ابراهيم الفقيه: البساطة والصدق والتشويق في رواية صبحي فحماوي “قاع البلد”

ابراهيم الفقيه

شهدت الرواية العربية في الأردن في المرحلة الأخيرة تطوراً فنياً ملحوظاً إذا ما قيست بالفترة السابقة، إذ استطاعت أن تحمل نبض إيقاع الحياة الجديدة بمختلف تحولاتها الصعبة، وغدت تحمل ينابيع ثرة ترفد نهر الرواية العربية، فسار متدفقاً معطاءً يُبشّر بمستقبل كبير لهذا الفن الروائي الذي أصبح ديوان العرب الحديث.. واستطاع بعض الروائيين مثل المهندس صبحي فحماوي ، منذ روايته الأولى “عذبة” وحتى روايته العاشرة “قاع البلد” بالإضافة إلى مجموعاته القصصية الثمان، ومسرحياته السبع، وكتابيه النقديين حتى الآن والكتب النقدية الصادرة عن أدبه، ولوج عالم الرواية بخطى واثقة، فجاءت أعماله حادة قوية الإبداع تكشف قتامة الواقع المرئي والهواجس المنشودة، إذ رسم لنا معادلة قائمة بين الواقع والمُخيّلية الروائية، فحملت أعماله الروائية المواجهة والمكاشفة بجرأة وبدون تزييف للواقع أو مبالغة، حتى أصبح في مصاف كبار الروائيين العرب.

استطاع صبحي فحماويمن خلال رواياته أن يتتبع مراحل معاناة الشعب الفلسطيني، فكشف عن أدق الخصائص في مجريات المعاناة، ومراحلها التاريخية، ابتداء من الهجرة الأولى والرحيل والمنفى، وحتى الاغتراب الأخير داخل الوطن.

وتجيء رواية (قاع البلد) لتكشف عن حالة الاغتراب بكل أشكاله السياسية والثقافية والاجتماعية التي يعاني منها الإنسان الفلسطيني في الشتات، وبخاصة ونحن نعيش مرحلة تحمل نبض الإيقاع السريع للحياة بكل تحولاتها العميقة، متوهمين أننا نعيش على وجه الأرض، وننسى أننا نعيش في القاع ونتنفس الروائح الكريهة والعفنة في متاهات الضياع والظل.

يُدخل الروائي عمله هذا من باب فندق شعبي بسيط وسط قاع مدينة عمان،يضم في إحدى غرفه سريرين، ينام على أحدهما طالب طب “سامي الناظر” يدرس في جامعة الأزهر، وينتظر مصروفه من والده المحاصر تحت سلطة الاحتلال في الخليل، ليعود إلى القاهرة ويتابع دراسته.. بينما يحتل السرير الآخر أحد نزلاء الفندق ويدعى “الهربيد”، فتجمعهما الغرفة لعشر ليال يتحدث فيها الهربيد عن قصة حياته التعيسة.. والهربيد رجل ثلاثيني العمر، ابن صاحب أغنام من بدو شرق بيت لحم، أنهى دراسته الثانوية في بيت لحم، وعارك الحياة وعركته، لكن الظروف غدرت به بعد حرب حزيران عام 1967م، ففي ما كان والده يجمع أغنامه الهائمة،غرق في مستنقع مائي ضحل فاكشفه ابنه  الهربيد متأخراً وهو في لحظات غرقه الأخيرة، إذ كان ينظر إليه دون أن يستطيع أن يمد له يد العون لإنقاذه.. مما دفعه بعد هذا الضياع إلى شرق البحر الميت ليستقر في عمان، يبحث عن لقمة الخبز في قاع البلد.. ومنذ الليلة الأولى نرى سيطرة شخصية هذا الهربيد على الطالب الجامعي صغير العمر، إذ يجبره على القيام في منتصف الليل من نومه ليشاركه الطعام والشراب بحكم الجيرة في غرفة الفندق على سريرين متجاورين.. كشأن سطوته في السوق على باعة البالة.

ومع أن سنوات طويلة مرت على تلك الأحداث، إلا أن السارد يخبرنا بصراحة متناهية أن سارد الرواية سامي الناظر جمع تلك المعلومات أثناء دراسته في الجامعة عام 1968 تقريباً، وأنه بعد هذا العمر ما زال يذكر أحداثها بالتفصيل.. إلى أن جاء الوقت الذي جعله (يبق) البحصة، “كما قال”، ويقرُّ بما كان يُفجِّرُ مكنونات صدره من عالم مدهش مع ذلك الهربيد، الذي أجبرته الظروف على مرافقته لليال عشر في الفندق.

