احمد الرواشدة: صفقة القرن السلام بالقوة وسلام الشجعان

احمد الرواشدة

يبدو أن النظام السياسي العربي عموما يدرك الواقعية السياسية في العلاقات الدولية بشكل خاطىء أو هو يريد أن يفهمها كذلك، فالواقعية السياسية في العلاقات الدولية، تعني أن النظام الدولي يتسم بالفوضوية أي بمعنى لاتوجد قوة عليا ملزمة تفرض على أعضائه من الدول والمنظمات الدولية  نمط سلوك معين، وعليه فإن السمة الأساسية للعلاقات الدولية أنها علاقات مبنية استنادا الى مفهوم “القوة” بمعناه الواسع  وفي صلبها القوة العسكرية .

وضعت الدول العربية نفسها في الجانب المثالي في رؤيتها للعلاقات الدولية، وهي تظن أنها تتعامل بواقعية سياسية، حيث تنظر الدول العربية  لهيكل العلاقات الدولية، بأنها علاقات منظمة من خلال القوانين والاتفاقيات الدولية، والأهم أن هناك جهة ملزمة في تطبيق ومراقبة الدول، يطلق عليه العرب اسم “الشرعية الدولية”، وهو مفهوم غامض وفضفاض لايعبر عن حقيقة العلاقات الدولية الذي يحكمه مبدأ القوة كما ذكرنا .

وللتعرف بشكل أعمق على هذا الفهم الخاطىء ، لابد من معاينة السلوك العربي عمومًا والأردني والفلسطيني بشكل خاص، تجاه الصراع مع الصهيونية الذي تم تقزيمه الى صراع فلسطيني إسرائيلي، ومقارنته بالسلوك الإسرائيلي  في الساحة الدولية .

في الإطار تبنت  الصهيونية منذ ما قبل إعلان قيام الكيان الصهيوني، مفهوم الواقعية السياسية في العلاقات الدولية، أي أن العلاقات التي تحكم الأمم والدول هي علاقات قوة وليست شرعية دولية أو قانون دولي، بينما تبنى العرب مفهوم الحقوق والشرعية الدولية والقانون الدولي، كما تبنى العرب مفهوم “سلام الشجعان” فيما ظلت إسرائيل متمسكة بمفهوم السلام بالقوة وبما يحقق اهدافها ومصالحها .

لذلك جاء إعلان الرئيس الامريكي دونالد ترامب، والى جانبه رئيس حكومة الكيان عن مايسمى بـ” صفقة القرن ” بصورة صلفة ومُذلة ومخزية للعالم العربي، يمكننا القول بأنها نتيجة طبيعية لمن تمسك بمفهوم “القوة” في العلاقات الدولية ولمن توهم أيضا المثالية والعدالة الدولية، و”سلام الشجعان”  الذي قدم التنازل تلو الآخرإلى الحد الذي رأيناه  في هذا الاعلان المذل للكرامة الانسانية، وكأن ترامب ونتيناهو ومن وارءهم  وكل المؤيدين للمشروع الصهيوني ،أرادوا أن يثبتوا بأن هذا المشروع وبفعل “القوة” والعمل المثابر يسير إلى الأمام و بقوة إلى أن يحقق أهدافه كاملة رغما عن أنوفكم ، وأن هدفنا المقبل ليس فلسطين فحسب، بل نحن الان باتجاه الإعداد لوليمة الأردن الذي هو جزء من تصريح بلفور المشؤوم ، ولتبقوا أيها العرب في سباتكم وعلى فراشكم المريح الذي  افترشتموه من الشرعية الدولية .

المفهوم الاسرائيلي للسلام :-

إسرائيل هي نقطة الارتكاز في المشروع الاستيطاني الصهيوني ، وبغض النظر عن التسميات المضللة لخارطة احزابها السياسية، يمين ويسار، فهي جميعها  تتبنى مواقف يمينية بالمفهوم السياسي، تجاه الصراع العربي الصهيوني، الذي تم تقزيمه إلى صراع فلسطيني إسرائيلي، فهي لا ترى في العرب والفلسطينيين، سوى أعداء ومحتلين لأرض الآباء والأاجداد، وأن هؤلاء لايفهمون إلا لغة “القوة”، وهي السياسة التي وضعها زئيف جابوتنسكي في صميم عقيدة الأمن الصهيونية منذ عشرينيات القرن الماضي الى الان ، بما يسمى سياسة الجدار الحديدي ، وتتضمن هذه الرؤية أربعة مرتكزات أساسية لضمان بقاء إسرائيل وتفوقها على العرب والتي تتمثل بـ : –

  • فرض أكثرية يهودية على ضفتي نهر الاردن ( لاحظ هنا أن الأردن جزء من المرحلة الأولى للمشروع الصهيوني باعتبارها جزء من تصريح بلفور).

  • التحالف مع القوى المظمى لتعزيز ضعف ووهن المحيط العربي ولإنشاء دولة يهودية على ضفتي الأردن .

  • الامتناع عن التفاوض مع العرب الى حين انعدام الأمل لديهم بالتخلص من الكيان الصهيوني.

  • بناء قوة عسكرية يهودية لايمكن للمحيط العربي التغلب عليها .

