احمد عبد الرحمن الرواشده: صلوات يهودية في مقام النبي هارون….. تصدعات في قيمنا الوطنية

 

 

احمد عبد الرحمن الرواشده

أثارت الصور الصادمة  التي تناقلتها وسائل الإعلام لمجموعة كبيرة من اليهود  يؤدون طقوسهم التلمودية وينفخون في الشوفار (بوق يهودي) فوق قمة جبل النبي هارون في مدينة البتراء جنوب الأردن،  مشاعر الغضب والتنديد والاستنكار على المستوى الشعبي الأردني ، ونوعا من الارتباك على المستوى الرسمي الذي حاول جاهداً لملمة الموضوع متنصلا من المسؤولية ودافعا بها من طرف إلى آخر.

في الحقيقة، يمكننا القول بأن هذه الحادثة تمثل أول اشتباك على الأرض الأردنية لصراع الروايات حول تاريخ المنطقة كما يسميها الباحثون في علم التاريخ، هذا الصراع  الممتد عبر ما يزيد عن قرنين من الزمن يهدف إلى طمس وتغييب الجذور التاريخية للوجود العربي  والحضارات التي مرت على منطقتنا العربية لصالح رواية توارتية مزيفة .

لقد وضعت هذه الحادثة التي في إطارها أقام  اليهود طقوسهم التلمودية  في المقام الذي  يفترض انه لنبي الله هارون عليه السلام، مناعتنا الداخلية في الاردن في اختبار مهم لقياس صلابتنا لمواجهة المشروع الصهيوني وأطماعه التوسعية باتجاه الأردن باعتباره جزء من أرض إسرائيل حسب الأساطير والمزاعم التوراتية، والتي يتم توظيفها لأهداف استعمارية احتلالية بحتة .

ويبدو من سياق الحادثة بدءً من قدوم المجموعة من المعبر مع فلسطين المحتلة ومن ثم ذهابهم إلى  جبل النبي هارون الذي تستغرق الرحلة إليه ساعات طويلة، بأن هناك تسهيلات وربما دعم من مجموعات متعددة على المستوى الشعبي  حصلت عليها هذه الطلائع الاستعمارية ، بدءً من شركة السياحة التي أقلتهم، والفندق الذي استضافهم، والدليل الذي رافقهم والسيارات والدواب التي أوصلتهم الى المقام،  لينتهي الأمر إلى المشهد المخزي والفاضح الذي أظهرته الصور والأخبار، والذي يشير بوضوح  إلى هشاشة مناعتنا الداخلية لدى أفراد من شرائح متعددة في المجتمع الأردني تبدي استعدادها للتعامل مع  هؤلاء الغزاة وأعداء الأمة لقاء منافع مادية ، مما يثير الدهشة والاستغراب، ويدعو الى تقديم تفسير مقنع، خاصة وأنهم في صميم مواقفهم يمقتونهم ولكنهم بنفس الوقت لايمتنعون عن التعامل معهم إذا كان هناك منافع مادية يمكن ان يحصلوا عليها ، أي أن مواقفهم، “براجماتية” حسب تصنيف البعض، ولعل ما يعمق الأسف هو تكرار مثل هذه الحادثة بصور مختلفة، يجمعها قاسم مشترك؛ لتنذكر مثلا مقتل الشاب الأردني محمد الجووادة (17 عاما) في السفارة الإسرائيلية في عمان عام 2017،  إذ تسرد تفاصيل القضية بأن والد الشاب يمتلك متجراً لبيع الأثاث، وحضر إليه “زبون” من السفارة لشراء غرفة نوم، وعندما ذهب الشاب ليسلمها له نشب نزاع بينهما فقتله، وهنا تبرز أطراف معادلة  ما يمكن وصفه بـ”سلوك متناقض”،  ففي الوقت الذي تصنف فيه ” الزبون” على أنه عدو لدود اغتصب الأرض والوطن وشرد أبنائه،  لا يوجد هناك ما يمنع التعامل معه لقاء تحقيق مصلحة مادية.

لقد أبرز الإعلام تلك المفارقة الواضحة التي تترجم صور الترحيب والأحضان الحارة والتبجيل الوطني الذي حظي به هذا القاتل عندما زاره رئيس الحكومة الإسرائيلية في منزله للاطمئنان على سلامته وشكره على فعلته  وعلى تلك الاستباحة التي وصلت حد الاستهتار بالدم والقتل، وقد كشفت ابتسامات نتنياهو العريضة عن حجم تصدع القيم الوطنية لدينا وتراجعها إلى حد غياب الوعي الذي أباح تجاوز حاجز التعامل مع العدو مقابل المصلحة والمنفعة.