        تجيء رواية (قاع البلد) لتكشف عن حالة الاغتراب بكل أشكاله السياسية والثقافية والاجتماعية التي يعاني منها الإنسان العربي داخل الوطن العربي الكبير وخارجه، ومثل هذا العمل يعتبر سجلاً أميناً لمسيرة مرحلة التيه التي عانى ويعاني منها الإنسان العربي عامة، والإنسان الفلسطيني خاصة.

فالرواية ترصد حركة الشخوص الذين شاركوا بطل الرواية أحداثها، ويتجاوز عددهم أكثر من عشرين شخصية، وهم الذين صنعوا أحداثها ومشاهدها وفصولها، رغم أن الشخصيتين المحوريتين الأساسيتين هما الهربيد والطالب الأزهري سامي الناظر، الذي لا ينفك يستمع ويستدرك أحداث ماضي الهربيد ويعلِّق عليها، لدرجة أنه  فيما بعد راح يستدرج الهربيد ليتابع حكايته التي تخزنت أوصالها في مخيلته، فكان محاوراً أصيلاً، وكأنه صحافي يستل الحديث من الشخصية المحورية الأساسية..

 ومع أن القارئ يشعر أن كلَّ شخصية في هذا العمل تغادر الدلالة البؤرية، وتختفي بعد دورها المعد لها سلفاً.. إلا أن بعض هذه الشخصيات سرعان ما تلتقي مع المحور الرئيس، وتشكل بنية مركزية، وسأقف عند بعض شخوص هذه الرواية، لأترك للقارئ حرية الحركة مع بقية الشخوص ومعايشتهم في أفراحهم أو معاناتهم، إذ لا يمكن في هذه العجالة أن أقف عند جميع الشخوص،

فالهربيد ، شخص الرواية الرئيس، يحلم بعمل ما يعيده إلى مسقط رأسه بعد حرب الأيام الستة التي شردت الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني، كما شردت أسرته، وضيعتها في الصحراء مع أبيه وفقدان أغنامه وحتى الدته، التي راحت تبحث عن مأوى لها عند أحدهم، ترعى وتحلب وتجبّن حليب أغنامه.. وينتهي المطاف بالهربيد على مفترق طرق في شوارع عمان وسط قاع البلد عند سقف السيل، ينام في مغارة أبو غليون ويعمل عتالاً في سوق الخضار، لكن عمله هذا جلب له هماً أكبر من همومه بعد أن ضاجعته امرأة  جميلة ذات صباح لعدة ساعات، وبعد أن قضى معها وتراً، شعر بخيبة أمل تورطه في مهنة عتالة السوق وهو خريج مدرسة بيت لحم  معروض عليه أن يكون معلماً ولكن تسونامي الهزيمة هزمه من بلده، فدفعته مضاجعة الجميلة للتفكير في مستقبله من جديد، والبحث عن كرامته، وهذا ما دفعه للانتقال إلى سوق البالة ليعمل عند أبو نجيب الجبالي، بصفته كبير تجار البالة.. ورغم تحسن أحواله المادية والمعيشية، إلا أنه وجد نفسه يرافق المشردين والمتسكعين في أنصاف الليالي.. فهو أمام أمرين إما أن يقبل بحياة التشرد بعذاباتها أو ينصاع  لفكرة الشهادة على جسد الوطن، أمران أحلاهما مرّ.

في الرواية يتعرف القارئ على مجتمع القاع بما يحويه من عفونة القوادين والقوادات والعاهرات، كما يتعرف على شيخ  الدين محسن لهلوب الرجل المزواج الذي يدّعي الطب والعلاج بالسحر والشعوذة.

أما السارد – الطالب الأزهري، فإن ذاكرته لا تغفل عن شيء وهو يُعلّق على الأحداث ويثير التساؤلات عن الأوضاع ويتابع مسيرة الهربيد، إلى أن يقرأ خبره في صحيفة الأهرام، بعد أن قام الهربيد بعملية فدائية مع فدائ وفدائية ابتدأت باحتجاز ركاب باص من الإسرائيليين في مدينة العفولة، ومطالبتهم بتحرير الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية.