 وتكمن النقطة الأساسية في استراتيجية الجدار الحديدي والتي احتلت صلب العقيدة الأمنية الاسرائيلية، هي فرض السلام بالقوة على العرب، ولكنه سلام بالمفهوم الصهيوني، وتوقيته وصول العرب الى حالة من اليأس بعدم القدرة على تهديد الكيان الصهيوني، بحيث لايبقى بصيص أمل في  القدرة على مواجهتها، حينها يمكن التفاوض معهم حول قضايا عملية ، مثل الضمانات بعدم طردهم من الأرض، أو قضايا المساواة في الحقوق أو ربما منحهم حكمًا ذاتيًا .

هذا هو مفهموم “السلام بالقوة” الذي ظل راسخًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية وتوارثها حكام تل أبيب  ابتداء من بن غوريون، ومرورا ببيغن، وانتهاءا بنتنياهو الذي عبر عن هذه الرؤية للسلام مع العرب في كتابه ( مكان تحت الشمس ) وعبر عنه بشكل أوضح قبل أشهر حين قال  خلال مؤتمر في الكنيست عُقد في شهر تشرين الثاني الماضي  بمناسبة مرور 25 عامًا على توقيع اتفاقية السلام مع الأردن: ” إن الأنظمة الديمقراطية لم تنجح بالتمييز بين نوعين من السلام؛ النوع الأول: هو سلام بين ديمقراطيات، فإن وجدت نفسك في صراع مع ديمقراطية فمن الأرجح ألا تدخل الحرب”، وأضاف أن النوع الثاني:” هو أن الوضع معاكس كليًا مع الديكتاتوريات، السلام مع الديكتاتوريات هو بواسطة الردع”، وقال:” إنه بلا ردع، عاجلا أم آجلا، فإن السلام مع المتسلطين سينهار، المفتاح الأول للتسوية مع الدول العربية، يتعلق بإدراك أننا نملك قوة ردع وأنهم لا يملكون قوة تدميرنا”، وأضاف: “نحن نقيم السلام مع مصر والأردن من خلال الردع… أنتم تسمون ذلك بالسلام البارد، لكن إذا ضعفت إسرائيل وأصبحت بلا القوة التي تملكها اليوم، فإن الغليان والأسلمة في الأردن، وكذلك في مصر، وهذا لا يتعلق بنا، هي قوى شديدة جدًا”.

هذه هي  النظرة الدونية التي ينظر بها الغزاة لنا ، وهو ما ظهر جليًا في طريقة الاعلان عن ما يسمى بـ”صفقة القرن” وهي نتيجة طبيعية لـ”سلام الشجعان” العربي .

سلام الشجعان :-

على الضفة الأخرى للصراع هناك صورة مغايرة لمفهوم السلام ، في مقابل “سلام القوة” الاسرائيلي هناك سلام “الشجعان العربي”، وظهر هذا المفهوم بعد الهزيمة النكراء في حرب 1967، التي كشفت الغطاء عن عورات النظام السياسي العربي وأظهرت وهنه وضعفه تجاه الصراع مع الصهيونية ، حينها ولتضليل الشعوب العربية ولتهيئتها للاستسلام ابتدع العرب مفهوم “سلام الشجعان” ، حتى يواري العرب عيوبهم وذلهم أمام إسرائيل ، وخنوعهم لحلفائها الذين ما فتىء العرب يقدمون لهم قرابين الطاعة والولاء من أوطانهم وتاريخهم، ومنذ تلك الهزيمة المدوية بدأ مسلسل التنازل العربي ابتداء من كامب ديفيد وليس انتهاء بمؤتمر مدريد ووادي عربة واوسلو ، وتم اختلاق فرية الارهاب التي الصقت بالإسلام والمسلمين عنوة ، وتم شق الصف الإسلامي عقب تفكيك المشروع النهضوي العربي ، ودخلنا الى أتون صراع طائفي ومذهبي خدمة لإسرائيل وأعوانها ، ولتدخل إسرائيل العالم العربي من أوسع الأبواب ولكن هذه المرة حليفًا وليست عدوًا ، ضد عدو تم اختلاقه يسمونه التهديد الايراني ولكنهم يقصدون به الإسلام والمسلمين .

المقاومة سبيل النجاة :-

يتهكم بعض العرب على المقاومة لا بل ويسدون أمامها كل الطرق لتأخذ مكانها الملائم بها في ظل الصراع مع المشروع الصهيوني، ولم يذكر لنا التاريخ أن شعبا تحرر من الاحتلال دون مقاومة، ومن ينتظر من الشرعية والمواثيق الدولية ان تنتصر له  قبل ان ينتصر هو لنفسه فهو واهم ، بل وخائن لقضيته، وكيف للمحتل أن يفكر في إنهاء احتلاله اذا كان هذا الاحتلال لايكلفه أي ثمن، لا بل ويستفيد منه كمشروع استثماري، و لن ترضخ  اسرائيل للشرعية الدولية ولا للمواثيق والأعراف الإنسانية ، فهؤلاء الغزاة لايفهمون إلا لغة القوة ، فهل من سبيل إلى  أن نعي ذلك قبل فوات الأوان .

عمان – الاردن

Ahrwash1997@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here