احمد الشيخاوي: المغربية سهام حليم في قصائد تأجيل العشق

احمد الشيخاوي

في نصوص تستعير ألوانها ممّا ورائيات تعثر القلب بجراحاته ، لشاعرة  واعدة ،وإن تنفّست معنى أن يفتح الكائن قلبه، في جميع الأحوال ،مهادنا عالمه المشوه وقد اعترته فوضوية المشاهد، فانعكس ذلك بالسلب والنقصان ،أول ما انعكس على الروح ، التي راحت تكابد غربة وتمزّقا ونوبة جحيمية ،الشعر بلسمها ،سواء اختارنا أم اخترناه، وحتّى في أقصى درجات الاختناق بنتوءات الكينونة الهامسة.

إنه وحسب ما طالعت للمبدعة سهام حليم، عبر أحدث تدويناتها الفيسبوكية، خلصت إلى روح ما تتمتّع به من نزوع إنساني،يبرز وإلى حدّ بعيد، كيف أن لصوت الأنثوي صولات وجولات، تنمّ عمّا بمقدوره الجذب إلى عوالم غرائبية ترسمها أنا حواء،مناطحة بعقليتها المنفتحة ،آفاق الشعرية المحتفية بالقلب ،بمعزل عن الأقنعة والوجع الرومانسي قد يبدي المرأة في موقع للضعف والحاجة الماسة والافتقار إلى النوع أو الطرف المضاد.

تفتح سهام جرحها، عبر لغة مبتكرة تعيد صياغة وإنتاج القشيب، لتظل بذلك محافظة على مسافة معينة مع ذاكرة العشق، مثلما نقشتها الأساطير.

تذيل ،في الغالب ومضاتها ،وتقفلها بعلامة التعجب، بما يفيد مواقف الاستغراب الاستنكاري، كأنما توبخ سياسة التحايل على فلسفة ومنطق العشق، بدفق تعبيري هارب ورافل برمزيته ،وضمني مصوّغ لمبرّرات تأجيل العشق، برغم التلطّخ بمرارة الحاجة إليه في زمن بارد الجدران يباب الآفاق،لا يرحم حتّى في غمرة ومع ثمالة الاحتماء بقلب محبّ متوهّج بثقافة النوراني والملائكي الذي من شأنه أن يهوّن صروف وإكراهات الراهن.

تصقل شاعرتنا إمكانات قولها الشعري ،باستمرار، وتأنف عن الصور المكرورة لمعنى الذات والآخر والعنصر الطبيعي وغير ذلك من أجزاء اللعبة الكلامية، وتتوسل منحى تصاعديا في تطويع قاموس المعيشي، ضاجا بنثاره وتفاصيله الميكروسكوبية، مسخّرة إياه لصالح مركزية الطرح الإنساني،ما يعطى لنصوصها نكهة خاصة، وصدى طيبا يحسب لمشهد استحداث عناوين ومضامين الشكل الشعري وطنيا وقطريا.

بذلك ، نجدها تدفع المتلقّي إلى مطاردة معنى مواقفها ورؤاها للمنطلق من وإلى ذات هادئة متصالحة مع من وما سواها،محرّضة إياه على خوض مقامرة أو سندبادية اكتشاف الذات والعالم على نحو جديد، وداخل خارطة العشق المؤجل، استغراقا لكامل عناصر التشويق،الممكن أن يجود بها  القصيدة في تفجير أسئلة جديدة تلوّن القلب بمعان جديدة ومولّدة، تعكس نضج الوعي بأزمة وأسئلة الأنثوي ،ملهما بإرهاصات الكتابة من خارج اللغة والنص.

وكله تمجيدا مشوبا بمتون الغرائبية، وكيف أنها جريرة مشتهاة تضاعف من قدسية القلب ،قلب الأنثى بدرجة أولى في تنازع الأقنعة وسفسطة الشهوانية العابرة له.

نعرّج على هذه الإلتماعات وقد استقيتها من جدار الشاعرة، قبل إتمام المناولة:

[غاب كأنّه لم يكنْ فكان كأنّه لم يغبْ

أكثرُ الحبّ يأتينا سراباً..وقلّما يأتي كما يجبْ ].

…………………

[وأنا المُتبعثرةُ على صفحة جواز سفر

المُتعثّرة بحضاراتِ القدامى

المُنهمكةُ في عدّ العائدين من العشقِ أحياءاً

قبل انطلاقهم لحربٍ جديدة

عيناكَ في ليالي الشتاءِ

تتجليّانِ كأنّهما سحابتا حنينٍ

لا يشبههما شيءٌ كان أو سيكونُ

أقفُ على حافّة المجازِ، لأكتبَ لهما قصيدة ].

