ابراهيم شير: سوريا: لماذا بكيت في المرة الأولى ولم ابك في المرة الثانية؟

ابراهيم شير

في عام 2009 عندما غادرت سوريا للمرة الاخيرة قبل الحرب وبمجرد ان خرجنا من حدود نصيب – جابر مع الاردن شعرت بحرقة في قلبي لانني غادرت وطني وسوف اعود للمغترب مرة اخرى، ووقتها الدموع سقطت لوحدها بدون ان اشعر، وكان لدي شعور غريب شعور ممزوج بين الحزن على السفر والحنين للعودة والفخر بمن يعيش في وطني، لانني كنت اللمس ان كل من في سوريا يحبها بصدق، حتى وان كان فاسدا او لصا او حشاشا او حتى يحمل افكارا تطرفية، فقد كنت اشعر ان الجميع يحب سوريا وان الجميع يعمل لاجلها بحسب رؤويته، وحتى الراقصة في الملهى الليلي ترقص بشغف على اغنية “عندك بحرية ياريس” لان فيها جملة تذكر الوطن او البلد، على عكس رقصها على اغنية البرتقالة وغيرها من الفن الهابط بمثل هذه الاماكن.

في عام 2020 عندما غادرت سوريا في زيارتي الاخيرة خرجت من مطار دمشق بدون اي دمعة، وعندما حلقت الطائرة فوق سماء دمشق لم تدمع عيني ايضا ولكن شعرت بحزن شديد لم اعلم ما سببه، ولكن طوال رحلة السفر كانت هناك فكرة واحدة تراودني وهي لماذا لم ابك عندما غادرت سوريا هذه المرة؟ ما الفرق بين 2020 و2009؟

عندما وصلت الى طهران كانت فترة اجازة عيد النوروز، وكنت لا ازال في اجازة من عملي وبقيت في المنزل لنحو اسبوعين وطوال هذه المدة افكر لماذا لم اشعر باي شعور حزن على مغادرتي سوريا هذه المرة؟ واخيرا استهديت للسبب الرئيسي وهو انني لم ار احدا يحب سوريا بصدق في هذه الزيارة سوى الجيش السوري وضباطه.

في زيارتي الاخيرة وجدت ان سوريا هي عبارة عن قالب حلوى الجميع يقاتل ويحارب من اجل الحصول على اي شيء منه والفرار بما حصل عليه بعيدا، وكل شيء مسموح في هذه المعركة فلا مبادئ ولا اخلاق والغاية قذرة والوسيلة اقذر، وسوريا عند الجميع هي وطن الضرورة المكان الذي يعيشون فيه مجبرين وليس مخيرين، واكاد اجزم ان لا احد يفتح مشروعا من اجل تطوير سوريا والاهتمام بالشارع، فالجميع يعمل من اجل مصلحته، ومن فتح جمعية خيرية معتبرا انها “ساعد” من سواعد المجتمع ليحميه بحسب رايه، تجد في النهاية ان ما يظهره عكس ما يخفيه، واعضاء الجمعية ملفاتهم لا تأهلهم للحديث عن الوطنية او الشرف او النزاهة.

الفساد في سوريا قديم وقديم جدا وربما يكون من التراث الوطني وربما اكون قليل اصل لو تحدثت عن محاربته والقضاء عليه. فالفساد من طقوس المجتمع السوري لاننا نحن واباءنا واجدادنا واهلهم تربينا وترعرعنا على الفساد، ولكن الفاسد كان لديه حس وطني، كان يرسل امواله الى سويسرا والمانيا وفرنسا ولكن يبقي جزءا مهما منها في الداخل ويقوم بمشاريع وطنية، اما الان ماذا؟

اذا سوريا تحولت الى وطن الضرورة ووطن الحنين الى الماضي ووطن الا افق في الوقت الحالي على الاقل، ولكن في اخر هذا النفق المظلم يوجد نور كبير وهو الجيش السوري. اكاد اجزم ان الوطنيين الوحيدين الذين قابلتهم في اجازتي هم عناصر الجيش وضباطه، ولكن هل تمت مكافئتهم؟

