ابراهيم شير: سورية.. الحليف وتناقض المصالح الكبرى

 

ابراهيم شير

صدمة كبيرة عاشها الشارع السوري والعربي والغربي المتعاطف مع القضية العربية بعد إعلان رئيس وزراء الإحتلال الأسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سلمه جثة العسكري الإسرائيلي زكريا باومل، الذي قتل في معركة السلطان يعقوب أثناء كمين أعده الجيش السوري لجيش الإحتلال عام 1982، وخلال المعركة أسرت سورية 8 دبابات للإحتلال وقتل عدد كبير من الجنود الإسرائيليين وصل لنحو 30 جنديا، ومنعت الإحتلال من قطع طريق دمشق – بيروت. وهذه المعركة لو انتصرت فيها إسرائيل لشكلت

منعطفاً مهماً وتاريخياً لتغير وجه الشرق الأوسط بحسب الجيش السوري، اي أن قيمة الجثة ذات بُعد معنوي.

الجثة كانت مدفونة داخل مقبرة في مخيم اليرموك، والجماعات الإرهابية قبل خروجها منه أخبرت الإحتلال بمكان وجود الجثة، وإسرائيل أخبرت روسيا بأنها تريدها، وبعد دخول الجيش السوري إلى المخيم رافقت وحدات روسية نظيرتها السورية في تقييم الوضع في المخيم، وطبعا دمشق كانت على علم بنية الإحتلال الحصول على معلومات عن مصير جثة الجاسوس ايلي كوهين وليس باومل، لذلك بعد دخول الجيش السوري الى المخيم بدأ بعملية تقييم للوضع، وطبعا كان يرافقه الجيش الروسي، وبعد أن علم الأخير بوجود الجثة، قام بعملية أمنية وأخرجها وأرسلها إلى موسكو دون علم دمشق، وهذا الأمر قاله بوتين شخصيا، بان العملية كانت امنية.

التصرف الروسي صدم الشارع السوري، لأن عدائهم مع الإحتلال الإسرائيلي هو أكبر مما يتصوره بوتين شخصيا ويجهله. هذه الصفقة وإن كان الروسي يصر على أن تتم، كان بالإمكان أن يتم فيها الأفراج عن الأسرى السوريين لدى الإحتلال وعلى رأسهم البطل صدقي المقت، ورفات شهداء للجيش السوري الذين تحتجزهم إسرائيل منذ عام 1973 و1982. ولكم في حزب الله مثال يا أولي الألباب، فهو الذي حرر الأسرى اللبنانيين جميعا ورفات الشهداء أيضاً مقابل تسليمه للإحتلال رفات جنديين له أسرهم في عام 2006، فما الذي يمنع روسيا من أن تطلب من الإحتلال القيام مع سورية بنفس الأمر مقابل عملية التسليم هذه؟

الخطوة الروسية بتسليم الرفات لم تكن الأولى حيث أنها قامت قبل 3 أعوام بتسليم الإحتلال دبابة ميركافا أسرتها سورية في المعركة نفسها، وقدمتها دمشق كهدية لموسكو لأن هذه الدبابة أميركية الصنع وإسرائيلية التطوير، هزمت وكسرت بسلاح روسي وهو دبابة T82 وكعربون صداقة تم إهداءها لروسيا، ولكن الرئيس بوتين أهداها لنتنياهو ايضاً، بدون سبب أو سابق إنذار أو توضيح. روسيا ومن قبلها الولايات المتحدة قدمتا خدمة لنتنياهو على حساب سورية، الأولى قدمت جثة باومل، والثانية سبقتها بإعلان الجولان السوري المحتل، تابعاً لإسرائيل.

الشارع السوري بات يفكر ما هي أبعاد الخطوة الروسية هذه؟ لأنها تعبر بدون أدنى شك عن طعنة للسوريين من قبل حليف فتحوا له الابواب والصدور. وروسيا لم تدافع عن سورية بدون مقابل. أولاً موسكو استطاعت أن تبقي وجودها العسكري الإستراتيجي في البحر الأبيض المتوسط، وقاعدتها في سورية لا تستطيع الإستغناء عنها لأنها أساسية ومهمة لها أستراتيجيا. ثانياً مبيعات الأسلحة الروسية في عام 2014 بلغت 15 مليار دولار فقط، بينما وصلت في العام الماضي الى 52 مليار دولار، لان موسكو جربت في سورية 200 نوع سلاح بحسب تصريحات الجنرال الروسي أليكساندر نوفيكوف. ثالثاً موسكو وقعت مع دمشق على عقود للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية، في مساحة 2190 كلم مربع، ناهيك عن حقول النفط والغاز في البادية السورية والفوسفات وغيرها. رابعاً حصتها في إعادة الإعمار محفوظة دون أن يقترب أحد منها. المكسب كان متبادلا. وبالتالي على روسيا تعي بانها حليف للجمهورية العربية السورية، ذات القرار السيادي والعلاقات بينهم ندية، وان سورية ليست انغوشيا او ابخازيا.

صراعنا مع الإحتلال الإسرائيلي أكبر من نتنياهو وجثة جنديه وبقايا دبابته التي أكلها الصدء، ولكن مشكلتنا اليوم في صدق الحليف وحمايته لحليفه، وليس أن يجعل من سماء حليفه مشاعاً لعدوه من أجل يقصفه.

عملية تسليم الجثة بالرغم من بشاعتها، إلا أنها جمعت الشارع السوري على رفضها جملة وتفصيلا، أضافة إلى أنها اثبتت أن الدولة السورية لم تترك مناسبة لمواجهة مع الإحتلال إلا واجهته وكسرت شوكته والدليل معركة السلطان يعقوب.

كاتب واعلامي سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here