………………………….

[أعودُ من ذكراك، في كلّ مرّةٍ

مُثقلةً بالمطرِ..

هاربةً من اليقينْ

كأنّ السّماءَ هي أمّي التي 

قالت لي يوماً :

لا تعشقي رجلاً يكبركِ بالحنينْ ].

………………………..

[مشيتُ نحو الليلِ،

والليلُ مشى نحوي

نحيلاً هزيلاً مُصاباً بالاكتئاب

فهلّا أعدت ترتيبَ أفكاره

وفقَ ذاكرةِ السّرابْ ؟ ].

………………………..

[أقم سبع جنائزَ بعد موتي..

الأولى للبحر الذي أتيناه عطشى ولم نشرب

الثانية للشوق الذي تركناه على أرصفة الغيابْ

الثالثة للقصائد التي كتبناها على جلودنا

الرابعة للأرض والخامسة للسماء

السادسة للوعود التي قطعناها بالذهابْ

أمّا الأخيرة فهي لي، 

أنا المُبتدئة من رحم الصدى..

المُنتهية في حضن السّرابْ ].

……………..

[أنا بحنيني، وأنت بغيابكْ

كلانا يحترفُ مهنته

كالليلِ، كالخريفِ

كلوحةٍ مُلقاةٍ على رصيف متحفٍ ما..

كقصيدةٍ عالقةٍ بين سحابةٍ وأختها الكُبرى

فسلامُ الله على ما كان حلماً،

وعلى ما بقي حلماً..

وعلى أشياءَ لم نُحطْ بها خُبرا].

…………………..

[قد وشَتْ بك صكوكُ الغفرانِ التي

كُتبتْ بحبرِ الخطيئة

وكلّ المجرّاتِ التي

تستفيقُ صباحاً على وقعِ أحلامك البريئة

قد وشَتْ بك قطةُ الجيرانِ

فأخبرتني أنّ يديك تحيكانِ من حليب الندى ثوباً

يرتديه أطفالُ المدارس

وأنّ عينيك تقطعانِ الشكّ بالشكّ بسرعةِ البرقِ

ثمّ تفيضانِ عشقاً بحركةٍ بطيئة].

وإذن… طالما باهت وتباهي شاعرتنا ،بديدن فلسفة الموقف ، واطّرادا مع إيقاعات خفيضة وحيية، تسعف الذات باصطياد معانيها خارج النص والزمن والحياة، أي عند عتبات قاصية في الحلم، وعلى امتداد مسرح برزخي يتيح  مسافات كافية لتمرير عمق رساليّ يصطلي عبره الجسد الجامح المناور بمحاولاته الخجولة في الانفلات، جمرات عقْلنة القلب،ونقله إلى مستويات القوة، بحيث يقيس خطاه في عوالم من التجريب والمحاكاة الإبداعية، دونما الاتساخ بأدران الواقعية، ليحافظ في النهاية على وهج اللغة المثالية ،محاصرة برؤى وتصويرات فنية بديعة لتقمّصات العشق المؤجل.

درءا للملغوم في طريقه ، أي هذا القلب الحذر والطفولي في آن، من أقنعة، حدّدتها الشاعر المغربية سهام حليم في منعطفات عدّة تزكي موقفها هذا، مثل السراب، المفاضلات العاطفية ،إلخ…

مصرّحة بألاّ سلاح سوى تأجيل العشق، ضدّ كل الحسابات المكرّسة  للسلطة والهيمنة الذكورية،كي لا يتضرر هذا القلب المطعون أصلا،في أبدية رعايته لمشاتل الطفولة والنورانية المجبول عليها ،والمعجون من صلصالها.

تعدّ شاعرتنا،تماما مثلما أخبرتني قبل أيام، وتضرب لنا موعدا مع باكورة شعرية حاضنة لهذه التيمة المتماهية مع أحاجي القلب البعيدة والنافرة والمعاندة والأكثر حيطة،وسواها من ميكانيزمات قهر الصوت الذكوري،ومناهضة عقيدة التقوقع على وصايا المجتمعات المحافظة ،كضرب من انقلاب كتابي ،من لدن أنثى سائرة بثبات ويقين، في جغرافية المناورة بالأنثوي الطاعن بلذة الخلق والجدة والابتكار.

شاعر  وناقد مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here