بعد نحو عشر سنوات من الحرب لا يزال هناك عساكر لهم في الخدمة عشر سنوات واعمارهم تجاوزت الـ38 عاما دون اي بصيص امل لتسريحهم. اضافة الى ان رواتبهم ضعيفة وتكاد لا تسمن ولا تغني من جوع، فهل هكذا تتم مكافأة من خدم الوطن بصدق وامانة ودافع عنه؟ هل هكذا تتم مكافأة من قدم شبابه للبلاد ولم يهرب؟

الجنود وصلوا الى مرحلة متعبة نفسيا وروحيا، وبات التسريح امرا وطنيا ملحا جدا في هذا الوقت العصيب، لان التسريح سوف يحرك الاقتصاد الوطني لانك سوف ترفد سوق العمل بشباب كان قبل سحبه الى الجيش عاملا وفلاحا ومدرسا وطبيبا ومهندسا، اضافة الى ان التسريح سوف يحرك عجلة التقارب الاجتماعي بين العوائل بسبب زواج العساكر الذين باتوا فوق الـ35 عاما ولم يتزوجوا بعد، وسوف تحافظ على الترابط الاسري في العائلة الواحدة، لان هناك عشرات الالاف من الجنود الذين تركوا زوجاتهم وابناءهم وهم في الجيش الان. من حق الجنود علينا الان ان نطالب لهم بالتسريح بعد كل ما قدموه وربما مقترح تسريح من تجاوز الـ30 او تجاوزت مدة خدمته الـ5 سنوات هو المقترح الجيد وهذا حسب رايي وانا اعلامي مدني، والراي الاخير للقيادة العسكرية التي هي اعلم مني بهذه التفاصيل، ومن حق جنودنا علينا ان نطالب لهم بتسريح  كريم وهذا الامر يكون عبر المطالبة ايضا بمبالغ مالية تكون تعويضا لهم عن ما فقدوه من زهرة شبابهم وهم في الجيش، او منازل او اراض او سيارات، المهم تكون تعويضات تليق بما قدموه ويقدموه للوطن، لاننا بالواقع لن نستطيع ان نعطيهم ولو مقدرا واحد بالمئة مما قدموه لهذا الوطن.

الجنود والضباط هم الامل الوحيد في اعادة الحياة الانسانية الى سوريا لانهم خدموا على ارضها من شمالها الى جنوبها ومن شرقها الى غربها، وعرفوا قيمة الارض وحبة التراب الواحدة، لذلك الوطن باق لانه في حمايتهم، وهذا الوطن سوف يعمر وسوف يكون افضل مما هو عليه الان اذا تم تسريحهم لانهم يعلموا جيدا قيمته وقيمة الاستقرار ومصاعب الحياة العسكرية.

وليعذرني الاخوة المصريون لانه لو كان جندنا الان في زمن النبي لاستحقوا هم لقب خير أجناد الارض.

كاتب واعلامي سوري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

10 تعليقات

  1. مقال ممتاز الله يحمي سوريا وجيشها البطل. واتمنى إن ينشىء صندوق لجمع التبرعات للمحتاجين من هؤلاء الإبطال

  2. حمى الله الجيش العربي السوري و رحم شهداء سوريا الغالية..يستحقون المكافآت ليس من القيادة السورية الشجاعة فحسب ، بل ومن روسيا والصين أيضا (ومن كل الشرق) الذي أنقذهما هذا الجيش البطل من السقوط لو سقطت سوريا لا سمح الله..

  3. نبوس أقدامكم أيها الجنود البواسل في الجيش العربي السوري. لكم المجد والخلود في التاريخ. ياحمات الدين ولإرض والعرض. ونحن نعاني مثلكم فأصبروا وصابروا ورابطوا والله معكم. وستجنون ثمرة نضالكم وصمودكم. أن شاء الله قريبا.

  4. شكرا كتير الك استاذ لطرح مشاكلنا بدنا حل لمشكلتنا بالتسريح

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here