احمد الشيخاوي: دوال الإغتراب في الشعرية العربية الحديثة ريم الخش “نموذجا”

 

 

احمد الشيخاوي

القسم الأول

مقدمة

لا يمكن فصل الأدب عموما، عن سياقات تاريخية معينة ، كون الأوطان والشعوب، إن في رقيها أو انحطاطها، إنما تقاس بمنسوب ازدهار الأدب وتدهوره.

وإذا ركّزنا على جنس الشعر، بعدّه ديوان العرب، مثلما هو شائع، أمكننا القول أنه، أي هذا الجنس التعبيري، في انتسابه إلى عصر ما، لن نجني من غائيته، ما قد يصب في مقاصد بحثنا، ما لم نحاول محاصرته  بشتى أغراضه، في منصات واقعيته ومدى ملامسته لصميم إنسانيتنا، وكذلك طاقة الذات المبدعة في إسقاط ما ينبغي عليه، سواء من دوال المعرفة أو الجمال، زخم المفردات التي باستطاعتها عكس معاناتنا الحقيقية، والنهل من عمقها وصدقها.

إن أقصى ما كانت تحتاج إليه القبيلة آنذاك، الكائن المدجج بفروسيته، والتي ـــ حتما ـــ  لن يصوغ ملامحها سوى السيف أو اللسان ، وفي أحايين كثيرة يتمّ تقديم اللسان لخطورته وحجم جدواه.

وبعدها المجتمع المدني ، وإن اتخذت المنظومة المفاهيمية المرتبطة بجدلية السيف واللسان، معان مغايرة  وأكثر نضجا وموسوعية، ربما تساير التطورات العقلية والسيكولوجية .

ولأن ما نعيشه اليوم ، يعتبر نسخا تكاد تكون شبه مكرورة ، تجتر سير الماضي وتنبض بصفحات تاريخانيته، بخاصة في جوانب الجنائزية و الإنكسارات ولغة الموت وعولمة الخراب ، أستحضر العصر المملوكي، باقتضاب، مع الإشارة إلى بعض الثغرات التي سهّلت غزو جزءا من بلاد العرب ، من قبل القوى الغازية التترية الهمجية والمتوحشة :

 ــــ الفردانية الإيديولوجية السلبية

وهي ميزة جعلت كل دولة تتقوقع على مصالحها ، فضربت بذلك الإفراط في الأنانيات والنفعيات الضيقة ، صلب الثقافة والروح العربية ،التي أثبت التاريخ أنها كلما احترمت وتمّت تغذيتها ، استعصت الخارطة العربية على الطامعين من فرس وروم ، وقتئذ.

ـــــ التراجع الثقافي

وحين نقول ثقافي ، نعني به ذلك الكل المركب ، مما راكمته الأجيال العربية في تعاقبها، من أدب ومعرفة وفلسفة وفكر وفن إلخ…

لقد تركت بغداد عورة ، كما يقال، مع أنه يقال أن الدفاع خير وسيلة للهجوم في الإستراتيجيات الحربية، ما أدى إلى استعمار كامل العراق بسهولة كبيرة ، ومن بعدها سورية ، لتكون حرب التصدي لهذا الغازي المتعطش لدماء العرب وثرواتهم ، أكثر شراسة وحكمة من قبل ثلة من المماليك ،قبل المحطة الثالثة في ذلك المخطط التتري الدموي، مصر العروبة والكنانة.

غير أن الطفرة بين الأمس واليوم ، إنما تسجلها مثل هذه المفارقة العجيبة والتي تدمي القلوب ، من عدو خارجي ، إلى داخلي، وقصة اندلاع الثورات العربية منذ 2010.

الثورة التونسية (والتي تعرف أيضا بثورة الحرية والكرامة أو ثورة17ديسمبر أو ثورة 14جانفي) هي ثورة شعبية اندلعت أحداتها في 17ديسمبر 2010تضامنا مع الشاب محمد البوعزيزي الذي قام بإضرام النار في جسده في نفس اليوم تعبيرا عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها من قبل الشرطية فادية حمدي(وقد توفي البوعزيزي يوم الثلاثاء الموافق 4يناير2011في مستشفى بن عروس بسبب حروقه البالغة (1).

من هنا التفتت أسماء في المشهد الإبداعي العربي، إلى ضرورة أن يكتب مثل هذا التاريخ ، بدم ، فظهرت تيارات جديدة ، مثل ميليشيا الثقافة في العراق، ولقدت نزفت الأقلام المهجرية بالموجع مما آلت إليه أوطانها ، كذلك ،وفي شتى مناحي الإبداع من شعر وسرد وتشكيل.

نعتبر الشاعرة السورية المغتربة من أبرز الأسماء التي ذادت عن هذه القناعة ،وكرّست لتجليات هذا الحسّ ، في مجمل مجاميعها الشعرية التي أصدرتها ،حتى الآن.

وهو انتقال من عداوة خارجية إلى داخلية كما أوردنا ، أنتج مثل هذا التاريخ المصطبغة صفحاته بكامل هذه الفوضوية الدموية والإضطرابات ، يضعه الشعر في قفص الاتهام ، والمحاكمة .

بحسها المتوهج بعقيدة الإنتماء ، ترنّمت ريم ، مدشّنة أبدية الإخلاص إلى الكتابة العروضية ، مجدّدة في المعجم والصورة والدال الشعري.