مثل هذه السلوكيات والمواقف غير المعلنة مع العدو الصهيوني من قبل  بعض المتاجرين وأصحاب المصالح سرعان ما تسربها وسائل الاعلام الصهيونية، لتقولبها في قوالب تخدم مشروعها الصهيوني وسياستها الاستعمارية، ونستذكر على هذا الصعيد تلك الأخبار التي تحدثت حول مشاركة أردنيين في الاحتفالات التي تقيمها سفارتهم في عمان، أو مشاركة البعض لاحتفالاتهم ومناسباتهم في فلسطين المحتلة كمشاركة أحد الشخصيات في الحفل الذي أقيم بمناسبة ما يسمى “استقلال” الكيان الصهيوني .

وفي سياق ما جرى ذكره، تستوجب  اعمال بعض البعثات الأثرية التدقيق والمراقبة الحثيثة، إذ أن علم الآثار، للأسف في جانب كبير منه “مسيس” اي بمعنى أنه يتم تسخيره لتحقيق أهداف سياسية، ومنها إثبات صدق الرواية التوراتية المزعومة حول تاريخ منطقتنا العربية، ولعل ما استفزني في هذا الجانب مقال لأحد المسؤولين السابقين  يدعي فيه أن الاردن يحوي آثار يهودية مهمة، وتماهيه للأسف مع الرواية التاريخية الصهيونية مستشهدا بأقوال علماء آثار إسرائيليين .

مثل هذه المواقف والمشاهد تؤشر بشكل واضح إلى تصدعات كبيرة  في مناعتنا الوطنية إضافة الى تصدعات أصابت قيمنا الوطنية المتعارف عليها  باعتبار أن  الكيان الصهيوني الذي اغتصب أرض فلسطين وشرد أهلها الى أصقاع الارض، والذي له أطماع ايضا في الأردن لا تخفى على أحد، هو العدو الأول وهو الذي يشكل تهديداً لوجودنا وهويتنا .

ومع ادراكنا لوعي الأردنيين بحجم التحدي والتهديد الذي يمثله المشروع الصهيوني على وجودنا وانتمائنا الحضاري والتاريخي ، الا أن هذه الحادثة تستدعي إعادة تقييم مناعتنا الوطنية للتصدي لهذا الاقتحام الصهيوني لتاريخنا وحاضرنا وتهديده لمستقبل وجودنا، على كافة الصعد وبشتى الوسائل، إذ يتطلب هذا الامر من الأحزاب والنقابات والفعاليات الشعبية ناهيك عن المؤسسات الرسمية  العمل على زيادة وتعميق الوعي لدى تلك الشرائح التي تتعامل بشكل مباشر مع الزيارات السياحية الإسرائيلية ، والتي هي في حقيقتها طلائع استيطانية استعمارية ، وكذلك التيقظ لمثل هذا العمل وإدراك مدى خطورته، وضرورة مراقبة زيارات وتحركات هؤلاء اليهود في الأردن عن كثب، حتى لا  يقوموا باقحام الزيف والبهتان في تاريخ المنطقة من خلال دفن آثار مزورة لهم وهو ما كشفت عنه وزيرة السياحة السابقة، مها الخطيب ، والتي قالت “بأن هؤلاء اليهود  شوهدوا وهم  يدفنون قطعا تبدو أثرية عليها كتابات عبرية في مواقع عدة مثل وادي بن حمّاد في الكرك والبتراء وطبقة فحل”.

ولا شك بأن للإعلام  دور مهم في زيادة الوعي  بجذورنا الممتدة عبر التاريخ على هذه الأرض المباركة بما فيها فلسطين المحتلة وبلاد الشام ، في مواجهة الروايات التاريخية الصهيونية المزورة ، التي تحاول تهويد الأرض وتزوير التاريخ وكيَ الوعي ، ونحن على ثقة ان هناك رجال ونساء متسلحين بالعلم والمعرفة مدركين لاخطار المشروع الصهيوني، قادرين على التصدي لهذا الخطر الذي لازال جاثماً على أرض فلسطين الحبيبة .

[email protected]

باحث متخصص في الشؤون الاسرائيلية

عمان الاردن

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here