ابراهيم محمد الهنقاري: متى نتعلم أصول واخلاق السياسة!؟

ابراهيم محمد الهنقاري

السيدة تيريزا ماي ربما كانت من أفضل من تولى وزارة الداخلية البريطانية التي تسمى هنا ( Home Office ) اي “مكتب او مقر العائلة ” باعتبارها الوزارة التي ترعى شؤون الناس و الاسرة. ولكنها لم تكن بالتأكيد من أفضل من تولى رئاسة الحكومة البريطانية. وربما كان السبب في ذلك ان الاقدار وضعتها لترث كل المشاكل التي خلقها للمملكة المتحدة و لحزب المحافظين قرار متسرع و غير مدروس اتخذه سلفها السيد ديفيد كاميرون حينما قرر اجراء استفتاء حول بقاء او خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي. كان ذلك القرار من نوع ” لزوم ما لا يلزم “. للأسباب التالية:

١- ان المملكة المتحدة بارادة الله و بحكم التاريخ و الجغرافيا و الواقع جزء لا يتجزأ من القارة الاوربية. وهذا امر لن يتغير بقرار سياسي ايا كان. فمصير بريطانيا و مصير أوربا وجهان لعملة واحدة.

٢- ان المملكة المتحدة كانت لها وضعية خاصة داخل الاتحاد الأوربي قبل بها باقي دول الاتحاد. فقد احتفظت بعملتها الوطنية وهي الجنيه الاسترليني ولم تنضم لمنطقة “اليورو” وهي العملة الموحدة لدول الاتحاد الأوربي.

٣- ان المملكة المتحدة كانت خارج منظومة ” التشنجن ” او التأشيرة الموحدة السارية في كل دول الاتحاد ماعدا بريطانيا التي احتفظت بتأشيرة الدخول الخاصة بها خارج تلك المنظومة .

٤- استفادت المملكة المتحدة من اهم ما قررته اتفاقية روما التي انشأت منظمة ” الاتحاد الأوربي ” وهي الوحدة الجمركية لدول الاتحاد. والانتقال الحر لمواطني دول الاتحاد داخل المنظومة.

فهل كان من الضروري اجراء ذلك الاستفتاء عام ٢٠١٦. !؟

٥- كانت القضية الإيرلندية عقبة كأداء امام تنفيذ نتيجة الاستفتاء. فجمهورية ايرلاندا التي تشكل الجزء الجنوبي من ايرلاندا عضو كامل في الاتحاد الأوربي. بينما الجزء الشمالي من أيرلندا عضو اصيل في المملكة المتحدة. ولم تكن هناك حدود بين الشمال و الجنوب حتى قبل قيام الاتحاد الأوربي. وأكد على ذلك الاتفاق الذي أبرمته الحكومة البريطانية مع الأحزاب الرئيسية في الشمال والتي تطالب بوحدة القطرين ولم يعد بالامكان التخلي عن ذلك الإتفاق الذي تم التوصل اليه بعد جهد جهيد و تضحيات و دماء من الطرفين. ولم يكن بالامكان ان تنسحب بريطانيا من الاتحاد الأوربي و تبقى على نفس العلاقة مع احدى دول الاتحاد وهي جمهورية أيرلندا . عرفت هذه المشكلة باسم “Backstop “ اي الباب الخلفي.

٦- صحيح ان هناك من الإنجليز خصوصا من لا يزال يصدق ان بريطانيا اليوم هي نفسها بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها الشمس ايّام الملكة فيكتوريا. وهم يمثلون معظم الذين صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوربي. ولكن هذا في الواقع لا يزيد عن كونه من احلام اليقظة. فلا الولايات المتحدة الامريكية ولا كندا ولا شبه القارة الهندية ولا معظم اسيا و افريقيا ولا استراليا ولا نيوزيلاندا ولا بقايا الإمبراطورية العثمانية هي مستعمرات بريطانية اليوم بل هي دول كبرى و مستقلة و ذات سيادة مثلها مثل المملكة المتحدة التي يعرفها العالم اليوم.

اجل حاولت السيدة تيريزا ماي كما قالت في خطاب استقالتها اليوم ان تنفذ حسب الأصول الديموقراطية البريطانية قرار أغلبية المصوتين في الاستفتاء بالخروج من الاتحاد الأوربي. و اجرت مفاوضات صعبة و طويلة مع الاتحاد الأوربي لضمان الخروج باتفاق يحقق مصالح الطرفين ولكن يبدوا انها

ووجهت بمعارضة شديدة و مزدوجة من حزبها حزب المحافظين ومن حزب المعارضة حزب العمال. وفشلت ثلاث مرات في الحصول على موافقة مجلس العموم البريطاني على مشروعها للخروج من الاتحاد الأوربي. كما انقسم المجتمع البريطاني بين مؤيد للخروج من الاتحاد او ما عرف باسم “BREXIT”

و المنادين بالبقاء فيه كما هو الحال الان.

اليوم أعلنت السيدة تيريزا ماي استقالتها من رئاسة حزب المحافظين ومن رئاسة الحكومة البريطانية وأنها سوف تغادر منصبها يوم الجمعة السابع من شهر يونيو القادم وذلك في كلمة مؤثرة وجهتها لمواطنيها صباح اليوم. كانت كلمة مفعمة بالعواطف و بالصدق وبالاعتراف بالخطأ. قالت انها تفخر بانها السيدة الثانية التي تتولى رئاسة الحكومة البريطانية في إشارة الى السيدة الاولى مارجريت تاتشر التي عرفت بالمرأة الحديدية. ولكن السيدة ماي قالت ايضا انها لن تكون المرأة الاخيرة التي تشغل هذا المنصب الرفيع.

لم تستطع ان تتحكم في دموعها وهي تعلن انها قد بذلت كل ما في وسعا لخدمة وطنها الذي أحبته.

هكذا هي قواعد الحكم الرشيد. وهكذا هي السياسة الحقة. وهكذا هي بريطانيا العظمى.

تعظيم سلام و تحية كبيرة للسيدة البريطانية الجليلة تيريزا ماي التي ستصبح بعد تسليم السلطة لخلفها المنتظر مجرد عضو في مجلس العموم البريطاني عن دائرة ” ميدنهيد “.

فهل من معتبر. !؟ و هل سياتي علينا يوما نحن العرب نتعلم فيه أصول السياسة و أصول الحكم. !؟

كاتب ليبي

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. فهل من معتبر. !؟ و هل سياتي علينا يوما نحن العرب نتعلم فيه أصول السياسة و أصول الحكم. !؟ احسنت التحليل ا.ابراهيم ولكن بوطننا العربي على الرغم من شريعتنا تنص على الشورى لا احد يتنازل ويعتبر بل الان قتال يجري قتال وتدمير لاجل البقاء في الكرسي في الكثير من الدول العربية ومن بينها بلدك .فالمسالة ثقافة واحترام للدساتير المعتمدة .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here