احمد كيوان: أبو علي بوتين قيصراً متوجاً.. وايامه المقبلة مختلفة

احمد كيوان

لم يكن مفاجئًا نجاح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في انتخابات الرئاسة، التي جرت مطلع هذا الأسبوع، لكن المفاجئ كان تلك النسبة العالية التي حصدها، وبلغت 77% تقريبا أمام سبعة مرشحين آخرين. وكانت بمثابة انتصار كاسح لبوتين، منحه إياه أبناء شعبه الذين كانوا يتطلعون الى الرجل القوي الذي يعيد لروسيا امجادها ويضيعها في مصاف الدول العظمى.

وهناك مفاجأة اخرى حصلت في هذه الانتخابات، وهي النسبة المرتفعة من المصوتين الروس، اذ تجاوزت نسبة الـ65%. وقد راهن الغرب على نسبة متدنية من المصوتين، حتى ان الإدارة الامريكية قالت انها لن تعترف بنتائج هذه الانتخابات ان لم تتجاوز نسبة التصويت الـ40%. وحين جاءت النتائج كما هي عليه، فان ذلك يعتبر خيبة كبرى لكل تلك الدول المعادية لروسيا، حيث اسقط في ايديها بعد ان عمل الغرب الاستعماري كل ما يستطيع من اجل التشويش على هذه الانتخابات، كي ينتزع من بوتين تاجا يجعل منه القيصر الاكبر والأعظم في القرن الحادي والعشرين. فقد اثارت رئيسة الوزراء البريطانية زوبعة تصفية الجاسوس الروسي المزدوج على أرضها، وطردت ثلاثة وعشرين دبلوماسيا روسيا، فانقلب السحر على الساحر. وقد رد القيصر بوتين بصورة اشد على الاجراء البريطاني في اليوم السابق للانتخابات، وهو كما يقولون يوم صمت انتخابي، فجاء مدويا ليسهم ذلك في رفع الروح المعنوية للروس وفي إذكاء الشعور بالكبرياء القومي. وهو ما ساعد بوتين في الوصول الى هذه النسبة العالية، التي سيتوقف عندها الكثيرون من المحللين، لان “القيصر الاكبر” بوتين سيكون شاغل الدنيا في السنوات الست القادمة. فقد امتازت مرحلته السابقة باستعادة جزيرة القرم من اوكرانيا وبناء القوة العسكرية والجبروت العسكري الرهيب في مواجهة الدرع الصاروخية لحلف الناتو والولايات المتحدة. كما انه استطاع، من خلال وقفته الجادة مع سوريا، خلق عالم متعدد الأقطاب، بعد ان هيمن القطب الامريكي الأوحد على العالم اثر انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وحتما سيعمل بوتين على بلورة هذا العالم الجديد بأقطابه المتعددة بشكل يضع فيه حدا نهائيا لهيمنة القطب الواحد، الذي أذاق العالم ويلات الحروب وعدم الاستقرار، واخرج من رحمه الارهاب الدولي الذي زحف كالجراد. وسيشهد العالم مع بوتين مزيدا من الاستقرار وجنوحا الى السلم، لان الحق المهضوم والمنتهك سيكون له من يناصره وينتصر له. فإذا كان الاتحاد السوفياتي السابق سندا لحركات التحرر الوطني في العالم، فان الاتحاد الروسي بقيادة فلاديمير بوتين سيكون سندا للشعوب المقهورة، وتلك التي تسعى للعيش بحرية وكرامة على أرضها. وهذه مهمة ليست سهلة، بل انها كبيرة وكبيرة جدا، لكن قدر روسيا من اجل ان تكون عظمى وذات تأثير يحسب لها في القادم من الايام يجب ان تقوم بهذه المهمة وعندها آفاق مفتوحة على الكثيرين. فهناك اتحاد اوراسيا، وهناك العمل المشترك مع الصين، وهو عملاق يشق طريقه حتى يتبوأ هو الآخر مكانته التي تؤهله ليكون مؤثرا ايجابيا وبنّاءً في هذا العالم. وهناك العمل المشترك مع دول البريكس الصاعدة، ومجموعة شنغهاي التي قد تؤسس لمنظومة اقتصادية قوية. كما ان الامتحان الاكبر لقيصر روسيا بوتين سيكون في رفع مستوى المعيشة في بلاده، حتى لا يكون هناك شخص واحد تحت خط الفقر. صحيح ان روسيا لديها من الغاز والبترول الشيء الكثير، وهو عصب اقتصادها اليوم. كما انها اصبحت الدولة المصدرة الأولى للقمح في العالم، بعد ان كانت تستورده في القرن الماضي. ويبقى تطوير الصناعة من خلال التكنولوجيا المتطورة محور التحدي الداخلي الاكبر لبوتين في المرحلة القادمة. فهذه الصناعة الصينية الرخيصة نسبيا تغزو العالم وتتطور باطّراد، علما بان الصين تستورد احتياجاتها النفطية من الخارج. وعندما تكون لدى روسيا صناعة تناقش صناعات الآخرين وتتغلب عليها، فيمكن ان نقول ان الرئيس بوتين قد انتصر في المستوى الداخلي مثلما انتصر على المستوى الخارجي.

ونحن العرب كشرقيين نتمنى كل الخير للأصدقاء الروس، الذين جمعتنا بهم العلاقات التاريخية منذ أقدم العصور. فمن سوريا انتقلت المسيحية الى روسيا، ومن بغداد وصل الاسلام الى هذه البلاد التي يعتبر اليوم اكثر من 20% من سكانها مسلمين. ويقولون انه في العام 2030 سيكون 40% من الجيش الروسي من المسلمين، وفي العام 2050 سيكون الاسلام هو الدين الأول في الاتحاد الروسي. هذا على سبيل العلاقات الروحية التي تجمعنا بالروس، بينما تجمعنا بهم أهداف مشتركة كثيرة، وهم الذين وقفوا الى جانب امتنا العربية في كفاحها  ضد الاستعمار. وهم الذين أعطوا الحركة القومية العربية، في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كل ما تريد وبلا حساب حتى تقاوم أعداءها. وروسيا هي التي بنت السد العالي في مصر، وهي التي بنت مصانع الحديد والصلب في حلوان بمصر، وأدخلت بذلك مصر الى مجال الدول الصناعية. وروسيا اليوم هي التي تقف بكل قوة مع سوريا ووحدتها، ولولاها فلربما كانت النتائج عكسية لما نراه اليوم. والروس ناصروا الحق الفلسطيني ولا يزالون، وسيبقى في كل الأوقات دور لروسيا وكلمة نافذة إذا جاء وقت للحديث فيه عن عمر الحل السلمي.

ولهذه الأشياء التي ذكرتها، وغيرها الكثير مما لم اذكره، فقد شعرت بأن انتصار القيصر الاكبر بوتين هو انتصار لشعبي وقضيتي، وانتصار للعرب الأحرار في كل مكان. كما انه انتصار لأحرار العالم ولأنصار السلام في كل بقاع الأرض. ومن حق كل المقهورين والمغلوب على امرهم ان يفرحوا ويرتاحوا من وجود بوتين قوي ومتوّج من شعبه العظيم بتاج القيصرية، لأنه يستحق كل ذلك…!!

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here