ابراهيم شير: الشمال السوري.. اتفاق اميركي تركي غامض ولدمشق حسابات أخرى

 ابراهيم شير

خمس ساعات من المباحثات بين مايك بنس نائب الرئيس الاميركي دونالد ترامب ووزير الخارجية مايك بومبيو من جهة، والرئيس التركي رجب طيب اردوغان من جهة اخرى كانت كفيلة بانتاج اتفاق غامض وهزيل وغير متناسق حول الشمال السوري، الاتفاق نص على وقف أنقرة لعملياتها العسكرية في سورية لمدة خمسة ايام مقابل انسحاب المقاتلين الاكراد من المنطقة. ولفت بنس الا ان واشنطن تلقت ضمانات من الوحدات الكردية بان تقوم بانسحاب منظم. ليخرج بعده وزير  الخارجية التركي مولود تشاويش اوغلو ويوضح اكثر الاتفاق ويؤكد أن بلاده اتفقت مع الولايات المتحدة على ان القوات التركية هي التي ستسيطر على المنطقة الآمنة في سورية. وانه تم الاتفاق مع انقرة على جمع الأسلحة الثقيلة من وحدات حماية الشعب الكردية وتدمير مواقعها. ولفت في نقطة بالغة الاهمية والغموض في وقت واحد وهي ان الهدف أن تمتد المنطقة الآمنة لعمق اثنين وثلاثين كيلومترا في سورية من شرق الفرات وحتى الحدود العراقية.

ما يدفعنا لنتأكد بأن هذا الاتفاق غامض وغير واضح المعالم وقد أكّد على عدة أمور ابرزها: ان جميع بنوده هي ما تريده

أنقرة وتطالب به قبل ان تبدأ عمليتها العسكرية في الشمال السوري، إضافةً الى مدّته ، حيث استغرق هذا الاتفاق الذي هو مطلب تركي خمس ساعات ، فلماذا كل هذا الوقت في الاجتماع؟ وذلك الى جانب ان الولايات المتحدة صرحت بأن الاكراد وافقوا على هذه الشروط والانسحاب، دون أي بيانٍ رسميٍ من قبل قسد او غيرها من الفصائل الكردية، ولو فعلا وافقوا فلماذا دخلوا في هذه الحرب من الأساس؟ إضافة الى انّ هذا الاتفاق متناقضٌ في الكثير من البنود فمثلاً بنس قال ان تركيا قدمت ضمانات بأن لا تقوم بعمل عسكري في عين العرب، إلا أن انقرة نفت ذلك تماماً.

الاتفاق بين الجانبين تجاهل جميع اللاعبين الرئيسيين في الساحة السورية، وكأنّ هذه المنطقة بدون قيادة شرعية لها معترف فيها في المحافل الدولية، إضافة إلى أنه تجاهل روسيا وإيران الضامنتان لمسار أستانا الذي تعترف به تركيا رسمياً، وبالإضافة أنّ موسكو هي ضامن للاتفاق بين الأكراد والدولة السورية، فكيف الكرد يوافقون مع واشنطن على هذا الاتفاق ويتجاهلون الروس الذين قدّموا واسطتهم من اجل تخفيف العملية العسكرية ضد الأكراد ودخول الجيش السوري ليكون هو حائط السد أمام التقدم التركي في الشمال السوري؟؟.

التحليل الدقيق هو أن هذا الاتفاق مبنيٌّ على قسمين ، الأول ما خرج للصحافة وللعلن، أما الثاني فهو سرّي وتحت الطاولة ربما ينص فعلا على انسحاب المقاتلين الأكراد ولكن المقابل هو انتشار للجيش السوري في المناطق التي وصل لها والنقاط التي تمركز فيها لاسيما القريبة من الحدود، وتقوم القوات الروسية بدوريات عسكرية مع الاتراك على طول هذه الحدود، مع ضمانات بتهيئة الارضية لعودة من يريد من اللاجئين السوريين في تركيا الى هذه المنطقة.

هذا التحليل يصحّ إذا تم الاتفاق فعلاً، إلا أنه من المرجّح أن لا يستمر لاسيما وأن الأكراد باتوا الآن في مركز قوة بعد وصول الجيش السوري لهم هذا من ناحية، أما من ناحية اخرى أنقرة وبعد نحو اسبوع لم تحقق اي تقدم ملحوظ في المنطقة وهي تسيطر على بضعة قرى فقط على الحدود، ومدن صغيرة مثل رأس العين التي صمدت امامها ولم تستطع دخولها، وبالتالي تركيا هي من يأمل بأن يتم هذا الاتفاق، لانه بحسب الواضح لن تتمكن من تحقيق أهدافها عسكريا.

ترامب حاول التعجل بالاتفاق للهروب من ضغوطات الديمقراطيين والجمهوريين ضده بخصوص طريقة تعاملها مع هذا الملف والهجوم التركي، لذلك سعى لهذا الاتفاق ليظهر لهم بأنه يستطيع إيقاف العملية متى يريد، ولكن فعليا ترامب لم يجلب موافقة رسمية من الوحدات الكردية على الاتفاق ليبقى غامضاً بدون اي رؤية لنجاحه وفق هذه الشروط.

الدولة السورية ترفض الاتفاق جملة وتفصيلا وترفض الدول الموقعة عليه ايضا، لذلك لها حساباتها الخاصة المبنية على ضرورات المرحلة لاسيما بعد ان دخل الجيش وانتشر في العديد من المناطق الرئيسية في الشمال السوري، لذلك لن تقبل باي صيغة كانت تهدد وحدة البلاد، ولذلك ستلجأ لجميع السبل المشروعة لحماية هذه الوحدة، وبالتالي هذا الاتفاق هو حبر على ورق بصيغته الحالية.

كاتب واعلامي سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here