اتفاقية ستارت وبذور الصراع النووي

د. شهاب المكاحله

على مدى العقود الأربعة الماضية ، أحرز القادة الأميركيون والسوفييت/ الروس تقدّماً في الاتفاقيات الثنائية وغيرها من التدابير للحدّ من الرؤوس الحربية النووية الكبيرة والترسانات الاستراتيجية للقذائف والقنابل وخفضها إلى أدنى حد.  ولكن اليوم تلوح بوادر صراع مصيري بين الدولتين العظميين بدءاً من شهر فبراير 2019.

منذ منتصف أكتوبر عام 2018، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى والتي وُقعَت فى عام 1987 بين الرئيسين ميخائيل غورباتشوف ورونالد ريجان. ومن شأن تهديد الرئيس ترامب بالانسحاب من هذا الاتفاق إطلاق العنان لسباق تسلح جديد بين القوى الكبرى فى النظام الدولي، ما يؤثر على الأمن والسلم الدوليين ويعيد انتاج نسخة محدثة من الحرب الباردة.

من جانبها اعتبرت روسيا القرار الأميركي “حُلُماً” بالهيمنة على العالم من خلال بقائها القوة الوحيدة فيه، إذ أكد مصدر في وزارة الخارجية الروسية أن الولايات المتحدة “تحلم” بأن تكون هي القوة الوحيدة المهيمنة على العالم بقرارها الانسحاب من معاهدة حول الأسلحة النووية تربط بين واشنطن وموسكو منذ الحرب الباردة.

ففي ظل تراجع كلا الدولتين عن معاهدة التسلح تلك، فإن العالم سيواجه نوعاً جديداً من التطورات الاستراتيجية والعسكرية المتسارعة في الفترة المقبلة ما من شأنه أن يغلب عليه عملية التدخل غير المباشر في شؤون كل من الدولتين العظميين عن طريق الإسناد غير المباشر لدول الجوار الأميركي والروسي. وما نشهده من تدخل غربي في دول أميركا الجنوبية الحليفة لروسيا ليس سوى غيض من فيض لأن المد الروسي وصل إلى تلك الدول مصاحباً لمد صيني للتاثير على السياسة الأميركية واستراتيجيتها العالمية. وتلجأ الولايات المتحدة إلى التدخل في دول الجوار الروسي للتاثير في السياسة الروسية.

ففي عام 2015، كانت رغبة ترامب الابتعاد قدر المستطاع عن الصدام المباشر مع روسيا. غير أن هذه المعادلة قد تبدلت عقب المشكلات الداخلية الأميركية إذ من المتوقع أن تشهد العلاقات الأميركية ـ الروسية المزيد من نقاط التوتر والاصطدام، وما تحذيرات وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو في نهاية ديسمبر 2018 ويناير 2019 إلا جزءاً من هذا الخلاف بين البلدين، ما يدفع حلف الناتو للتعامل مع تلك التهديدات بالتهديد والوعيد من مخاطر برامج روسيا العسكرية. فكلا الدولتين ترمي بالكرة في ملعب الأخرى فيما يتعلق بمعاهدة التخلص من الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى.

وفي نوفمبر عام 1969، بدأت محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية (SALT I) والتي أسفرت عن معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (ABM) ، التي حدَت من الدفاعات الصاروخية الاستراتيجية إلى 200 صاروخ اعتراض لكل من الدولتين ناهيك بالملاحق الأخرى التي تبعتها فيما يتعلق بأنواع أخرى من الصواريخ التي تطلق من الغواصات والقاذفات الاستراتيجية وغيرها.

وفي نوفمبر 1972، وافقت واشنطن وموسكو على معاهدة ثانية ملحقة بالأولى تسمى  SALT II التي جرى التوقيع عليها في 1979  حيث تم تحديد عديد القوات النووية الأميركية والسوفييتية ، حيث جرى تخفيض عدد العربات السوفييتية آنذاك بمقدار 250 مركبة لها إمكانية إطلاق صواريخ نووية ليصبح الحد الأعلى المسموح به هو 2250 مركبة قاذفة نووية. في ذلك الوقت خفَض الروس 250 مركبة أما الأميركان فلم يخفضوا لأنه لم يكن لديهم هذا العدد من المركبات القاذفة النووية.  ولم يلتزم الطرفان بتلك المعاهدة خصوصاً بعد غزوالاتحاد السوفييتي لأفغانستان في ديسمبر 1979.

وبعد ذلك اتفق الجانبان على تخفيض عربات إطلاق الصواريخ النووية إلى 1600 بحيث لا تتجاوز الترسانة النووية 6000 رأس حربي نووي وتم التوقيع على ذلك في يوليو 1991.  وفي يونيو 1992، وافق الرئيسان الأميركي جورج بوش الأب والروسي بوريس يلتسين على متابعة اتفاق معاهدة “STARTII”، والتي دعت إلى تخفيض الترسانة اﻻستراتيجية المنشورة إلى حد لا يتعدى 3500 رأس حربي. وفي عام 1997، وافق الرئيسان بيل كلينتون وبوريس يلتسين على إطار عمل لمفاوضات ستارت 3  “START III” الذي يتضمن خفض الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنتشرة ما بين  2000 للولايات المتحدة و 2500 لروسيا. وفي عام 2002، وقع الرئيسان جورج دبليو بوش وفلاديمير بوتين على معاهدة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (معاهدة SORT أو معاهدة موسكو) والتي بموجبها خفّضت الولايات المتحدة وروسيا ترسانتهما الاستراتيجية إلى 1700  و 2500 رأس حربي لكل منهماعلى التوالي.

وفي 8 أبريل 2010، وقَعت الولايات المتحدة وروسيا معاهدة ستارت الجديدة، وهي اتفاقية ملزمة قانوناً بتخفيض عدد الصواريخ النووية إلى 1550 لكل جانب محمولة على مركبات قاذفة لا تزيد عن 700 من نوع القاذفات الثقيلة والاستراتيجية والإبقاء على الأعداد السابقة من المركبات الناقلة للصواريخ القاذفة غير الاستراتيجية.

باختصار فإن تلك الاتفاقيات بين الدولتين قضت بإلزام روسيا والولايات المتحدة بالتخلص من آلاف الصواريخ النووية ذات المَدييْن القصير والمتوسط وعدم تطوير صواريخ جديدة. ولكن هل يتحقق ذلك الحُلم بالسلم النووي بين الدولتين دونما حرب باردة من نوع جديد تطال ساحة الدول المحيطة بكلا الدولتين العظميين!

كاتب اردني مقيم في واشنطن

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. شكرآ للكاتب،
    لكني لا افهم لماذا الحد من عدد الصواريخ وحاملاتها وليس ازالتها طالما انها نوويه مهلكه وعدد المسموح به بالآلاف !

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here