ادريس حنبالي: ايران وامريكا: هل تتحقق الصفقة الأعظم

 

 

ادريس حنبالي

إسقاط الطائرة الأمريكية المُسيَّرة في المياه الإقليمية الإيرانية؛ والإحجام عن أخرى  تقل حوالي 35 أمريكيا كانت تحلق في القريب؛ إنها فخر التكنولوجيا العسكرية الأمريكية بكل اختصار. عمليات التسلل كهذه؛  عمليات استخباراتية مهمتها الاستطلاع وجمع المعلومات قبل تنفيذ ضربة عسكرية موجعة للإيرانيين لهدف إرغامهم على الجلوس للتفاوض؛ التفاوض لأجل توقيع اتفاق نووي آخر تحت إشراف الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب؛ هذا الأمر يثير منتهى غضب القيادة الإيرانية وتعتبره إهانة فوق العادة. حادثة أصبحت تشكل العنوان الأبرز لهذه المرحلة لطبيعة التطورات المتلاحقة التي تلتها؛ تركيا تحسم أمرها وتباشر تسلم منظومة  اس 400  والولايات المتحدة تستشيط غضبا و تعاقبها بإقصائها من تسلُّم عشرات الطائرات الحربية من نوع اف 35؛ رأس حربة الجيوش الأمريكية؛  بل وإقصائها  كشريك في المشروع وهو ما سيكلفها خسارة 9 مليار دولار تنضاف إلى فاتورة خسائر اقتصادها المتلاحقة منذ فترة أيضا بسبب العقوبات الأمريكية. مثل هذه القرارات ربما تكون غير قابلة للمراجعة أو ربما يمكن وصفها” بالقرارات المجنونة”؛ ذلك أن تركيا واعية تماما لخطورة الأمر وتحسب حسابها لدقة هذه المرحلة؛ لذا؛  فوقع أولى طائرات الشحن الروسية  على القادة الأتراك وهي تحط بأحد المطارات العسكرية قرب أنقرة كأنه البلسم؛ ذلك أن الجِراح  أصابها التقادم وأصبحت عميقة؛ سنوات طويلة من الاجتهاد لاسترضاء “حلفائها” الأوربيين لأجل الانضمام للوحدة الأوربية لم تثمر إلا التجاهل و التماطل – إن لم نقل الاستهزاء – وهي العضو ” النشيط ” في حلف الناتو وهي مفارقة مؤلمة بالنسبة للأتراك ويعتبرونها أحيانا إقصاء منهجيا بدوافع عنصرية؛ كان يؤلمها أن هناك دوما من يتصدى لحلمها الكبير تحت شعار ” أوربا مسيحية “.

 منذ أيام قليلة احتفلت تركيا بالذكرى الاولى لإفشال الانقلاب ضد حكومة ” العدالة والتنمية ” أو ما يعتبره البعض ضد ” تركيا أردوكان”؛ لأنه يرى فيه “سلطان” أوربا المرتقب الجديد؛ لقد راج حينها أن الروس وربما الإيرانيين قد بذلوا ما توفّر لديهم من معلومات لإفشال هذا الانقلاب؛ بل وقفوا بجانب تركيا كأصدقاء حقيقيين وهو الأمر الذي لن ينساه الأتراك عموما وأردوكان على وجه الخصوص،  لقد تابع الأتراك  كيف تملص الرئيس الأمريكي من الاتفاق النووي؛ وكيف ظل الأوربيون منذ عام يوفرون له- راضين أو مكرهين – هذا الغطاء؛ تارة ببيانات الأسف، و بدعوة طهران إلى مزيد من الصبر والحكمة  تارة أخرى؛ و جاء قرار دونالد ترامب بمعاقبة تركيا بإقصائها من المشروع المذكور سالفا وبرمجة عقوبات اقتصادية أخرى في الطريق ليزيد من قناعة الاتراك أن الوقت قد حان للرحيل؛ باتوا الآن أقرب للروس وأصبحوا  أقرب حين اقترح  عليهم الرئيس “فلاديمير بوتين” تزويدهم بطائرات سوخوي 35 فخر التكنولوجا العسكرية الروسية مباشرة بعد الاقصاء؛ بل بعد دقائق  معدودة.

