ابو بكر زمال: الروائي أحميدة عياشي عدّاء في المسافة الطويلة للحراك

 ابو بكر زمال

أتعبه الركض في شعاب الكتابة.. فلجأ إلى رياضة الجري في دروب المسافات الطويلة والقصيرة، سعيد بما تمنحه من طاقة وحيوية ونشاط ولياقة بدنية وتحسينا لضربات القلب.

من كان يظن يوما أنه سيؤسس لنفسه إيقاع كتابة أخرى تتغي الحفر في الأرض بالساقين والقدمين، وأنه سيعطي للحفر معنى أوسع إتساعا، وتجلٍ أكثر مما ينص عليه الحفر في جسد الكتابة والرواية والمسرح والصحافة وغيرها من الفنون التي قادته إلى فضاءات متخيلة خاض عمره بحثا عن جواهرها، وبالكاد أراحته بل “فرطست” رأسه، أقلقت مضجعه، وسهرت لياليه ونهاراته، غيّرت من نوعية سجائره بعدما كانت من نوع “القولواز” إلى “المارلبورو لايت”، وها هي بساطة الجري تؤهله للصبا والقوة والحيوية، ومزيدا من التنزه في رحاب الهدوء والنوم المنعش والراحة المستقيمة.

كل مساره يمكنه اليوم أن يلخصه في بضع كلمات لم يعثر عليها وهو يذهب طولا وعرضا، بين الحروف والفواصل، بين الهواجس والأحلام، الهوس والسكون، بين قلق المعنى وسلطة الفهم، ولما ركض ساعة أو ساعتين وجدها بجنبه، بين عينيه، وهو يحطم جريا أرقاما قياسية بالساعة والساعتين.. “أنا أركض إذا سأكون موجود”.. كوجيتو “ساهل ماهل”.. كوجيتو ساحر وغاو مثلما رغب بعناد أن يراه مكتوبا بخطوط اليد وحروف مرمرية.كان أحميدة عياشي روائي وصحفي لامع وأصبح اليوم روائي وصحفي ومتسابق.. بارع في قنص الخيال من هواء العدو والعرق والنفس السريع والسباقات الطويلة والقصيرة، يغالب ويغلب الأصدقاء ومحبي هذه الرياضة، والأهم أنه ينتصر على الوقت ويحقق زمن مقداره ساعة أو أقل من ساعة.. دقائق عشر أو عشرين.. بالثواني لا تحتسب فهي مدكوكة في “كرونوماتر” معطل  أو مصمم كي يتم عدها افتراضيا.. فلنفترض أنها تسع ثواني وأكثر “شوية”، لا يضر فلحميدة طاقة أخرى مخزنة في روحه وجسده متروكة لأشياء أخرى ولتكن لسباق الحراك.. حراكه المتسابق الجديد في مرماه.. في أجندته السرية المخبوءة من يوم الأوهام والأحلام المثالية بالثورات، وهو ككل مثقف فاعل، يساري أو علماني، معتدل أو راديكالي، كان يهفو إليها ويطمح لملامستها ولمسها خالصة لوجه الحرية والتحرر وللإنسان.لولبي في حياته ومجاور للفتن.. يقف على بحار جنونه أنبياء وعائلة وأهل وأحباب غابوا وغيّبوا، ولولاهم لخاضها بمتع وعبث.

مخلوط بالسياسة يتعاطها ويعرف كيف يثير آلهتها القاسية بنكزة لاذعة ويقتفي الممكن منها والمستعص، والمأزوم، يفرك خيوط لعبتها على رمل أملس حيث يمكنك أن تنزلق عليه لتفهم          ما يحدث كأنه بحر بصر.. أعدائه يقولون إنه يهرطق ويثرثر ويناور ولا يقول شيء ذا بال.. “وأمـبعد” أليست السياسة هي فن اللاشيء ومحض كلام أجوف لآلهة عوراء تلك التي يفقأ عيونه بنكزة لاذعة؟.عندما تلج إلى عالمه الروائي فإياك أن تفعل ذلك وأنت مرتاح وتجلس رجل على رجل.. وكي يتسنى لك ذلك أسري إليه وأنت قاب قوسين من القلق والنار، وتهْ ودورْ كأنك درويش مولوي، عربيد، فاسق، متطهر من ذنوب النصوص الروائية البلهاء التي عمرت طويلا في عش مخك، ستنتشي حيث لا نبيذ أبيض أو أحمر ولا مخدر أو لبن مخثر أو تمر مخمر ..

ستعثر على شياطين وحواة وجميلات ومتوحشين ومتعصبين وملائكة وأصحاب شأن وأبطال خرافيون، وصحفي “زوالي” يكابد الخوف والإرهاب ويتطلع من باب عينيه عله لا يقتل أو يذبح، ستجد أيضا جنرالا مكبوبا على أريكته يدخن سيجارته ويستغرب كيف لم يقتل ولم يذبح.. وإرهابي هارب من وساوس تزين له القتل والذبح وتعده بالجنة والحور.. ستصادف وسط كل هذا.. الموت والمجهول والخوف ثم حياة مثالية مثيرة غنــّاء تزقزق على كف الغيب يحاول أحميدة أن يبعثها لك بلا وحي أو نبي موحى له، سيفتكها لك من عرين الحب واللوعة بشرط أن تكون عاشق للمغامرة والتيه والجذب والخصب وهو ما يبيضه لك بدون عتمات أو عتبات.. أنفذ إلى نصه الروائي وأنت فارغ وعار ونظيف من لوثات النصوص الجزائرية “اللي هلـْكتنا” ببلادتها.

