احمد الشيخاوي: “سلاما أيها الغيم” للمبدع قطب الريسوني … سردية تغازل بشعرية الماء

احمد الشيخاوي

كتابة وامضة ، ترعى معاني الأمومة على نحو مفاهيمي أشمل ، تنطلق منها الذات الساردة ، مفجّرة زخم الأسئلة الوجودية ، في انتساب مكشوف إلى مفردات الحياة الثرية بألوانها ن بعيدا عن المنغّصات سواء المفتعلة أو الطبيعية ، كون الإبداع الحقيقي لا يتم إلاّ عبر تجميل المعاناة ،مهما غلت في تجلياتها ،وانثالت بخيوط سمّها الكائن ،ضمن حدود ثالوث العقل والروح والجسد.

هي جملة من دوال الخطاب السردي المغلّف بشعرية ،تلوذ بلغة تصوّف ، ‘ذا شئنا حضور “المائيات ” ، تلك التي يطالعنا بها ، الدكتور قطب الريسوني، من خلال مجموعته القصصية ” سلاما أيها الغيم ” الصادرة حديثا ، عن جامعة المبدعين المغاربة ، طبعة أولى2019، الدار البيضاء، والباصمة لحيّز يناهز السبعين صفحة من القطع المتوسط ، بواقع إحدى وأربعين شذرة قصصية، راوحت بين العاطفي والاجتماعي وانشغالات الاحتفاء بالعنصر الطبيعي إلخ…

إنها تعبيرية ترشق بتفاصيل المقامرة ، أو السياحة الباطنية ، الممسوسة بإيقاعات الصياغات الخاطفة ، بانتقاء قوالب يغلب عليها طابع القصر أو ضيق الحيّز ، وهو اختيار ينشد تكثيفات المعنى والإشباع الدلالي ، على حساب الشكل، كما هو جلي ،عبر خارطة هذا المنجز المباهي بشعرية السرد العابر ،في خفّة ظل ، مع ترك وترسيخ ، الأثر الفردوسي ،وكيف أنه يمارس بلسميته ، على روح المتلقي، فينعشها بسلال المعاني القادرة على مسح وإطفاء الكآبة الوجودية ، وإن مؤقتا وبشكل نسبي.

نطالع للقاص المقطع التالي :

 [ ” لكِ يا سيدتي حطبَ القلب ، تضرمينه قصيدةً، أو جذوة أشواق..

لكِ شهقة وريدي ،وتباريح القلم..

لكِ زهرة فصولي ،وأفراح الغيم..

لكِ السلسل، والسلسبيل، وشلال الفتون ..

هذه آخر مكاتيبي إليك ، فاعذريني إن تعثرت ريشتي، وتأخرت عن موعدك المفعم بطيوب الشوق ، والتوق ، والدّنف”.

وضع الشاعر ” عبد الفتاح ” نقطة الختام لرسالته إلى القصيدة، وحزم حقيبته استعدادا للرحيل عن دنيا الخليل التي أحبّها وأحبته،وأكبرها فأكبرته،ومهرها قلائد حرف ، فمهرته شميم ريحان.

قلاه النقاد، واضطهدته المنابر ، وانهالت عليه الضربات من كل حدب وصوب :](1).

هنا ترخي بكامل ثقلها ، ظاهرة هجرة الشعر إلى الرواية ، بتعدد أسئلتها الحارقة ، كي يسيل حبر المعالجة ، أو بالأحرى محاولة ذلك ، بطريقة دمثة ، لا يشعر معها المتلقي أنه يغادر أثناء العملية التواصلية،رحاب الوظيفة الشعرية للسرد، تمنحه انطباعات ذلك ،حرفية القاص ومهارته في إبداع أو إنتاج ما هو هامس وملامس للصميم، بتقشف في رصد الأحداث كما التخفف، جدّا كبيرا ،من إصدار الأحكام ، الشيء الذي يجعل من شخوص البطولة في قصص المبدع الدكتور قطب الريسوني، مجرد ظلال هاربة ، مخملية الاستدعاء ،هشة الحضور، غزيرة المعاني والدوال.

وكما في قصة ” غيمة الرشيد ” التي تسافر بنا إلى ذاكرة الأمجاد ، وتاريخ السمر الإبداعي المعرفي، لتخفف عنا صدمات ما نلقاه ،من آنية جائرة على سدنة الحبر والفكرة ،حدودا غير مقبولة.