تقول شاعرتنا :

ويسألني غلاميَ ما البطولة

                          وما معنى الكرامة والبطولة

وها صارت أساطيرا وصرنا

                        ذكورا طامحين إلى الفحولة (2)

من هذه الخلفية التي تجسدها مطالب المواطن العربي المضطهد والمحاصر والمقهور : الحرية ،الكرامة ، الخبر. نرى هذه الشعرية تنبثق، كي تمارس أضربا من خطاب النضال والتمرد بصوت النعومة الخفيضة، والمناورة بإيقاعات الزلزلة.

إنه عصر تبدل المفاهيم ، بامتياز ، أين فحولة اليوم المزيفة ، من مروءة الجاهلي ، حتّى؟

إن نداء الاستغاثة الذي أطلقته سيدة اعتدي عليها في عهد المعتصم ، صاغ قيامة للنخوة العربية ، وفجر ينابيع المروءة والفحولة ، على نحو صهل معه العرض العربي.

ترتقي الرمزية في كتابة الشاعر ريم الخش ، إلى مستويات أبلغ ، في استحضار نظير هذه الصفحات الأكثر إشراقا في الفكر والعقلية العربية.

من خلال عوالم ، شعرها الموازية ، نلفيها ، استطاعت صناعة ثقافة لا تسجننا في التراث والذاكرة ، بقد ما تحفّزنا على الخلق والابتكار ، في حدود أنساق الإنتساب إلى الجذر.

نيوكلاسيكية خطاب رصد واقع المنفى

مما لا شك فيه ، أن الكثير من الأسماء المحسوبة على الحداثة الشعرية ، هي أقل من أن يُنظر إلى نتاجها المرتجل ،قياسا إلى نخبة مخلصة للإبداع ، وليس تصوغه من سوى أصوله وينابيعه الدالة عن وعي عميق بالواقع ، واستشعار مسؤولية الكتابة ، في أفق أكثر انفتاحا على الرداءة والغوغاء.

كون التعاطي مع الممارسة الشعرية ، خاصة في مستويين، العروضي والنثري، يتمّ في الغالب ، خاضعا لمثلبين، النظم والاستسهال، ما يفقد الكتابة قيمتها ومصداقيتها ويجعلها مجرد هراء.

بحيث نجد النظم يُفسد الإبداع العروضي، من قبل كثيرين، يتقيدون بقواعد خليلية، علما أنهم يفتقرون إلى الثراء اللغوي، والرصيد المعرفي الذي قد يمكنهم من الخلق والابتكار ، في ديوان العرب، كما توارثته وتناقلته الأجيال.

في المقابل ، نلفي السرب الذي اختار ركوب موجة الحداثة ، والانتشاء من تياراتها ، يغرق في استسهال قصيدة النثر ،والإبداع الحداثي إجمالا ، ما يضطره إلى تقديم فقاعات ما تنفكّ تزول ويمّحي أثرها.

كون التناسل المهول للمنابر الإعلامية التي تفرخ مثل هذه الأفكار ، وتنتج كهذه هيمنة ، رسمية إلى أقصى الحدود، جار كثيرا على لغة الضاد ،وإمكانات تحديث قواميسها وتطوير هويتها.

هكذا ، نفخت مثل هذه المنبرية اللامسؤولة ، في أسماء من الغزارة ،بشكل مقزز وباعث على الوجع ، ورثاء مشهدنا الإبداعي العربي ، في غالبية انشغالاته.

لذا ، قلّما تطفو على السطح ، أسماء جديرة بالإهتمام ، وثمة نماذج في أجناس إبداعية متنوعة تلون الأدب العربي ،وتبصم بكماء من ذهب ، في مختلف حقول الثقافة إجمالا.

صحيح أن الكتابة لا تحوز حظوظها ، وشرعيتها ،من غير الوفاء للإبداع والإخلاص الشديد له، والمؤكد أن ذلك ليس يتم إلا عبر مكابدات حقيقة ومعاناة صادقة ،تبلورها الذات المبدع إلى بوح فسيفسائي ، يشكل مرآة صقيلة لكل الأجيال، ويخلد في السجلات العصية على الاندثار والزوال والنسيان.

إن ما جذبني إلى تجارب من هذا الطراز ، وهي قليلة على كل حال، هو فلسفة العطاء من أجل العطاء، كون الزاوية الوحيدة المتبقية لبعث الأمل في أجيالنا القادمة ، هي زاوية الثقافة ، واحتمالات حدود المراهنة عليها ، والاستثمار في سائر عناصرها.

من هنا ، أقول أن ما راكمته الشاعرة السورية المهجرية ، ريم سليمان الخش، لا يزيغ أبدا عن هذا المنطلق ، الذي يعتبر الشعر أسلوبا حياتيا ،بل وأكثر، إذ يضع هذا الجنس التعبيري ، فوق مستوى الحياة ، بحد ذاتها ، كي يسجّل انتسابا إلى الإنسانية الرّحبة على اختلاف مفاهيمها، فهو يذوب في نبضها ، بالتالي، ويتماهى مع إرهاصاتها.

إنها شاعرة تحاول أن تتبوأ منزلة المابين ، بالرجوع إلى الخطاب الشعري الذي تتنفس إيقاعاته ، تجربتها الفريدة والمتميزة .

