احمد الرواشدة: ازمة النظام العالمي في مواجهة كرونا

 

احمد الرواشدة

وضع فيروس ووباء كرونا العالم تحت مجهر الاختبار العسير سواء على المستوى الدولي او الوطني، وكما قيل قديما: في الازمات والمحن تختبر معادن الرجال، فهي أيضا مجال لاختبار صدقية ونجاعة منظومة القيم والسلوكيات الدولية والمجتمعية. بما يخص المؤسسات الدولية.

نظام التوحش العالمي

على المستوى الدولي يبدو ان الحدث أصاب بمقتل جوانب مهمة من النظام الدولي سواء بما يخص المؤسسات الدولية وعلى راسها منظمة الأمم المتحدة او فيما يخص النظريات والأفكار الموجهة لديناميكية حركة النظام الدولي بشقيها السياسي والاقتصادي ، ولعل المعضلة الكبرى للنظام الدولي تكمن في هذه الديناميكية عندما افسحت المجال  للاقتصاد بان يقود حركة النظام الدولي وفق رؤية رسمالية متوحشة دون رقيب خدمة لمصالح أصحاب رؤوس الأموال والشركات تحت مقولات حرية الاقتصاد وتحرير التجارة العالمية، واقتصرت السياسة على توفير الشرعية والحماية لليبرالية الاقتصادية العالمية  التي اودت بنا الى أزمات متعددة رغم كل النجاحات التي حققتها البشرية في تقصير المسافات بين الناس و التقدم التكنولوجي الذي استطاع ان يجعل من العالم قرية صغيرة بالإضافة الى بناء منظومة قيمية إنسانية واحدة تمثل الناس جميعا بغض النظر عن انتماءاتهم ومعتقداتهم الدينية والعرقية .

 فالنهج الاقتصادي الاناني والمتوحش الذي فرضته الولايات المتحدة وبعض حلفائها من دول أوروبا على العالم أدى الى مأساة إنسانية نشاهدها الان، كما شاهدناها في أزمات سابقة بعد ان أضعف هذا النهج مفهوم ووظيفة الدولة الوطنية في رعاية مواطنيها واخلت المكان لصالح الدولة الحارسة التي تحرس انسياب أصحاب رؤوس الأموال والشركات العملاقة الى هذه الدول مما أدى لتكدس الأموال لدى فئة قليلة هم الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال وازدياد الفقراء فقرا.

في ظل انتشار وباء كرونا لاحظنا ان بعض الدول تسللت عائدة للقيام بدورها ووظيفتها في إدارة الاقتصاد بل وإدارة الدولة التي كانت تقوم بوظائفها حتى وقت قريب بناء على توجيهات وتعليمات من أصحاب رؤوس الأموال والشركات من خلال المؤسسات الدولية الداعمة لهم وعلى راسها  صندوق النقد الدولي ، حيث انغمست دول عديدة بما فيها الولايات المتحدة الامريكية في التدخل الفعال لإدارة شؤون البلاد على كافة الصعد بما فيها الاقتصاد،  سواء من ناحية اتباع سياسات حمائية ،او من ناحية استعادة بعض الأدوار التي منحت سابقا للقطاع الخاص، مثل قطاع الصحة الذي واجه ازمة كبيرة مع انتشار وباء كرونا،  والذي لا يمكن مواجهته وفق رؤية القطاع الخاص وأصحاب رؤوس الأموال الذين هدفهم في النهاية تحقيق اكبر قدر من الأرباح وتكديس الأموال ، وانما وفق رؤية وطنية تضع المواطنين جمعيا وليس الأغنياء فقط في قمة الاهتمام وفوق أي اعتبارا ومصلحة ضيقة .