أجل هكذا يجيد  دبّ القطب الشمالي اقتناص الفرص؛ “بوتين” يتقن فنون الحرب إلى حدّ بعيد؛ ويرتب أوراق اللعب كما يجب؛ فأردوكان  يقترن اسمه بما جرى  في جارته الجنوبية سوريا “ومازال”؛-  بل  يعتبره البعض لاعبا رئيسيا في “ميدان الربيع “-  ويدرك أن القادم من الأيام سيتم فتح هذه الملفات وقد تشكل محكمة دولية  لمتابعة المتورطين في الفظائع المقترفة في سوريا وغيرها؛ “ذئب الأناضول ” هذا يدرك كل هذه المعطيات جيدا وها هو أيضا  ينتهز فرصته ؛ قد مرّ الشتاء وتعاقبت الفصول؛  و يحق له الآن أن يحظى بفرو جديد؛  أجل لقد حسم أمره و قرر الالتحاق بسرب جديد؛  حلف المنتصرين إلى إشعار آخر على الأقل؛ و المنتصر غالبا ما يفلت من المتابعة والعقاب؛ وها هو شمال الشام سيكون اختبارا حاسما لهذا الولاء؛ لقد حان وقت الزحف إلى الشمال.

هكذا يحق للمتابعين أن يتساءلوا ما الذي يحدث؟  ما هذا التخبط الذي تعيشه الولايات المتحدة؟ كيف يتصرف الرئيس الجديد؟ تجد يفي ببعض وعوده الانتخابية وهذا أمر جيد؛ لكن حين يتعلق الأمر بالقدس  كان يمكنه  تحاشي  هذا الوفاء؛ كل أسلافه كانوا جد حذرين في تدبير ملف الأراضي العربية المحتلة وملف القدس تحديدا؛ هكذا أقدم ترامب مباشرة بعد تسلمه “مقاليد الحكم” إلى توقيع قرار يقضي بنقل السفارة الأمريكية من “تل أبيب” إلى القدس؛ وبعدها بنحو العام أو أقل تجده يوقع قرارا ينص على ضم الجولان السوري إلى” إسرائيل” ؛ دون مراعاة مشاعر ما يناهز ثلاث مليارات من المسلمين والمسيحين واستهتارا بكل  قرارات مجلس الأمن ذات الصلة،   ولأجل إثناء حلفائه الأوربيين عن إنصاف إيران بخصوص الاتفاق النووي لا تتورع إدارته في إفشاء سرّ الأسلحة النووية السرية المدّخرة في أوربا، تراه أيضا يثير معارك مجانية في الكونغرس ضد السيناتورات الشابات القادمات من العالم الثالث وينسى أن زوجته “سلافية” وأن أجداده كانوا قد شدّوا الرحال من القارة العجوز إلى عهد قريب متناسيا أن أمريكا التي وعد أنه سيجعلها عظيمة؛ كانت عظيمة بالفعل؛ عظيمة بذاك الفسيفساء البديع الذي شكله المهاجرون القادمين من كل حدب وصوب؛ والآن ينتقل الاهتياج من أروقة الكونغرس إلى الجماهير؛ ماذا لو انتقل هذا العصاب إلى الشارع؟

