ابراهيم شير: سوريا والحرب.. ماذا كسبنا وماذا خسرنا

ابراهيم شير

حرية.. حرية.. حرية.. هو الهتاف الذي خرجت به التظاهرات في سوريا عام 2011، البلد الذي حزبه الحاكم من أهم مبادئه الوحدة والحرية والاشتراكية، أي أن المطلب الذي خرجوا من أجله يجب أن يكون قد اخذوه على مدى عقود من حكم حزب البعث لسوريا فلماذا يطالبون بالحرية إذا؟ وعن أي حرية يتحدثون؟

لنكن واقعيين ونتحدث بشفافية الحرية في سوريا في السنوات القليلة قبل الحرب كانت متواجدة وبدرجات مرتفعة، وشاهدنا مسلسلات مثل (غزلان في غابة الذئاب) و(الولادة من الخاصرة) في جزئه الاول تتحدث بسقف مرتفع في النقد للمسؤولين والضباط الفاسدين، رغم تحفظي الشخصي على بعض انواع الدراما التي رسخت صورة غير حقيقية للضابط السوري، الا أن المسلسلات كانت تحمل سقفاُ عالياً من الحرية، لكن هذا الأمر لم ينتقل الى الشارع الذي عاش لعقود سابقة وهو يخاف من ضابط المخابرات والمساعد في الأمن الجنائي، وكان المسؤول لديه حصانة من السماء فلن تجد مواطن سوري قبل عام 2011 يستطيع أن ينتقد نائب مدير عام أو رئيس قسم في مؤسسة حكومية خصوصا اذا كان حزبياُ، فهذا تكون عصمته اشد من الأولياء والصالحين، وكان لدينا جار في مدينة حلب يتحدث ويلفظ حرف القاف بصورة مبالغ فيها وكان له هيبة كبيرة في الشارع لانه يتحدث بحرف القاف وهي الطريقة المستخدمة في الساحل السوري، وبعد سنوات عديدة اكتشف أنه من قرى محافظة ادلب وقريته تتحدث بالقاف ايضا، ما أريد أن أقوله أنه حتى طريقة الكلام ولفظ الحروف كان لها هيبة وكان يخاف منها في سوريا قبل الحرب، طبعا هذا الخوف كان شعبيا ونفسيا ولم يكن بتوجيه حكومي لكن كان مرضياً عنه بطريقة أو بأخرى.

ما بين عام 2005 و2011 عاش الشعب السوري برفاهية جيدة نوعا ما، صحيح لم تكن مثل رفاهية الخليج لكنها كانت رائعة بالنسبة لدول الجوار، والسيارة التي كانت الحلم المستحيل للعوائل السورية باتت سهلة المنال لأي عائلة متوسطة وكان من الطبيعي أن يسافر الشخص ليقضي العطلة الصيفية في تركيا أو اليونان أو شرم الشيخ، ولكن رغم هذا كله لم يكن السوريين يعرفون بعضهم البعض. فلو سألت شخصا من الطائفة السنية ماذا تعرف عن الطائفة العلوية أو الشيعية، فسوف يجيبك عموميات وأغلبها خرافة وليست حقيقة والعكس صحيح أيضاً، رغم أن الزواج بين الطوائف في سوريا كان سمة المجتمع إلا أن الشارع لم يكن يعرف بعضه أبدا. وبحسب تفسيري الراحة النفسية والإجتماعية والمالية جعلت الشارع يفكر في أمور كانت غائبة عنه وبمطالب لم يكن يريدها قبل عقد مثلا، لذلك اختارت الدول التي تريد فرض الحرب على سوريا هتاف “الحرية”، ولم تختار شعار الخبز كما كان الحال في مصر أو شعار نريد العمل كما في تونس أو التوزيع العادل للثروة في ليبيا أو الحياة الكريمة في اليمن، لأن جميع ما ذكر كان متواجد في سوريا لكن من أراد اندلاع الحرب بحث عن شيء مفقود وجعل الشارع يطالب به.

قبل الحرب كان الماء والكهرباء والغاز والخبز والمحروقات متواجدة وبحدودها المتوسطة او الممتازة، وهذه الأمور لم يكن يفكر المواطن السوري بفقدانها بوقت من الأوقات، لكنه الآن يقضي 70 بالمئة من يومه وهو يفكر في كيفية الحصول عليها وتأمين الحدود الدنيا منها على الأقل إن وجدت حتى.