وباء كرونا كشف العديد من العيوب في النظام الدولي ولعل أهمها الازمة التي تعاني منها منظومة العمل الجماعي الدولية واقصد بها منظمة الأمم المتحدة ، حيث لوحظ تباطؤ وتقاعس وانكماش في دور الأمم المتحدة في مواجهة هذه الازمة التي تعصف بالعالم ، فمنظمة الصحة العالمية وهي احدى وكالات الأمم المتحدة كانت الأقل تعاطيا مع ازمة دولية هي من صميم مهامها وواجباتها الأممية، وباستثناء إعلانها عن كرونا وباء عالميا وربما بعض التصريحات الخجولة، لم نلاحظ أي نشاط اومجهود لها في مواجهة الفيروس او ارشاد الدول ومساعدتها على مواجهة الوباء الذي اجتاح العالم، بل ان الامر اكبر من ذلك فان هذه المنظمة التي كان يفترض بها  وضع منظومة انذار مبكر مثلا او أي خطة استراتيجية لمواجهة كارثة إنسانية مثل التي نواجهها الان، ورغم كل العيوب التي تعاني منها منظمة الأمم المتحدة الا ان علينا ان لا نضع اللوم عليها بقدر ما نضع اللوم على الدول الأعضاء فيها وبشكل خاص الولايات المتحدة الامريكية التي ما فتات تعمل خلال العقدين الماضيين وبفضل السياسات النيو ليبرالية والمحافظين الجدد على تهميش هذه المنظمة الأممية والهيمنة عليها وتسخيرها لتحقيق سياستها الرأسمالية المتوحشة .

الاستهداف الأمريكي للأمم المتحدة.

رغم ان قضايا الامن والسلم الدوليين هي من المعضلات الأساسية في العلاقات الدولية، ورغم ان الخبرة الإنسانية توحي بأن لهذه القضايا الدور الأبرز في نشوب الحروب والصراعات المدمرة، الا ان العلاقات الدولية اتسعت لتشمل مواضيع واهتمامات عالمية أخرى تحوز على مصالح إنسانية مشتركة ،بغض النظر عن مدى تعارض السياسات بين الدول او المصالح الانانية التي تسعى الى تحقيقها تلك الدول وتشكل هذه القضايا جزئية مهمة من عمل هيئة الأمم المتحدة ، وهي تشمل قضايا البيئة ومواجهة الكوارث الطبيعية والهجرة وحقوق الانسان والحفاظ على التراث الإنساني والتنمية ، الا ان هيمنة الولايات المتحدة ومعها الدول الأوروبية على النظام الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة ، جعل من الأمم المتحدة أداة طيعة في يد الولايات المتحدة ، تستخدمها لتحقيق مصالحها السياسية المتمثلة في الهيمنة وقيادة النظام الدولي ، وتخفيف الأعباء عليها في هذا الاطار .

وعارضت الولايات المتحدة خطة الإصلاح الخاصة بالأمم المتحدة التي توافقت الدول في قمة الالفية عام 2000، على مجموعة من الأهداف النبيلة التي سيؤدي العمل على تحقيقها – من خلال إصلاح الأمم المتحدة- إلى الوفاء باحتياجات هامة تقتضيها الظروف العالمية، مثل السعي إلى تحقيق السلام والأمن وحماية البيئة وحقوق الإنسان والحكم الرشيد وتلبية الاحتياجات الخاصة للقارة الأفريقية والحد من الفقر بنسبة النصف ومكافحة المرض والقضاء على مرض الإيدز بحلول عام 2015 ومحاربة الجوع والأمية ومكافحة التمييز بين الجنسين وتعزيز التنمية الاقتصادية ومحاربة الإرهاب وضمان فعالية وشفافية نظام العمل بالأمم المتحدة، عاد المندوب الأمريكي في المنظمة العالمية ليطالب بحذف بند يدعو الدول الغنية إلى زيادة نسبة مساهماتها كدول مانحة في المساعدات المقدمة للدول النامية بحيث تصل إلى سبعة أعشار الواحد في المائة من إجمالي الناتج القومي لكل منها، حيث عارضت الولايات المتحدة  الدعوة للعمل من أجل وقف التغيرات المناخية من خلال التقيد بحماية البيئة، وهو ما يتعارض مع رفض واشنطن التصديق على معاهدة كيوتو حول الاحتباس الحراري.