فقد فطنت باكرا إلى أن الركوب على القضية مهما كان نوعها، إيديولوجية أم قومية أم وطنية ، أضحى مسالة متجاوزة ومكشوفة ، لا تستطيع إنقاذ صاحبها والمتغني بها، من ورطة اسمها خيانة القناعات والمبادئ.

فالركوب على القضية الوطنية مثلا ، لا يقل سوءا ومسبّة ، عن عار الاصطباغ بالأخطاء السياسية التي قد تذبح الأوطان ، وتخلّف مجازر في الشعوب، لا حدود لها.

قناع القضية ، لم يعد مغريا، وثمّة فضاءات جاذبة  أخرى، تناسب مغامرات ريم ،الشعرية ، والتي هي، ذلك الإنتماء لكتابة شاملة ، ترصّعها الرؤى الموسوعية ، على الرغم من صور التشبث بشعرية التمرد الذي تمليه أبجديات الحنين إلى الجذر.

هذا الصوت المهجري، ما يلبث يضرب بقوة ناعمة ، مناهضة لاستعباد واضطهاد الشعوب العربية ، عبر خارطة اصطبغت بكامل هذه الجنائزية والفوضى والدمار.

سنسوق عارضتين هاهنا ، ونحن نضع في دائرة الضوء ،كهذه شاعرة مهجرية ، اضطرت إلى ترك وطنها ، كي تستقر في عاصمة أوربية ، تغذي بتجاوزات الثقافة الغربية وإكراهاتها ، اغترابها وعزلتها ، وتمنحها طابع التركيبية والتعقيد.

1 ــــ الشكل

منطقي أن تناضل شاعرتنا ، من خلفية إنسانية ، تنرسم لها ملامح الثورة الخفيضة الهادئة ، المنتصفة للكائن المسحوق المطعون في كرامته وانتمائه وجميع حقوقه المشروعة ، باعتماد خارطة شعرية، للإنخراط في الشكل الخليلي، علما أن مثل هذا الإلتزام يفرض جهدا إضافيا، بمعزل عن الاعتباطية أو الإستسهال، الذي قد يفقد القصيدة قيمتها ومعياريتها الحداثية، فيفرغها من شعريتها ، كي تظل أخيرا مجرد قالبا قشيبا، تعوزه الرؤى والمعاني والملمح الإستطيقي والدلالات.

خلافا لذلك ، هي ممارسة رصينة ، ترعى تجليات التكثيف والانزياحات وتلوين الرؤى الاستشرافية القادرة على الارتقاء بشعرية النص ، حتى في غمرة خوض مغامرات الكتابة العامودية.

يجيء ذلك من منهج الإكتفاء بشعر القطعة ، كمعمارية ضاغطة باتجاه احترام بعض القواعد التي تصب في خانة ما هدفنا إليه.

تقول في هذه ” النتفة ” واقتصارا على بيتين شعريين:

  ستترك للخليقة إرث غيم

                          له في كلّ جارحة رياض

قصائدَ كالنجوم مشعشعات

                        على الدنيا وليس لها انقراض (3).

إن تأمل هذه اللوحة المستفزّة بصور الخلود الإبداعي ، إنما تُقاس بما وراء ألون السطرين، واستكناه ماهيتها تنقيبا على معاني النرجسية والحياة والوجود المغلف بهوية إنسانية.

تركيز كبير، منح هذا الحيز الضيق ، امتدادا للتأويل ،ومساءلة الحالة الإنسانية المعطوبة ، الناهضة على مفارقة وجودية ، يدشنها تجاذب الأضداد، أو متلازمة نظامين : خلود وفناء.

إنه شكل هامس بالنفس الصوفي الدال ، على قيامة مشتعلة تأكل وطنا كاملا ، شكل يختزل رسالة إنسانية سامية ، تنبّه إلى أبعاد الكتابة التوعوية التنويرية التي فيها خلاص الكائن والعالم.

وقولها أيضا :

لاشيءَ في شرع الهوى معقول

                       كــــــــــلّ به نتغرّم مقتول

من أين نؤتى بالعقول وكل من

                     ذاق الهوى من طعمه مخبول (4).

هو تعبير عن الراهن كثمرة لإيديولوجية مريضة تلغ فيها توجهات هذا الهوى القاتل ، وقد أبطل العقل وحجّره ، على نحو أفرز اضربا من الحماقات التي حاصرت كاريزما الزعامات، وأتقنت اللعبة ببيادق ودمى والسياسة ، فجنت أوطانا،موتا غير الذي شهدته في غابر أزمانها ،  ومنيت خرابا مستمرا مفتوحا على مؤشرات الإنقراض الكلي الوشيك.

وإن كان لهذا العبور الشعري، ظل محتف ببراءة القلب، وضرائب العشق في أوسع مفاهيمه ،وابعد تجلياته.

إذا العالم في أمس الحاجة اليوم ، إلى ثقافة إنسانية عالمية ، تصوغها الثرثرة القلبية البريئة ،والمكفّنة بغوايات طفولة الكائن، البعيدة جدا.

ثم تجريبية الإنتقال إلى شعر ” القطعة ” ، وهو مظهر آخر للإختزال المفتي  بمعطيات تجويد القول الشعري هنا، تفاديا لمتاهات المطول المشوش على الحضور الشعري صورا ومعان.