لا يتورع الرئيس ترامب على فرض العقوبات على الدول والمؤسسات والزعماء و حتى الأفراد؛ وتطال أخيرا المرشد الأعلى “خامنائي” متجاهلا رمزية الرجل بالنسبة للشعب الإيراني،  تراه يخرج إلى وسائل الإعلام ويصرح أن المدمرة الأمريكية “بوكسر” رصدت طائرة إيرانية مسيرة وقامت بإسقاطها حين اقتربت لمسافة قصيرة و رفضت الإذعان للإنذار؛ يسارع “الفرس” إلى الإعلان أن كل طائراتهم المسيرة قد عادت إلى قواعدها سالمة و يصرح نائب وزير الخارجية  أنه “يخشى” أن تكون الطائرة المذكورة أمريكية الهوية؛ وهو تصريح يقطع الأنفاس لكل المتتبعين؛ صحيح أن “الحرس الثوري”  قد أوفى بوعده و بث صور فيديو توثق للحادث قبل وبعد تصريح “ترامب” و إن كان هذا لا يعني أنه دليلا شافيا؛ وقد يكون الجيش الامريكي قد أسقط فعلا الطائرة الإيرانية المسيرة وهذا أمر محتمل وطبيعي إلى حد بعيد في مجال تسيير طائرات “الدرون” هذه؛  لكن ما يزكي الطرح الإيراني هو أن ترامب -وهو يتولى مهام وزارة الدفاع- لم يقدم   أي دليل ليزكي بيانا عسكريا أذاعه بنفسه وهو ما يؤرق الأمريكيين و قاعدته الانتخابية على وجه التحديد؛  كيف غاب عنه أن الحرب النفسية  هو اختصاص أمريكي قبل أي طرف آخر؛ الحرب النفسية هو سلاح أمريكا الفتاك وهو إذ فاته أن إيران قد أسقطت آخر ما أبدعته العقول الأمريكية منذ أسابيع و أقامت الدليل على ذلك حين خرج قائد الأركان الإيراني إلى وسائل الإعلام العالمية وأخذ يقلب أجزاء حطام الطائرة المنكوبة أمام عدسات الكاميرات بكل اعتداد؛ حتى حركاته كانت مدروسة بعناية؛ لكن ترامب ربما يعي تماما ما يعنيه ولسان حاله كان يقول : “الويل للفرس..

لابد أن نفعل بطائرتهم كما فعلوا بطائرتنا تلك”، ثم ها هو هذا الطرح يتزكى من جديد عندما  تدير إيران حرب الممرات المائية بجدارة؛ لتثبت للأمريكان وللعالم أنها أصبحت رائدة للتكنولوجيا وبارعة في مجال  الحرب النفسية. ما هذا الرهاب الذي ينتاب الإدارة الأمريكية الحالية؛ ألهذا الحدّ تخشى من القوى الدولية الجديدة ؛ هل باتت هذه الدول تفرض نفسها كمنافس جديد؛ هل ينال من هيبتها هذا العالم الوليد؟ هل تكشف هذه الأحداث ذكاء أمريكيا في تدبير ملفات الصراع حول الزعامة وتتحين الفرصة لتكشر عن أنيابها من جديد؟.

هناك الكثير من الأسئلة؛ ويبقى الإنسان أخطر ما ” ينتجه” أيضا بنو الإنسان ؛ ما الذي يجعل أمير قطر ” الشيخ تميم ” يغير رأيه ويتنكر لأصدقائه الإيرانيين الذين أمدّوه بالماء والغذاء والدواء زمن الحصار؟؛ هل مازال يعتد بعطفه على “الإخوان”؛ هل لمشروع الربيع بقية مازالت آتية؟ هل عاد إلى السرب تحت ضغوط ترامب التي لا تُحتمل؟… لكن كم هو مثير طرح هذا السؤال؛ هل تكون تركيا قد أنجبت مولودا يدخلها إلى التاريخ بينما تكون أمريكا ” العظيمة ” قد أنجبت من أحشائها من يرمي بها الى المجهول يذيقها مرارة الهزيمة.

فاس المغرب

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. قوة امريكا تخاذلنا وابتعادنا عن كتاب الله وسنة رسوله
    نمتلك كل مقومات القوة وسوف نتقدم ونحن الاعلون ان كنّا مؤمنين

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here