ومع أن هذه الأحداث متفرقة إلا أن جميع الشخوص يجمعهم “قاع البلد” عمان، ليشكلوا معزوفة الحياة على طريقتهم الخاصة.. فقد تركهم الروائي يعبّرون عما في دواخلهم من إحباط وتمزق وهزيمة واغتراب ومرارة وصمود، وظل شاهداً محايداً مراقباً واعياً على نبض إيقاعهم ومكنوناتهم، وكأن القارئ يعيش معهم في حركاتهم وهواجسهم ونوازعهم داخل مجتمع القاع.. وكأن البطولة جاءت جماعية وليست فردية، ففي الرواية نجد الشخوص كلهم يحتلون الرواية مع السارد الدكتور سامي الناظر ، ويٍسيرون معه جنباً إلى جنب في البطولة الجماعية، مما يدفع القارئ إلى متابعة كل شخصية وكأنها الهربيد بطل الرواية.. ولعل هذا الأسلوب في هذه الرواية أعطاها شيئاً من المرونة والتفاعل والإخصاب بين الأحداث والشخصيات.

خصوصية المكان: تدور أحداث هذه الرواية في مكان مفتوح يمتد داخل عمان، وفي قاع البلد تختلط الرؤى والمفاهيم، وعلى الرغم من صفاء المكان إلا أن الغبار يغبش الرؤيا ويدفع الراحلين عن أوطانهم للتعلق بما بقي لهم في ظلال رؤيتهم من بيوت حجرية حضارية جميلة، أو حتى بيوت الشَّعر البدوية، يتطلعون بشوق للعودة إليها..

 ولعل الإشكالية التي عالجتها الرواية هي تضادية المكان، فبين المغتربين والمكان علاقة عداء وتوجس وخوف دائم، فلم يكن هناك توحّد وانسجام، بل هناك معاناة وقلق وهواجس، فهم يعيشون الغربة بنوعيها النفسي والواقعي، فالمكان ليس مجرد مكان ساكن ليس له أية ضرورة، فهو يمتد مع الأحداث والزمن والشخصيات، وكل شخصية لها قضيتها الأساسية تنطلق من زمان ومكان.

 وإذا كان المكان في العمل الإبداعي يجسد عبقرية الإبداع، فإن الرواية الحديثة ما عادت تتعامل مع المكان على نحو ما تعاملت به الرواية التقليدية، لهذا نجد أن الرواية الحديثة اتخذت من المكان مظهراً خفياً، ولا تقدم إلى القارئ صورة واضحة شاملة عن معالم المكان ورسم حدوده بالمفهوم الجغرافي وتطمس معالمه، أما الروائي صبحي فحماوي فقد تعامل مع المكان بوعي، وعني بتصوير ملامحه وامتداده وشسوعه، واستحضار موصوفاته التي اندثرت منذ زمن بعيد، مثل مغارة أبو غليون، الملتجئة إلى سيل عمان،  وأرصفة بيع البالات، والجبال المحيطة بقاع البلد، فلذلك كان طائعاً في امتداده واتساعه حيثما اتجه، فشكّل جغرافية المكان الأدبية دون الوقوع في شراك تفاصيل جغرافية المكان الحرفي، وكان الدكتور الناقد عبد الملك مرتاض محقاً في نظرية الرواية عندما قال: “الروائي المحترف هو الذي يستطيع أن يتعامل مع حيّزه تعاملاً بارعاً، (ويقصد بالحيز المكان)، فيتخذ منه إطاراً مادياً، يستحضر من خلاله كل المشكلات السردية الأخرى مثل الشخصيات والحدث والزمان.. إنه خشبة مسرح واسعة تعرض من خلالها أهواءها وهواجسها ونوازعها وعواطفها وآمالها وآلامها.. إذ تحب إن أحبت، وتكره إن كرهت من خلال المكان، فلا تستطيع الشخصيات في تعاملها مع الأحداث، فعلاً أو تفاعلاً، أن تفلت من قبضة هذا الحيز، كما أنه يمثل في مألوف العادة، طائعاً لها يمتد إذا مددته، ويتسع إذا وسعته، ويتجه أنّى وجّهته”.انتهى الاقتباس.