نطالع لها قولها، كذلك:

  دثروها فإنها تتشظى

                خانها الجهل مفقّئ العين فظّا

ثورة الروح خالتي مثل صقر

               عانق الشمس عاشقا فتلظى

جنة القلب أشتهيك حياة

                لعبة الغدر شاءت الموت حظا

موسم القحط موغل في عروقي

              وفـــــــــــــــؤادي مصدّع يتشظى

بائع النفس سالك لك دربا

               يا جراحي.’.’ متى بفجرك أحظى

سوف أبقى معانق الضوء دوما

               أشعل الروح منك لفظا ومعنى (5).

تلكم ، كتابة تستنزف الروح في خفيض ثورتها ، تصور لنا أقاصي الوجع الفائض عن كونيته، وهي تفجر سؤالا جوهريا كبيرا، يكمل ذاتية القلق والتشكيك، كي يعرّي رغبة جامحة في حيازة الأفضل،

(5)”دثروها فإنها تتشظى” ، صفحة 66، ديوان”الراحمون ملاذ آخر شهقة ” ،السكرية ، طبعة 2019.

ويبرز مناحي العطس الروحي ، لفجر يجب تاريخانية هذه المذابح التي شرّدت شعوبا ونسفت

أوطانا، جراء جنون سياسي جارف ،استطاع الطغاة من خلاله،خلط الأوراق ،وإضفاء طقوس الرمادية ، على مناخات الحدود مابين حطابين ، الأجدر أن يقبعا متوازيين متكاملين، تماما مثلما ولدا، العقل والقلب، الشيء الذي راكم هذه الأضرب من الإنهزامية لدي المواطن المخمور بتحديات وتجاوزات العالم، وأمعن في نظير هذا السادية والدوغمائية والجبروت ، عند سدنة الساسة المتكالبين على النفعيات الضيقة والأنانيات المريضة ، فهم ينحرون أمجاد الأمة ،بسيوف الجهل والهمجية والشيطنة ، في أبشع  ظواهر الاسترقاق البشري.

بذلك ، نقرأ محنة وطن ، في مرايا ذات ، أثرت مقوماتها الإبداعية ، التجربة المهجرية ، ونهلت من واقع الإغتراب.

تقول:

  وجهتُ قلبيَ شطره قبَله

             حـــــــتى تنال شفاهه قبله

أو يستوي للجمع في عجل ؟

                     أم انه متسوّك قبله

ثغري الذي لم ينس سنّته

                   كنوافل بالشوق مبتلّه.’

بدأ السلام بزفرة وعلى

                  إيقاعها الشّهقات معتلّه.’

هذا الذي بالنسك منهمك

                    من ذا الذي شطر الهوى ذلّه؟.’

حتّى يزيد مقام عاشقه

                   وفّى ديون العشق بالجمــــــــله.’ (6).

السنة والتي هي بمعنى ما ، أحد أوجه إدمان الكتابة الوفية للجذر.

ثغر لا يكفّ عن رثاء مشهدية أمة طالها ما طالها من هوان ، رضخت وخنعت طويلا، لإملاءات الآخر، وحتّى من منظور العاشق لثقافة التعايش والتسامح والسلام ، تتسرب لغة الوجع الكوني، ويُنثر شررا مفرداتها المنذورة لشعرية استنطاق راهن منفلت عن الهوية والتاريخ العربي المأمول والإرث الشامخ والأمجاد.

إنه عشق المتصوفة ، تطّرد دواله مع عمق جراحات الأمة ، وحجم ضياعها وانكسارها ،ومنسوب هزائمها.

  يتألفُ البيتُ الشعريّ من مجموعةِ كلمات صحيحة التركيب، وموزونة حسْبَ بحورِ الشعر العربيّ، والتي تُكوِّنُ في حد ذاتها لوحةً موسيقية تقابلُها تفعيلاتٌ معينة، وقد سمّي البيتُ بهذا الاسم تشبيهاً له ببيت الشَّعر؛ لأنّه يشملُ ويضمّ الكلام كما يضم البيتُ أهلَه؛ لذلك فقد سمَّى علماء اللغة مقاطعَهُ أسباباً وأوتاداً؛ تشبيهاً لها بأوتادِ البيوت، والجمع منه هو أبيات. عُرف للبيت الشعري العربي العديدُ من الألقاب منها: اليتيم: وهو البيت الذي ينظمُه الشاعر مفرداً وحيداً، والنُّتْفَة: وهو البيتان ينظمُهما شاعر؛ والقطعة: من بيتيْن إلى ستّةِ أبيات من الشعر، والقصيدة: مجموعة من الأبيات، بحيثُ تكون من سبعة أبيات فأكثر (7).

نقرأ لها ، ودائما ، في حدود القطعة الشعرية ، أي ما دون سقف القصيدة ، المحددة بسبعة أبيات فما فوق ، كما هو متعارف عليه :

أتحضنني وفي الأحشاء طفل

                 وتدعو لي القيامة بالسلامةْ؟

وطفلي حشدُ أوجاعٍ بدهرٍ

                 يكسّر ُ بالحشا نزفا عظامه.’

