ابوالقاسم الربو: ليبيا: عندما تُغتال النساء

 

 

ابوالقاسم الربو

أستيقظ الليبيون على وقع فاجعة اغتيال المحامية والناشطة الحقوقية البارزة حنان البرعصي، والتي اشتهرت في بنغازي باسم (عجوز برقة)، قتلت بالرصاص في وضح النهار، وسط أحد أكبر شوارع مدينة بنغازي. البرعصي ذات ال 46 عاما والتي عُرفت بانتقادها بشكل علني وصريح ومتكرر للانتهاكات التي تحدث في المنطقة الشرقية. استخدمت البث المباشر على الفيس بوك، وسيلة لإيصال صوتها الى المسؤولين، التي كانت تظن انهم يهمهم الامر، رغم إدراكها حجم المخاطرة وصعوبة الطريق الذي اختارته والتهديدات التي كانت تتلقاها باستمرار من مجهولين ومعلومين، حسب تصريحاتها في أكثر من مناسبة.

فقد سجلت الكثير من المقاطع المصورة، والذي كان اخرها ذلك التسجيل المباشر الذي بثته قبل اغتيالها بلحظات، حيث ظهرت فيه جالسة في سيارتها وهي تنتقد مجموعات مسلحة قريبة من حفتر تسيطر على بنغازي وترهب الأهالي وتصادر ممتلكاتهم، ولم تكن تدري ان هذا التسجيل سيكون الأخير، وانها لن تتمكن من رؤية ابنتها الوحيدة التي طالما هددوها المسلحون باختطافها.

دفعت البرعصي حياتها لأنها قالت لا، واختلفت بالراي مع من ينتهك حقوق الانسان، واستقبل جسدها 30 رصاصة لأنها تطرقت لقصص نساء تعرضن للاعتداء والاختطاف والاغتصاب من شخصيات نافدة تنتمي لميليشيات داخل مدينة بنغازي، مطالبة خليفة حفتر بمحاسبة المتورطين في هده الحوادث، وأُسكت والى الابد صوتها الدي انتقد صدام نجل حفتر بسبب حصوله على رتبة عقيد في الجيش رغم صغر سنه وبعد سنة واحدة من تخرجه برتبة ملازم ثان.

وقعت جريمة القتل بعد حوالي عام ونصف من اختفاء النائبة سهام سرقيوة، التي اختطفتها مجموعة مسلحة من بيتها في بنغازي , واصابة زوجها بالرصاص في ساقيه , وذلك بعد انتقادها للهجوم الدي شن على طرابلس , ودعت مجلس النواب آنذاك الى ضرورة استدعاء المسؤولين على الجيش الليبي في المنطقة الشرقية , ولم يشفع لهده النائبة حصانتها البرلمانية في الكشف عن مصيرها (على اقل تقدير )رغم كل المطالبات المحلية والدولية بالكشف عن ملابسات الجريمة والقصاص من الجناة .

 وفي نفس السياق وبنفس الطريقة تم اغتيال المحامية والناشطة السياسية سلوى أبو قعيقيص أحد مؤسسي المجلس الانتقالي الليبي، في العام 2014 , بعد نشرها على صفحتها بالفيس بوك، أسماء ثلاثة جنود ليبيين قتلوا في يوم واحد بمدينة بنغازي، حيث قام رجال مقنعون مجهولون يرتدون أزياء عسكرية باغتيالها داخل منزلها.

وعلى نفس المنوال، تم اغتيال فريحة البرقاوي، عضو مجلس النواب، والتي عرفت بمواقفها الجريئة وانتقادها لأعضاء البرلمان، حيث أُمطرت سيارتها التي كانت تقودها بوابل من الرصاص في مدينة درنة، دون ان يتمكن أحد من المارة من اسعافها، او حتى الاقتراب منها.

