احمد الشيخاوي: قصة “رحلة” لعبير خالد يحيى… تجليات المنفى الاضطراري

 

 

احمد الشيخاوي

لعل عتبة هذه القصة القصيرة ، تختزل أكثر من معنى يلامس الصميم الإنساني ،ويشي بالوجع السوري على نحو محدد، ذلك وأنه إزاء ما بات يتداول من تسويق لأحداث دامية ،يشهدها هذا الوطن العربي ،مذ اندلاع الثورة في أرجائه بداية عام2011، ونظرا لاجترار كهذه مشاهد تروج بشكل أكثر غرائبية وجنونا من لدن الجهات التي تأبى إلاّ فرض سلطتها والذود عن زعامتها بالقوة والدموية والدمار الشامل،هذا من جانب، ومن جانب آخر، هؤلاء الأبطال والبواسل في الجبهة المعارضة وهم يقدمون تضحيات بالغالي والنفيس ، يؤثرون الاستشهاد على العيش تحت سيطرة نظام القمع والجور والدوغمائية وعدم الاحتكام إلى سنة التغيير والبدائل الديمقراطية وشتى ما يفضي إلى حلول من اقتراحات هذا الشعب المقهور، ومن ثمّ إيقاف مثل هذا النزيف الذي طال واستشرت واستفحلت عواقبه السلبية الوخيمة.

بالطبع، ليس أمام هؤلاء المناهضين لراهن فرض الزعامة خارج حدود الشرعية ونزاهة الاستفتاءات الشعبية الداعمة لذلك، قلا ليس أمامهم سوى التصدي لمثل هذه السادية في إيديولوجيات فرض الحكم على جيل ما بعد قيام ثورة 18 آذار 2011، وقهريته المتسببة بكامل هذا الخراب والإبادة الشرسة.

إن قليلا من التأمل في قصة ” رحلة” للمبدعة السورية عبير خالد يحيى، لهو الكفيل بأن يعبر بنا إلى طيات الوجع العربي ، متجسدا ههنا في الكائن السوري ،تحديدا، والجميل في القصة أنها استفتحت بمشهدية الرعب، مع الصمت على فصول ما يجري ميدانيا في سوريا، كون ذلك معلوما للغاية ،ولا يخفى على أحد، بل نجده وقد بات نمطيا وروتينيا إذا شئنا.

وهكذا فأن تلكم المسرحة المرخية بطقوسيات الرّعب ،منذ الوهلة الأولى، تضع المتلقي للنص في صيرورته وتسارع أحداثه وتصاعدية ظهور شخوصه، في اصطدام مخملي بما يمكن أن توحي به البراعة الهوليودية في تجسيم تميمة الرعب ،حابسة للأنفاس وباعثة على الخبل، عبر العروض المغرقة في الدموية وإدمان القتل.

تقول القاصة ، وهي تستهل نصها الجميل الذي بين أيدينا: [ــــــــــــــــــــ”خائفة ؟”

سألتها باذلةً جهداً كبيراً لأخفي رجفان لساني كيلا يفضح رعباً ملأ نفسي ..

تلفّتت  إليّ محاولةً رسم ابتسامة بدا واضحاً أنها قناعٌ واقٍ تخفي به أعراض الهلع، أنا أصلاً أخاف من الأقنعة مهما كانت منمّقة.’

” لا أبداً “ــــــ

أجابت باقتضاب ..

أمام نظرتي غير المصدِّقة استأنفت :” نعم خائفة قليلاً ، مثلُك لكن سنخوض التجربة ، إن لم نجرّب الخوض فيما نخاف منه سنبقى خائفين من مجهول إلى الأبد .’

صدمتني بقولها.’

 أعرفها عميقة رغم صغر سنّها، لكن تدهشني دائماً ألفاظها ].

في غمرة كل هذه الأهوال ، ليس ثمة بد من أن نبق الأمل في جيل الغد ، متوهجا ،وهي ذبالة وجب رعايتها ،برغم واقعنا الفوضوي المضطرب، وإلاّ فما الذي قد نمرّره للفلذات، سوى رسائل الانهزامية والإحباط والانكسار وغير ذلك من مثالب السلبية والنقصان.

وإذن … هي مقامرة مجنونة ،راهنت على المنفى الإجباري، استسلاما لسفر في المجهول الطاعن بمفاجآت وانثيالات متاهاته،داخل زمنين للمحكي، وبفضل مطيّتين التزما بأبجديات رحلة واحدة طويلة مثوّرة لكامل الرّعب الإنساني، ومنقوعة المفردات والتفاصيل في مرارة الخيار، خيار اللجوء دونما أدنى تفكير في عواقبه وتبعاته.

هذا وأحسب الكاتبة عبير خالد ، تفنّنا في القفز على راهن ما بعد المأمول في ثورة بدأت بريئة ،لكنها راحت تفقد ملامح ذلك ، لحين تواتر إرهاصات الفشل ،وما ذيّله ولم يزل ،من تخبطّ لم يزد الوضع إلاّ سوء ورداءة وانقراضا،ودائما من الطرف المغرور المهيمن بترسانته القمعية ،وتوّهمه للأحقية في استرداد ما يعتبره ضاع منه في معنى ما للزعامة التي جبّت تاريخاها الثورة، على نحو تعسفي إمبريالي تدميري وإرهابي عاصف بالشرعية .

*شاعر وناقد مغربي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ماحدث وما زال يحدث في سورية ليس ثورة ولا مايحزنون وهولاء المرتزقة المنطرفين والمدعومين من السعودية وقطر وتركيا ليسو ثوار انما مرتزقة ارهابيين خارجين عن القانون
    من يأخذ ملايين من دول النفط لتدمير بلده ويستخدم كل انواع الأسلحة الثقيلة ضد جيش بلده هذا ليس معارضا ولا ثائرا هذا خائن لوطنه متخابر مع اعداء الوطن والمفروض معاملتهم كخارجين عن القانون
    السعودية تعدم مواطنيها لأجل تغريدة كيف لو حملت المعارضة السعودية السلاح ودعمتها جهات خارجية كما حدث مع من يقولون عنهم المعارضة السورية المسلحة ؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here