وطفلي غارق في يمّ طين

                  أزال البؤس في عصفٍ خيامه

بقلبي يا حبيب جياعُ أهلي

                وأوجاع التغرّب والنّدامــــــــــــــــــــــــــه

تطلّ بوجهك القمحي خبزا

                 تقمّرَ بالمحبّة والوسامــــــــــــــــــــــــــــــــــــه

ولكنّي وهبت الخبز أهلي

                  فهل لي في المجاعة ملامــــــــــــــــــــه ؟ (8).

ذروة الوجع أن يصير الكائن وقودا لحرب طاحنة دائرة، وأن يتم تصوير تفاصيل ذلك فنيا ، باعتماد أسلوب تراجيدي موغل في المرثاة ، يراعي على الرغم من ذلك ، صنوف الإحتفاء بألوان الحياة ، ضدا في جنون العالم ووحشية تعاليمه، أن يتمّ ذلك في رحم الكتابة العروضية ، وداخل دائرة القطعة الشعرية ، كما أسلفنا، لهو مما ينم عن حنكة وتمكنّ وتطويع للغة ، باتجاه آفاق أوسع للجدة والابتكار، لجب جملة من الثغرات ، التي قد ترتبط بالكتابة المكرورة ، واستنساخ الذات والتراث والمعاجم اللغوية.

من تمّ كامل هذا الثراء الذي تشهده شعرية ملتزمة بقوالب التقليدانية ، لكن روحها جديدة وحداثية ومتمردة ومزدانة بمحطات الخلق والإستحداث.

إن رمزية الطفل ،في هذا السياق، تعبر عن مصير جيل، عصفت به حروب ما بعد ثورات ما يسمى ” الربيع العربي” ، كون الوعي بعواقب ومآلات ذلك، بدأ ناقصا مفتقرا إلى النضج الكافي القادر على اجتثاث السرطان السلطوي التعسفي العربي ، من جذوره.

تسرّع ، ربما، أجهض حلما عربيا كبيرا، دفعت ثمنه باهضا العديد من دول

الثورة ، ولم تزل.

وكأن الرسالة تكمن في ترع فراغات النضال الميداني، عبر تمرّد ثقافي مرتّب ،لتوسل علياء الإنسانية والخلاص .

ثورة القلم لا تريق دما، والكتابة مخرج إنساني حضاري، ممكّن من زرع منظومة القيم والنبل والجمال ، وهو بذلك يؤدي وظيفة تعميرية تنقد الإنسان والعالم من مزالق السلبية والنقصان.

أما بخصوص القصيدة ، أو ما تفرضه النصوص المطولة بعض الشيء، فهناك قضايا أرخت بثقلها في خارطة الكتابة الشعرية ،لدى ريم، مثل القضية الفلسطينية ، باعتبارها همّا إنسانيا كبيرا ، ولا يقتصر على المنبت العروبي فقط ، لحساسيتها ودرجة خطورتها وانشداد العالم إلى مركزيتها.

وفي اعتقادي أن ما يشهده العالم الآن من دمار ممنهج ، الإستئساد فيه للحضور الصهيو/ أمريكي، فضلا عن المصالح الغربية في تلك المعادلة التي يعتبر العنصر العربي ، الأكثر تضررا منها ودفعا لضرائبها ، إنما هو ناجم عن التفريط في هذه القضية المقدسة ، والمماطلة في تقديم حلول جذرية لها ، ومعالجتها ، على نحو أكثر جدية وحيادا وإنسانية، بوسعه صنع استقرارا عالميا تتفشى فيه ثقافة تعايش وتسامح الأعراق والأديان.

تقول الشاعرة ريم الخش:

  يا غزّة الروح يا قلب الملايين

                  لن يرفعَ الضيقَ إلاّ ربّ ذي النون

جراحك الملح في الأعماق

                 وأبحر الدمع خطّت سفْر تـــــــــــــــــــــكويني

قمصانك الخضر أكفان لنخوتنا

                    مذ صاحب الذئب قطعان القرابين.’

من يدعي السلم لم يعرفه في لغة

                       تحرّق الحرث تدمي غصن زيتون

لا عهد للوحش لا ميثاق يُلزمه

                      أن يترك الظبي في روض الرياحين

من أقنع السرب أن الضبع

                       إذ نابه الغدر تهوي كالسكاكين

من صدّق اللغو ؟ من بالبئر

                   من أطفأ النور عن أهلي وعن ديني؟

لن يوقف العار إلا الموت في

                لا خيرَ في رمق بالذل مطعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون

لا لست أضحية للسلخ يرسلني

                    جهل الولاة فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــداء للفراعين

يا عزّة الروح شدّي الجرح

                     وحسبك الله سلطان السلاطين (9)

توغل الشاعر في رصد الواقع العربي الذي يطبعه الذل والهوان ، تلتزم بتراتبية وصفية ، تسخر لها إمكانات كافية ، في التصوير واللغة ، وتنعت ما سبق وذكرته ، عن الثورات المرتجلة التي ينقصها الوعي والنضج ، في القصيدة ، بشعرية كبيرة ، تلخص وتختزل مفهوم عقلية القطيع ، التي ورثت كامل هذه الجنائزية والمأساة..

إذ هناك موالاة عمياء،وتبعية جاهلة، أسهمت في رسم ملامح الأزمة الإنسانية والهوياتية ، في كامل بلاد العرب.