وحتى لانتهم بالانتقائية,  فالعاصمة طرابلس لم تكن بأحسن حال , حيث شهدت الكثير من عمليات الاغتيال التي راح ضحيتها نساء أبرياء, بالرغم من ان جل تلك العمليات لم تكن بدوافع سياسية , وانما من اجل السرقة او الاغتصاب او الابتزاز للحصول على الفدية , ولعل اشهر هده العمليات , تلك المرتبطة بالصرخة المدوية (حرام عليكم , عندكم ولايا ) بمعنى (نساء) ,  تلك الصرخة التي ستظل وصمة عار على جبين كل مسؤول تهاون في فرض الامن وتخلى عن واجبه في حماية مواطنيه , وسيظل دلك الفيديو المصور لهذه السيدة, وهي تستجدي وتتوسل المجرمين بعدم اغتصابها , شاهدا على حقبة أُستبيحت فيها كل المحرمات , ومكنت امراء الحرب والمجرمين من إعادة تدوير انفسهم , والامعان في تكميم الافواه المطالبة باحترام ادميتهم , وفرض سطوتهم على البلد وعلى امكانياتها الاقتصادية .

 اما جثة المدافعة عن حقوق الانسان (انتصار الحصائري)، فقد وجدت مقتولة داخل صندوق سيارتها، في العام 2015, تلك السيدة التي كانت مؤسسة مشاركة في حركة تنوير وهي مجموعة غير سياسية تروج للسلام والثقافة في ليبيا، وشاركت في عديد الاحتجاجات المطالبة بدولة ديمقراطية تحترم فيها حقوق الانسان ويسود فيها القانون والمساواة.

وبالرجوع الى الاغتيال الأخير ” حتى كتابة هذا المقال “، فقد اثار مقتل البرعصي ردود فعل مستنكرة، طالبت جميعها بإحقاق العدالة ومحاسبة الجناة. فقد ادانت منظمة العفو الدولية اغتيال المحامية، مطالبة بفتح تحقيق سريع وشفاف في هذه الحادثة، واعتبرت ان قتلها ” دليلاً على المخاطر التي تواجهها النساء في ليبيا اللواتي يقمن بالحديث عن أمور سياسية “. وأضافت المنظمة في تغريدات على تويتر، البرعصي ” دأبت على انتقاد عدد من الافراد المرتبطين بالمجموعات المسلحة في شرق البلاد، مما أدى الى تلقيها عدة تهديدات بما فيها القتل لها ولابنتها “، مشيرة الى ان اغتيالها جاء بعد اعلان عزمها نشر فيديو عن فساد صدام نجل حفتر.

ومن جهتها عبرت السفارة الامريكية في ليبيا عن صدمتها إزاء مقتل البرعصي، والتي وصفتها ب المفوهة ” التي سعت الى مكافحة الفساد، وأكدت السفارة في بيان لها انه يجب عدم التسامح مع اسكات أصوات الناشطين السلميين، مضيفة ان ” عملية القتل الشائنة هذه تؤكد على أهمية تشكيل حكومة مسؤولة امام الشعب الليبي، بدلا من السماح للفساد والقوة الغاشمة برسم مستقبل ليبيا “

وعلى المستوى الداخلي، عبّر اعيان وشباب قبيلة البراعصة (التي تنتمي اليها الضحية) عن استنكارهم الشديد، مطالبين “القيادة العامة في بنغازي” بكشف ملابسات الجريمة، مؤكدين في وقفتهم الاحتجاجية امام مبنى البرلمان بالبيضاء، على ضرورة القضاء على المليشيات التي استباحت دماء الناس قبل الرجال، حسب تعبيرهم، وانهم لن يرضوا الا بالقصاص من الجناة دون مماطلة او تسويف.

ومن الجدير بالذكر، ان هذه الجريمة وقعت بالتزامن مع انشغال المسئولين الليبيين بمعاركهم على شكل الحكومة الجديدة، وتوزيع المناصب فيما بينهم، ومحاولة كسب ود ” ستيفاني ” لإدراكهم بانها قادرة على تحقيق طموحاتهم في الوصول الى السلطة، تاركين الليبيين لمصيرهم، اما المستقبل فانهم يعيشون على قاعدة ” فلندع المستقبل للمستقبل “.

ورغم المعارك السياسية الدائرة في تونس الان، يدرك المواطن الليبي بان حاله لن يتغير بتغير الكراسي، وتبديل الجالسين عليها، وانه ليس هناك ما يضمن ان عمليات الاغتيال لن تتكرر، وان السؤال القائم دائما هو عمن سياتي دوره تالياً.

وما بين امرأة تهان وتغتال في وطنها لمجرد كلمة، وبين امرأة تتحكم في مصير بلد من خلال اختيار من سيحكمه، وكيف سيحكمه، تظل الحيرة سيدة الموقف.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here