ليست الرواية عنده سوى تنويع محبب على اللحظات النادرة للتوق والإنعتاق من ربقة التافه والممل، مسكونة بالمرح اللاهي على جسد الحياة والتاريخ الغامض والهامشي والسري والمنبوذ.. يكتب كل هذا في حالة انشطار ويخطفك على تخوف وبيديه يرميك في متاهة لا تكاد تجد خلجانها وأراضيها وسماواتها حتى يراودك الشك: أأنا في الرواية أم أن الرواية فيّ؟

في كل ما كتبه من رواية بدءا من “ذاكرة الجنون والانتحار” إلى “المتاهات”.. ينفق عليك لغةً تهتف وتشع بمعان بلورية قال عنها نقادنا الكرام الميامين ومن والهم باستغراب أن أحميدة فتحَ بها ثغرات ميمونة لا سلالة لها ولا أب متخيل أو بيولوجي تمتد إليها، بل إن نصه الروائي لعبة صوفية يلعبها بسخرية وخفةٍ ساحرة حتى إذا ما أكملت القراءة صادقت وحوش نصه بألفة وحميمية ولن تتوقف إلا وأنت تحلم وترغب بعالم متوقد بالحب والجمال. يا لي “راي” أحميدة الرنان بوشوم الشيخات وعطور الكباريهات وحركات خلاخيل الراقصات، والعيطة والرشقة والتبراح، ولذاذات النصوص المحرمة، خبير به ومختبره، عارف بروحه المدنسة والمقدسة، وطقوسه المكشوفة على الجسد المرغوب الفاخر، والنبيذ الفائض على قمصان الهجر والفراق والعشق.. يعرف من أي سلسبيل ينبع شجن القصبة والقلال والبندير.. يعرف النبرة الشهوانية للصوت والكلمات والتعابير والمعاني وهي تتشهى وتشهي وتمدح وتلتهم وتغرف من تموجات الرفض لكل ما يرمز إلى العفة والعفاف والطهر والعافية، حيث يتفوق “الراي” ويفوق طبوع أخرى في تسمية الحالات والمواجيد والهواجس وعوالم الكيف والجنس والموبقات والمحرمات والإثم والخطايا والتهتك.. دونها أحميدة في أكثر من مقال ونص وحوار ودراسة.. لا يمكنك أن تكتب ما تجهله ولا تعرفه.. ما لم تلتقط أذنك المسكوت أو المرفوض والمتخفي، أو تكون غصت برحابة صدر في قسوة ومعاناة الهوامش والخبايا.. وهو ما فعله أحميدة أختار عن رضا وحب وهوس وطواعية نقل “الراي”.. أجواءه وتاريخه وممنوعاته وخطاياه وسيئاته وحسناته ونصوصه وطقوسه وشياطينه وملائكته، شيخاته وشيوخه الأحياء منهم والأموات وصولا إلى شاباته وشبانه.. نقله ورسمه وأغدق عليه بمطر يهمي ولن ينقطع حتى لا تظمأ أرض “الراي” أبدا.

كما علمه ربه حكمة الجري ولعبة السياسة وكتابة الرواية وشغف “الراي” بعثه إلى ركح المسرح كاتبا وممثلا “مبلندي”، مبتكر نصوصا باذخة بالعاطفة والصدمة والرعشة والفوضى.. تذهب إلى أفق “بريختي” كما هو مسكون وساكن في عقول المسرحين، ولكنها ليست نصوصا عدمية سديمية سوداء كما هي عند هذا الأخير – أي بريخت ــ بل تصافح الفرح وتتخذه صديقا أبديا وتمضي به إلى مستقر مبذول للزهو، ومتظلل بالألوان الكثيفة لطفولة الأرواح المتراقصة بين ثنيات نصوصه، وحين تنظر إليه ممثلا غارقا في تقمص الشخوص يدهشك ويرفعك إلى مقامات وأحوال وتكاد تصرخ: هل هو هو؟

خاض وتعاطى وأدار أيضا ركضه في الإعلام والسير والحركات الإسلامية.. وتلك رفوف مرتبة من مكتبة زاخرة بالكشوفات والحقائق والتجارب أندغمت فيه تدل عليه.. مرة كعارف ومتصوف.. ومرة كمؤرخ ومنقب بالأظافر عن المبهر والخطير والمشتعل، يستدرجها إلى حرارة شمس النقد تلفح وتكشط طيات الجلد السميك الذي تتخفى من وراءه الحقيقة والحق والتاريخ الساكت، متخط موانع وعوازل تضبب الرؤية وتحتجب بغلالات تحجب النور، ويقتطع لك ما يؤهل عقلك وروحك لتكون ضيفا على مائدة زاخرة بالطيب من القول و”لـْـبـنـين” من المعنى.  في الستينات من عمره يستنهض أحميدة عياشي جسده اللاهث في روح الجري يعلو به كالطيف ليرى من بعيد كل حياته وهي منتعشة اليوم كما لم يحدث لها من قبل.

/ شاعر / الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here