هناك انقياد تام لفراعنة الزعامة وسدنة السياسة.

2 ــــــــــ المضمون

في مجمل مجاميعها الشعرية ، نلفي الشاعرة السورية المغتربة ، ريم سليمان الخش، تتشبع بالخطاب الصوفي، وتنهل من المعجم الحكمي، قدرا يجعل شعريتها بهذه القوة ، وهذا التكامل مابين بعدين بارزين في تجربتها : الرومانسية والعرفانية ،على حدّ سواء.

ترنيمة بحجم كآبة جيل لدرجة تبييض المآقي ، و كأنكى ما يكون الخطاب الحماسي مشبوبا بفوح الحكمة وخيار التريّث في معالجات اللحظة،واجتراح حلمية مصطبغة بشطحات المخيال تبعا لصوت خفيض تعاود من خلاله الذات ترتيب أزمتها التي هي جزء من تبعات المساس بهوية وطن وجراحات تطال كاريزما جيل وتنفش في قداسة انتماء.

حلمية سانحة باسترداد النفس بعد ذبحات قلبية متناوبة على الأنوثة في جوانبها الهشة المكابرة والمحمولة أيضا على أنوية لا تقلّ فحولة عمّا قد يناطحه الجنس أو النوع الذكوري الموازي ،فيما يرتبط بتقاسم أعباء الوجع العروبي والغبن الإنساني إجمالا.

ذلك وفي ضوء عتبة النص ذات الوسوم” أراقص الموت” ،نلفي الذات فضلا عن ميكانيزمات القول الشعري الأخرى ، تلتفّ على الغيبيات واللايقين ممزوجا بروح متشائلة تتوسل عبر إقحام الرّمز الديني، مناخ الفوقية والعلوية وتدخّل يد للغيب بما هي طاقات فوق القدرة البشرية وحدّ الإعجاز وتحقيق الكرامات والخوارق في سبيل التمنّي، وقلب الصورة من إلى ما تشتهيه ذات الانكسار والانحسار العاصف ذبولا و موتا واغترابا وزلزلة روحية رهيبة واشية بانقراض وشيك.

إنها ريم، شاعرة الوشايات الأنيقة بامتياز،حتّى وإن أنهكها التحليق على جناح، وأضجرها الارتحال على ساق واحدة فقط،في عالم الحطام والتخّبط والفوضى والهذيان، فإنها لن تتوب عن بوحها الشجي المقفّى الآخذ منسوب غوايته ومرارته في التنامي وترع كؤوسنا نحن الأسراب الظامئة لأحجية متزمّلة بعنفوان مباغتة راهن الموت والنار، قصد إطفاء البعض من لظاه بنورانية وعذوبة الحرف، إذ يزهد في الأقنعة، كي يعرّي لنا بالتمام ،جهات السلبية والنّقص وسائر ما يغلّف المرحلة بما هو نقيض لإنسانيتنا وفطرتنا السّليمة، طعنا ونكاية في نواميس استقرار وازدهار الكائن والكون. (10).

نقرأ لها :

  وقبضت من سرّ الحبيب لأقتفي

               سرا يُترجم للثرى أحزانه .’

فرأيت أوجاع الحسين بصدره

                ومجازرا قد أثقلت أشجانه

ورأيت مائدة المسيح وثلة

               يتقاسمون لجوعهم جثمانه .’

لم يبق للحب إلا قلّة

              والأكثرون له محوا عنوانه.’

يمضي فترسمه الذئاب فريسة

                 فيها تؤول حلمه هذيانــــــــــــه

تلقاه طعما للقنابل إذ هوت

                   حيث الجدود تقمّصت إنسانه

لا خوف من وجه بدون هوية

                     لا ضير إن عشق الهوى أوثانـــــه](11).

مع أن بعض المعاني في هذه الشعرية ،تبدو غريبة ، وكأنها فلتت للذات الشاعرة ، إلاّ أن تأولها في سياق خاص ، يقرّبنا من الكثير من الأغراض التي تتحقق من خلال هذه التجربة الباذخة ، والتي لم تقيّدها معايير الكتابة الخليلية ، أو ترغمها على التخييم في مضارب النظم، بل حلّقت بعيدا ، في فضاءات مزدهرة بالتصوير الفني ، ثرية بقاموس التجديد والإبتكار في اللغة والرؤى.

تقول كذلك :

  لاء لكل حمامة ذبحت

               في خنجر الأحقاد والبغض

لاء لسوط الظلم دافعة

                 أنفاسيَ الحرّى على الفيض

لاء بوجه الزيف ممثّل

                     بحقوق أهل العهر في عرضي.’

لاء بوجه الريح عاصفة

                  فغبارها ينزاح بالغمـــــــــــــض

لاء لناب الجوع ينهشني

                   وكرامتي لم تُفن بالــــــــــــــعض

سأميت فيها الجوع منصرفا

                        لطعامها من منبتي المحض

   للشنفرى آوي بلا وجل

                      أستفُّ ترب الأرض في رفضي

لاء لثوب الذل يلبسني

                    ليواريَ السوءات في الخفض (12).

من هنا هذا الإنتساب في الكتابة إلى الصعلكة النبيلة ، يتمثل في الإقحام الذكي للرموز، والإغتراف قدر الإمكان من الموروث.