إضافة الى التصديق  على اتفاقية حظر التجارب النووية، انطباق صلاحيات محكمة جرائم الحرب الدولية على الجنود الأمريكيين في الخارج وتطالب كذلك بإلغاء مفوضية الأمم المتحدة العليا لحقوق الإنسان وتحويلها إلى مجلس مصغر ، كما تعمل الان على تقويض عمل وكالة الغوث الدولية للاجئين الفلسطينيين ( الاونروا) بل وتطالب بحل هذه الوكالة ، وكذلك الغائها كافة القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة واعلانها ما يسمى صفقة القرن وتشريع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ، وكانت من قبل قد استعبدت الأمم المتحدة بقراراتها وقدرتها من المشاركة في مؤتمر مديد للسلام عام 1991.

العالم في مواجهة الكارثة

يفتقد العالم الشعور بالأمن في ظل توسع وانتشار الجائحة التي يتعرض لها بسب وباء كرونا ، وتكاد منظومات الامن الجماعي الدولية ان تكون معرضة للانهيار وستفصح الأيام القادمة عن مدى نجاعتها وقدرتها في مواجهة الكارثة ،وفي هذا الاطار حذر البرفسور “برانكو ميلانوفيتش” من مدرسة لندن للاقتصاد ، من التداعيات الخطيرة لفيروس كرونا على الاقتصاد وربما سيؤدي الفشل في مواجهة تداعياته الى انهيار المجتمعات وأضاف ان العالم سيشهد تحولا في طبيعة الاقتصاد العالمي ، والازمة الحقيقية والمباشرة هي الامداد والطلب، فالإمداد يتوقف لان الشركات تغلق أبوابها او تخفض من قدرتها لحماية الموظفين من الإصابة بالفيروس، ويواجه العالم تحول عميق يتمثل في العودة الى الاقتصاد الطبيعي  أي الاعتماد على الذات ، وتنهار العولمة الاقتصادية والسلاسل التجارية بصورة متسارعة ، وقد تقود الخسائر البشرية الى تفكك اجتماعي خطير.

 الأمم المتحدة وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه اطلقت عبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش  نداءً يوم الخميس 19/3، عبر فيه عن  مشاعر القلق حيال العمل الجماعي الدولي ،ودعا الى : “ضرورة توحيد الجهود لمكافحة هذا الوباء الذي يشكل خطرا جماعيا على سكان الأرض جميعا، وقال إنها لحظة تتطلب إجراءات سياسية منسقة وحاسمة ومبتكرة من الاقتصاديات الرائدة في العالم، يجب أن ندرك أن أفقر الناس والأكثر تضررا يعيشون في البلدان الأكثر ضعفا، وخاصة النساء، وانه من الضروري التركيز على الناس الأكثر ضعفاً وأصحاب الأجور المنخفضة والشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم، وهذا يعني دعم الرواتب والتأمين الصحي والحماية الاجتماعية والحيلولة دون الإفلاس وفقدان الوظائف، إن ذلك يعني استحضار حلول مالية كي لا يقع العبء على أولئك الذين لا يمكنهم تحمله”.

ويبدو منه جليا ان الشلل قد أصاب العمل الدولي الجماعي بسبب سياسة الهيمنة والتفرد الأمريكي ولانعفي غيرها من الدول الكبرى من المسؤولية في كارثة انهيار العمل الجماعي الدولي، ولكننا نحملها المسؤولية الأكبر لسياستها وتفردها في اتخاذ القرارات الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، ونتمنى ان تستجيب دول العالم وبشكل خاص الدول الثمانية الكبرى للخطة الدولية التي تم التوافق عليها بين الأمم المتحدة واليونيسف ومنظمة الصحة العالمية للخروج من الكارثة التي تهدد العالم كله، والاستفادة من الدروس والعبر التي خلفتها هذه الجائحة سواء فيما يتعلق منظومة الامن الجماعي الدولي، او السياسات الاقتصادية الدولية التي أنهكت العالم ،وأخيرا ان تستعيد الدولة الوطنية وظائفها التي اختطفتها النيو ليبرالية الجديدة وتتخلى عن هذه الأوهام المدمرة.

كانب من الأردن

Ahrwash1997@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here