخطر الذي يتهدد الملاحة في الخليج وتدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية لكن الحقيقة غير ذلك.. إنها الحرب نفسها التي يديرها الكبار؛ خصوصا وقد عاد الدّب الروسي يطل برأسه من جديد وقد عاد إلى الساحة أقوى و أقوى بعد تعافيه من هزيمة الحرب الباردة أولا ..وثانيا بعد انتصاره الكاسح والمدوي في الحرب العالمية التي شهدتها الساحة السورية والعراقية على الأقل منذ خريف  2011؛ وللإشارة فأحد أهم أهداف المشروع  وضع حدّ لمسألة اعتماد أوروبا  على روسيا  في توريد أغلب حاجاتها الطاقية  و الاستعاضة عنه بأنبوب غاز كان من المتوقع أن يمتد من قطر إلى أوربا  عبر الأراضي السورية  – كممر إجباري-من جهة؛  ومن جهة أخرى امتداد الحرب الدينية والطائفية  والعرقية لتصل إلى عمق العالم الروسي  الذي يضم خمس جمهوريات إسلامية وتمتدّ على حدوده الجنوبية بلدان إسلامية أخرى وهذا  ما كان يعيه الروس أكثر من أن يعيه أي طرف آخر-  هذه العودة المباغتة والمذهلة تذكرنا بعودة الجيوش الروسية لتتمكن من سحق الجيوش الفرنسية وعلى رأسها نابوليون في نفس العام؛ كانت الظروف المناخية مواتية هذا صحيح؛ لكن الدهاء و الإصرار كان روسيا وهو أيضا حقيقة..

 هذا نفس الذي حصل  ويحصل هذه الأيام.. الروس ينتشون بانتصاراتهم وهم يكادون لا يصدقون  كيف عادوا إلى الساحة من جديد و الصينيون يعلمون جيدا أن طبول الحرب وإن كانت تدق في غرب القارة لكنها في الواقع تعنيهم  ليس أكثر ما تعني الفرس لكن  أكثر ما تعني عرب الخليج على الأقل لأن نقطة ضعف المارد الصيني في الواقع هي الطاقة  ..عرب الخليج وهم يشاركون في مؤتمر المنامة -راضين أو مكرهين- إنما يلعبون لعبة خبروها جيدا منذ عهد بعيد؛ إن لم نقل منذ ثورتهم على العثمانيين الأتراك بتحريض بريطاني و بقيادة لورنس البريطاني والذي تبنّوه وعمّدوه   وغدا بين ليلة وضحاها ” لورنس العرب”؛  لقد  خبروها أيضا في الجهاد ضد الجيوش السوفياتية ” الكافرة” طيلة سنوات الثمانينات وإبان ذلك ساندوا صدام حسين  في حربه  ضد إيران  و أبلوا بلاء “حسنا” في الحرب الخليج الثانية بعد غزو  صدام  للكويت؛ وبرعوا في اللعبة وأفحموا أعداءهم زمن” الربيع” ومازالوا يفعلون في غير دولة عربية؛ معسكر يحسب على السعودية والإمارات ومصر؛ و معسكر آخر يحسب على قطر و تركيا.. يبدو أن جعبتهم مازالت تحفل بالمزيد هذه المرة أيضا؛  فالمطلوب منهم حسب ما يتم تسريبه من مخرجات ” صفقة القرن ” المتوقعة يتجلى فيما ” قد  يأتي” :

– تهميش الدور الإيراني وتشكيل تحالف دولي لإنهاء الدور الإيراني بدعوى رعايتها للإرهاب وهو ما لن تسمح به روسيا والصين على السواء.

 -محاصرة قوى المقاومة ونزع أسلحتها بواسطة “ناتو عربي” سيتم تشكيله.

– إغراق الدول العربية الهشة اقتصاديا بالودائع المالية والديون لأجل ضمان مساندتها لمشاريع الصفقة.

– تصفية القضية والفلسطينية بشكل نهائي عبر ضم أراضي الضفة الغربية  وقضم جزء من أرض سيناء المصرية لحساب ما يسمى ” فلسطين الجديدة “.

– تطبيع العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية والذي يمهد له توقيع اتفاقية لتوريد الغاز المصري بسعر رمزي لفائدة الشركات الإسرائيلية و معالجته ثم إعادة تصديره للأردن ومصر ويليه شق طرق سيارة و سكك حديدية وموانئ  تربط ” إسرائيل ” بدول الخليج …

وإذا كان الهدف الأعظم هو محاصرة الصين و تقزيم القوة الروسية المتعاظمة فمشروع الصفقة يهدف إلى الهيمنة شبه المباشرة على الخيرات الاقتصادية العربية، إضافة لإغراقها في حرب أهلية طاحنة  متعددة الأشكال وهو هدف تشكيل حلف الناتو العربي سابق الذكر. وبالاستنتاج لن تبق هناك جدوى لما يسمى جيش الدفاع الإسرائيلي؛ وشيئا فشيئا سيصبح مصطلح النكبة مصطلحا عفا عنه الدهر؛ لأن النكبة  ستمتد لتطال كل دولة عربية.

فاس

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here