هذا الكمّ من اللاءات،يفيد معنى الصعلة النبيلة ، ورفض واقع الذل والخنوع والهوان.

هي ثورة خفيضة ، تشف عنها مثل هذه الكتابة الإنقلابية ، توبخ الإيديولوجية العربية المدججة بلغة الجلد والآلة القمعية ، والكيل بمكيالين ، أو ما قد يسمى النفاق السياسي،واجهة يحصل تلميعها لتتماشى والاشتراطات الحضارية ، القائلة بحقوق الإنسان دمقرطة أجهزة الدولة وكل ما يصب في الرهانات الحداثوية ، وكواليس مبطّنة بلعنة القمع وأضرب المخزنية وانتهاكات كرامة وحقوق الشعوب والتحكم في مصائرها.

إنها ازدواجية قاتلة جنت على الشعوب العربية ، طويلا.

شعرية تزدان بلبوس الدّيني ، كذلك ، إمعانا في الجوانب الإنسانية للرسائل ، وتشفير

مضمونها بدوال الأوبة ،في كل مرّة إلى شجرة الإنساني ومعادلاته الصعبة.

قد تنسحب النعوت التي يمكن أن تُطلق على الشاعرة السورية المغتربة د.ريم سليمان الخش، وتنطبق على نزر ضئيل من شواعر أخريات على مرمى خارطة عالمنا العربي، منذ اندلاع الشرارات الأولى لتبديل جلد القصيدة مع تحفّظ شديد على الرّوح الذائبة في وشايات الأنوثة المثقلة بهواجس الموت والدّمار الشامل وتشويه السّحنة الطفولية للأوطان.

نوتة ساخطة تسجّل استقواء الرؤى الضبابية على امتداد مسيرة إبداعية طافحة بتجديد قوانين اللعبة الكلامية، ونبرة دامية بانكسار وانحسار الحال.

تحرز ريم الخش تقدّما ملموسا مع كل قصيدة تنسجها قريحتها المنذورة للذود المجاني عمّا تبقّى من ملامح وطن مطعون، في بيئة عربية غير قارة، حتّى لتلوح وكأنها تؤدي طقوسيات رقصة أخيرة على بساط من الجمر.

شعرية فاضحة تنعي لنا صورة العربي، تدقّ ناقوس الخطر المتفاقم والمتمادي في قطف الأرواح البريئة جدا، والمؤذن بمزيد من الضياع والانهيار. (3).

إن هذا الخطاب الحماسي في تماهيه مع النزعة الإنسانية ، يرسم صورة عن الذات المنكسرة والمتشظية، ضمن دوائر الوجع الكوني،ما يمنح التجربة سمة الاستثناء ،ويعطي هذه الشعرية هوية الالتزام بالقضايا الإنسانية الكبرى.

إذ ليس من السهل ، الجمع بين الكتابة العروضية وسائر هذه الأغراض، دون الإنزلاق إلى متاهات اللوثة الجمالية أو الثغرة اللغوية، وهو ما انتبهت له الشاعرة السورية الجميلة ريم سليمان الخش منذ البدء، بحيث حصرت معظم تجربتها في إدمان النص الشعري القصير جدا والقصير وهو فوق القصيدة ،دون الوصول إلى سقف المطولات التي تتعب وكثيرا ما تتم على حساب المعنى والصور.

فيحدث تشويش يفسد مضمون القول الشعري، ويغدو النص مجرد نظم لا يمتّ للشعر بصلة.

نقرأ لها :

يا سيدي جفّت مرابعنا

                      صار المدى من قمحنا خِلْوا

ومــــــــــنابع النعماء مقفرة

               يـــــــــــــــــــا ليتني في بئرها الدّلوا

يا سيدي يا خير من عطفوا

                  إني أروم لــــــــــــــــذنبنا المحوا

فاشفع لنا ما كان مـــن جُرُم

                    سأبثُّ في ميلادك الشّكْوى (14).

لعلها القصيدة التي تعكس روح الديوان ،كاملا ، فهي تعزف على أوتار العقدي ،وتدفع بخيارات الاقتداء بنموذج إنساني ، لا يتكرر، وقدوة ما أحوج عالم اليوم إليها ، لترتيب أوراقه ، وكسب استقراره وتوازنه من جديد.

المُرسل رحمة للعالمين ، سيدنا محمد ، صلوات الله عليه ، في أخلاقه وإنسانيته وشتى صنوف النبل والخيرية والجمال.

لعتبة الديوان ” الراحمون ملاذ آخر شهقة” ، أكثر من دلالة، تتقاطع مع هذا الطرح

العقدي، وترمي إلى مغزى إنساني شمولي، يجد ران تتأسس عليه العديد من الألوية ، لفض خلافات تفتي بها سياسة الأنانية والجنون ، وقد عصفت بكائن التقنية التكنولوجيا والتقنية ، حدا استعباد الإنسان ونخر رمزية وجوده.

تستمر مثل هذه الفلسفة في شعرية ريم ، عبر مجاميعها، التي عرفت تطورا ملموسا في اللغة والتيمات.