بعد اندلاع الحرب حصل السوريون على نسبة كبيرة جدا من الحرية التعبيرية، وبدأنا نجد منشورات ومقالات تتهجم على وزارء واعضاء مجلس شعب ورؤوساء الحكومات واعضاء القيادة القطرية للحزب وحتى مستشارة الرئيس وكأن سقف الحرية قد إنهار مرة واحدة، لكن هذا السقف عندما انهار سقط معه كل شيء، ففقد الشعب الأمان والصحة والأكل والشرب والبنية التحتية والأمن واتت داعش والنصرة واميركا وتركيا وكل قرود وكلاب الارض، وعندما أراد السوريون أن تعود هذه الامور اختبئوا تحت طرف لم ينهار من السقف لكنهم وجودوا أن هناك آلهة اخرى تعبد فوقه وعليهم أن يسمعوا كلامهم وإلا سينهار السقف مرة اخرى، ولا يجب عليك أن تنتقدهم أو تتحدث عنهم حتى، ولو انتقدهم سوف ينهار السقف ولا أدري ما سر ارتباط الحرية بوجود الآلهة هذه؟

ارجوكم لا تهددونا بانهيار هذا السقف لأن من حماه وأعاده الى مكانه الطبيعي ليس أنتم، بل هم جنود الجيش العربي السوري، الجنود الذين ناموا بالعراء في حر الصيف وبرد الشتاء، الجنود الذين لهم عشر سنوات ولم يتسرحوا من خدمتهم، الجنود الذين جلكم لا تعلمون ماهو طعامهم أو شرابهم أو لباسهم أو علاجهم، لذلك انزلوا من برجكم العاجي ومن فوق هذا السقف لأنه ليس مكانكم فأنت لستم حماة الوطن بل أنتم من نهب الوطن واوصله إلى هذا المكان، وهو ما تحدث عنه السيد الرئيس بشار الاسد في نهاية العام الماضي عندما أشار لكم وقال أن هناك من سرق الدولة والآن الدولة تريد حقها، لذلك قريبا سوف نراكم تتحدثون عبر الفيسبوك او اليوتيوب لتشكوا اخذ الدولة لحقها منكم وصدقاً وقتها لن يحزن أحد عليكم.

هذه الآلهة لديها الصلاحيات أن تفعل كل شيء متى ما ارادت وأينما ارادت، مثلا أن تطلق قذائف (الآر بي جيه) في الأعراس وأن تدعس من تريد بالسيارات وأن تقتل من تريد بالسلاح المتفلت، الشعب جائع وهم يركبون أحدث السيارات مثل لامبورغيني التي تدخل الى سوريا وهي موديل السنة بالوقت الذي قانون قيصر يفتك بالشعب السوري! بعد الحرب الشعب السوري عرف بعضه عن كثب وازداد تمسكه بإبن الطائفة الآخرى أكثر واصبحت الزواج بين الطوائف أكثر من اي وقت مضى، وبات الشعب يحب وطنه أكثر، لذلك وجود هذه الآلهة فوق سقف الحرية أو سقف الوطن ليس له داعي، ومن يفعل هذه الأمور هو خائن مثله مثل داعش. هذه الآلهة تأمر بعدم التعامل بطائفية وهي أول من يعمل بها والأغاني التي يتراقصون عليها مليئة بالهتافات الطائفية، وهي بداية الفساد ومنتهاه وفي النهاية يخاطبوك بالوطنية. صدقا عندما يتم استئصال هذا الورم الخبيث سوف نهزم قانون قيصر والجهل ونكون رمزاً للنهضة في المنطقة.

هنا يأتي سؤال في عقلي لماذا نحن لانفهم معنى الحرية بشكل صحيح ولماذا نحن ننتقد أي مسؤول حتى قبل أن يصبح مسؤولاً حتى.

هل نحن لانعرف معنى الحرية الحقيقي؟

هل يجب على الدولة أن تبدأ من الصفر في تفسير الحرية ومعناها؟

قبل الحرب كان لدينا وطن وخسرناه في عام 2011، والآن لدينا بقايا إنسان هل ستسمحون له أن يعمر الوطن؟

لاتفقدونا إنسانيتنا بحق الآلهة التي تعبدونها إن كنتم لاتعبدون الله الذي نعبده جميعاً، لأن الله لايأمر بأن تفعلوا ما تفعلونه الآن بهذا الوطن المعطاء.

كاتب واعلامي سوري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. عائلتي سكنت في سوريا قرابة ٣٠ عاما لذالك أقول إنك من القلائل الذين كتبوا الحقيقة٠ المشكلة تكمن في إنتشار الفكر السلفي الوهابي في المجتمغ السوري بفعل سيطرة أنظمة الخليج وتغلغلها الفكري والمادي في جوانب المجتمع السوري الذي يمثل الشيخ العلامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي المثال في الوسطية والأعتدال٠

    اليوم وقد آنكشفت حقيقة دول الخليج وعمالتهم ودور العميل آردوغان راعي الأرهاب في المنطقة أدعوا أبناء الشعب السوري المغرر بهم بالمصارحة والآعتراف بأن ماجرى في سورية ليس إلا خيانه وعمالة لأل سعود وأل ثاني و آل صهيون وأردوغان٠

  2. ,Syrians did not loose their country, only Syrian terrorists lost their caliphate country..Syria is only arab nation that does not bow to the west,

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here