مفارقة تلبس فضاء الحكاية بالكامل، تقارن بين عالمين، أو زمنين: عصر هارون الرشيد المستأنس بمجالس الأدباء والشعراء والفلاسفة والمفكرين والعلماء وغيرهم، وراهن تغييب نظرائهم وازدراء رسائلهم ، على نحو معطّل لدور اللغة ومجهض لخطاب العقل.

انتقال سلبي من ثقافة البناء في كل شيء، إلى أخرى للهدم في جل المجالات.

يقول أيضا:

[ الليل الوادع الندي أول الضيوف .. وتبدأ الحفلة الصاخبة على شرف النوارس العائدة من رحلتها المائية..

كانت النجوم تعزف ألحانها الفضية، والنسيم يراقص البحر في ضمّة ولهى ،والموجة توشوش لصاحبتها :أعشق كثيرا هذا الصدف.’

انفضّ الحفل ،ولم يبق في الشاطئ إلا عاشق واحد يغني لعشيقته :

” حبة رمل من الحب أكبر من شاطئ هذا البحر”](2).

في كلّ مرة يثرثر القاص ، بقلب عاشق ، ينثر درر كتابة ملؤها المحبة والتسامح وفتح أبواب الأمل ، إزاء سرب المكلومين والكادحين والحيارى والحالمين على نحو تهيمن عليه الحالة المرضية ، أو الإكلينيكية التي لا شفاء منها بسوى معجم المفردات الطيّعة في لغة القلب ،بشتى ممالكه المزهوة بألوان الحياة كما يشتهيها الكائن، عندما يؤوب إلى رشده ، مجربا مرارة الفقد،ومطلاّ بهوية من هشاشة ونضارة وجمال ، ومنظومة قيم يغذّيها ترجيح البعد النوراني بين جوانح ،ما تنفكّ تكتسح المسافة بينها، عتمة تأليه إيديولوجيات الخراب واغتيال معطيات الروح.

ويقول :

[ “سنبلة تزهو بضفائرها الشقراء .. وتصلي للغيمة التي أطعمتها..

والمدينة قاب قوسين أو أدنى من موسم يُغاث فيه الناس،وتحبل الخوابي..”

رؤيا تداعب منامه كل ليلة، ومازال يبحث عن معبّر لها ،يزرع في نفسه أملا أخضر ](3).

لعمري ، هذا هو المطلوب، كتابة تبشيرية، تزرع الرؤى الخضراء في برزخية الكائن المثقل بخطايا وأخطاء عصره ، ليصحو أول ما يصحو بعدئذ ،على أمل أينع وأكثر اخضرارا، يجعله أكثر إقبالا على الحياة بسائر ألوانها ومعانيها.

فلا هو سرد تيئيس ،ولا تضليل وتهويمات منوّمة ، كذلك.

يدمغ بمثل هذا المعنى ، قول القاص ، أيضا :

[ مذكّرته الصغيرة مكتظة بالمواعيد :

موعد مع صباح الفرحة ،

موعد مع حورية الحب،

موعد مع نوارس الأحلام القزحية..

كان الوقت خريفا .. فتساقطت كل المواعيد](4).

هنا نلفي طبيعة الزمن لا تقصي روح السرد في تشبّعها بالأمل ورزمة ألوان الحياة. دائما هناك احتفاء بمعاني الأمومة والحب ،باعتماد خطاب شعري مغر ، موغل في مفهوم المائيات بأبعادها الماورائية،وزاخر بإيجابية تصريف رمادية العالم ،في علاقة الإنسان المعاصر بما تفرزه من أشباح مجففة لينابيع دوال الولادات الوجودية البديلة ،ومعاني الأمومة والحياة الموازية المشتهاة.

هامش :

(1)من نص ” رحيل” صفحة 8.

(2)من نص ” أغنية ” صفحة29.

(3)نص ” رؤيا” صفحة 34.

(4)نص “مواعيد ” صفحة59.

*سلاما أيها الغيم (شذرات قصصية ) طبعة أولى2019،منشورات جامعة المبدعين المغاربة ، الدار البيضاء.

*شاعر وناقد مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here