نطالع لها كذلك ، قولها :

كشمس مشى في الروح سبعة زلفى

                أضاءت شعاب الغيب يرنوا لها كشفا

فــــــــــــــــــسالت ينابيع الضياء جلية

                 وصارت عناقيد القصيد لـــــــه صرفا

يبوح شــــــــــــــذا ورد بعنق غواية

                    وتسبيح أقمار   تراءت به طيفا

عــــلى كل مخزون أطلّت كبلسم

                      فلو ضاحكت يشدو ولو لامست يُشفى

وكم تصدأ الأرواح في قعر بركة

                       إلى توأم تهفو .. تصير بــــــه الأوفى

يكون لها العينين طير خميلة

                وترنيمة جذلى إلى لحنه لهفـــــــــــــــى (15).

سيل من الأسئلة المستفزّة بمشهد الجنائزية والنكوصية،بكل المقاييس.

 قرأت الفصاحة في دمعاتها، وأكاد أزعم أن هذه القصيدة التي سوف أدرجها فيما بعد، اختزلت حياة شاعرتنا، واستنفذت أبرز المحطات في مرحلة الهزيمة العربية على طراز كارثي يصوّره تاريخ إجهاض ثورات العرب في جنينيتها وقبيل اكتسابها مقوّمات اشتعالها، ثأرا للحقوق المهضومة والكرامة والعدالة المفقودتين والإنسانية المهدورة.

لنا أن نتملّى ملء جرح يعاند أفق الاندمال، ويشرع بصيرتنا على الصديد والقيح الذي نتقزّز حتّى لمجرّد نقر آذاننا بسيرته الجاثمة كلعنة وبصمة عار تلطّخ واقع جيل بأمله.

وهكذا تستفزّنا أسئلة من قبيل: أيّ مسار هذا الذي ورّطنا به الناشئة والفلذات المسافرة في مستقبل نكوصي وجنائزي بكلّ المقاييس.

عبر هذا النص، وكأنّي بشاعرتنا، أدركت سقف الحياة المفتوح على هوة للمنسيين، خطوة انتحارية وتوغّل في المستنقع الذاتي أنأى ما يكون، حدّ نقاط ابتلاع وجودنا واجتثاثنا وطمرنا في حفر وحدود اللاعودة.

مشهد شعري يزاوج ما بين الغرابة وفصول الرّعب المتراخية خيوطه لتخنق الأوطان العربية  تباعا.](16).

      إن مثل هذه الإيقاعات العروضية المحتفية بإنسانية الكائن ، والمجدفة بعيدا عن خندق الهموم الفردانية أو الحالات الخاصة ، لتنم عن حس اشتراكي أو مجتمعي بمعنى ما ، يذود عن خطاب العالمية المنتصرة لملائكية الكائن.

تحرص الشاعر ريم الخش، على تقديم معجم نيوكلاسيكي، يعكس هموم الإنسان المعاصر وقد حاصره عالمه بما نستشعره ونلمسه من تجاوزات ، ضاعفت من عزلته واغترابه الروحي، وعمّقت انكساره وتشظيه.

مراجع :

(1)attounissia.com.tn

24نوفمبر على موقع واي باك مشين.

(2)” ما الرجولة ؟” ، ديوان ” الراحمون ملاذ آخر شهقة ” ، صفحة 5 ،السكرية ، طبعة2019.

(3) ” إرث غيم “، صفحة 6، ديوان ” الراحمون ملاذ آخر شهقة ” ، السكرية ،طبعة 2019.

(4)”لاشيء في شرع الهوى معقول” ،صفحة 38،ديوان الراحمون ملاذ آخر شهقة ، السكرية ، طبعة 2019.

(6)”ما تيسر من مقام العاشقين ” ، صفحة 126، ديوان ” الراحمون ملاذ آخر شهقة ، السكرية ، طبعة2019.

(7)موقع “موضوع” ، مفهوم البيت الشعري ،  عدد 19يونيو2018.

(8)”أهل لي في المجاعة ملامة ؟ ” ، ديوان “الراحمون ملاذ آخر الشهقة” ، صفحة 142، السكري، طبعة 2019

(9)قصيدة “غزة …وحسبك الله سلطان السلاطين” ، صفحة47/48،ديوان ” الراحمون ملاذ آخر شهقة” ، السكرية ، طبعة2019.

(10)مقالة ” السورية ريم الخش : شاعرة الوشايات الأنيقة ” ، احمد الشيخاوي ، صحيفة المثقف عدد4114

(10)مقتطف من قصيدة ” فترد للشرق الأصيل حصانه ” ، صفحة6/7، ديوان ” حلاج بعشق مذبّح ” .

(11)مقتطف من قصيدة ” بدمي على اللاءات إذ أمضي ” ، صفحة50 ، ديوان ” الراحمون آخر ملاذ الشهقة ” ، السكري، طبعة 2019.

(13)مقالة ” السورية ريم الخش: شاعرة الوشايات الأنيقة ” ، احمد الشيخاوي ، صحيفة القدس العربي ، عدد4114.

(14)مقتطف من القصيدة الطويلة “في يوم مولد سيدي محمد(ص) ” ، صفحة54، ديوان ” الراحمون آخر شهقة”،السكري، طبعة 2019.

(15)مقتطف من قصيدة “وكانت له قطفا ” ،صفحة4/5، ديوان ” حلاج بعشق مذبّح.

(16)مقتطف من مقالة ” السورية ريم الخش: شاعرة الوشايات الأنيقة” ، احمد الشيخاوي، صحيفة المثقف

الأسترالية.

*شاعر وناقد مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here