الاغتراب في الرواية: لا يستطيع الدارس لهذه الرواية أن يتخطاها دون أن يقف عند إشكالية الاغتراب التي تعاني منها شخصيات هذه الرواية، على مختلف تناقضاتهم ومواقعهم وأدوارهم، وأخص بالذكر هنا الهربيد والسارد  سامي الناظر، تكشف لنا عن هذه الإشكالية بأبعادها المختلفة، وكأن هذه الإشكالية صراع يتمثل بين إرادتين، إرادة تملك ولا تعمل ولا تعرف، مُغّيبة عن الواقع عن قصد أو غير قصد.. وإرادة لا تملك وهي تعمل وتعرف، وتصارع من أجل الحياة، وهي صاحبة رؤيا ممتدة.. لذا نجد الذين لا يملكون هم الذين يركضون ويتنقلون ويرحلون وراء رغيف الخبز المغموس بالغبار والملح ورائحة العرق، وتراهم أوفياء لجذورهم وأصولهم ومنابتهم الأصيلة، كما كشفت الرواية عن جوّانيتهم الطيبة.. فأبو غليون الذي يعيش في مغارة على سقف السيل ينصح الهربيد بالعمل عتالاً بدل أن يتشرد ويسرق ويعيش في الحرام، ف “العمل مش عيب يا ولدي.. الشحادة أو السرقة هي العيب”. كما جاء على لسانه ص 54

مفهوم الجنس في الرواية: وظّف الروائي صبحي فحماوي الجنس في الرواية توظيفاً فنياً موفقاً، بعيداً عن الإثارة المكشوفة، فجاءت المشاهد في ثنايا الفصول طبيعية، ليعبّر عن واقع معاش بإحكام فني، ويكشف عن الواقع المتناقض، فيمتزج الواقع المرئي والمتخيل، بما فيه من قهر واستلاب، وبما يمور من حب وجنس، معرباً عن التناقض بين الممارسة في الظاهر، والممارسة المتخفية وراء أحجبة الأقنعة.. حيث تشتم روائح الأجساد في غرف الصفيح وهي ظامئة ومستنزفة، وتفوح منها أبخرة الحرام في أتون الليل، فتختلط رؤاهم ورؤياهم في غبش أحلامهم.. ويضيف إليها المغزى الكلي من بناء عمله الإبداعي، من إضاءة وتعتيم وظلال ورموز، متسق مع الحدث والهدف.

ولا يستطيع القارئ إلا أن يقف عند ثلاث قضايا تكمن في هذه الرواية..

أولها: بساطة العرض والإقناع، يرفد ذلك كله ذاكرة قوية وحساسة، لا تغفل عن أبسط القضايا الصغيرة بتدرج ونمو منطقي لمسار الأحداث التي أعادت ذاكرتي إلى واقع تلك الحقبة التي عشتها وعايشتها بأدق تفاصيلها.

أما القضية الثانية: فهي الصدق الفني، كاشفاً عن مساحات الظل بذكاء ودقة وكثافة وعمق، مستنطقاً دواخله دون أن يخسر الحقيقة النهائية أو الكاملة، بكل معطياتها، كما اتسمت الرواية بالصدق الواقعي والرؤية الواقعية، وهما علامتان بارزتان في حقلها.

أما القضية الأخيرة، فهي عنصر التشويق الذي اتسمت به الرواية منذ سطرها الأول إلى منتهاها، واستطاع الكاتب التنقل من ليلة إلى أخرى، ومن مشهد إلى مشهد، ومن صورة إلى صورة دون خلل أو توسّع أو ورم أو تدفق في الحوار، غنية في أبعادها ومضامينها، ومنساقة في لغتها كانسياب النهر في مجراه، مما جعل القارئ يقيم علاقة توحد وانسجام بينه وبين شخوص هذه الرواية، وكأنها مرآة تعكس الواقع المعاش في نقل تفاصيل حياة المغلوبين على أمرهم، يتفاعل معهم ويشاهدهم بأم عينيه.

ولعلي لا أبالغ في القول أن رواية “قاع البلد” رواية متعددة الأصوات والأبعاد وهي تنقل القارئ من الماضي إلى الحاضر ومن الحاضر إلى الماضي، وتسجل كل تفاصيل قاع البلد من أمكنة وشخوص وأحداث بدقة متناهية، وأن الروائي صبحي فحماوي في هذه الرواية يقف عند مفترق طرق ذات أبعاد مدهشة ومثيرة، فقد استطاع أن يكشف عوالم خفية من حياة الراحلين إلى أرض قاع البلد، وما يكتنف أرواحهم من غربة ومعاناة ومكابدة، فكشف الغطاء عن كل ما هو خاف من بوح الحكايا المتخثرة والمكبوتة في ذاكرة الهياكل المغتربة، واختزان غموضهم وأسرارهم وأحلامهم، واختلاط رؤاهم والزخم الهائل من تداعيات ذكرياتهم المهشمة وصباحاتهم المسفوحة بالواقع، ومساءاتهم الباهتة، ورفضهم المستحيل كصدى الصراخ في الكهوف المهجورة.

ابراهيم الفقيه- عمان- روائي وناقد.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here