ابراهيم ابوعتيله: أكراد سوريا بين حلم الدولة أو دولة الفدرلة أو الإندماج الوطني

ابراهيم ابوعتيله

في بداية بحث هذا الموضوع الهام لابد من استعراض ما يلي :

  • يتوزع الكرد بشكل رئيسي بين أربع دول ( تركيا ، ايران ، العراق ، سوريا ) أكثر من نصفهم في تركيا وبعدد يصل إلى ( 20) مليون ، فيما تبلغ أعدادهم في الدول الثلاثة الأخرى ( 8-10 ، 6-8 ، و 1.5 -2 مليون ) في كل من ايران والعراق وسوريا على التوالي ، ولا يوجدد احصاء حقيقي لعددهم آخذين بعين الاعتبار إمكانية تنقلهم بين الدول الأربعة لغاية أولأخرى بين الحين والآخر .

  • تشير المعلومات التاريخية بأن تواجد الكرد ولو كان أصيلاً في كل من تركيا وايران إلا أن وجودهم في العراق قد بدأ بعد الحرب بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية في القرن السادس عشر ، أما في سوريا فقد بدأ وجودهم قبل اقل من مائة عام حين قدموا إلى سوريا بصفة لاجئين على أثر فشل ثورة قائدهم في تركيا سعيد بيران سنة 1925 .

  • لم يسجل التاريخ قبل الحرب العالمية الثانية أي دولة للكرد فقد كانوا قبائل متناثرة لا يوحدهم شيء ، إلا أنه بعد الحرب العالمية الأولى وعدتهم بريطانيا ” العظمى حينذاك ” بدولة في اتفاقية سيفر سنة 1920 إلا أنها عادت وتراجعت عن وعدها في معاهدة لوزان سنة 1923 .

  • بدعم من ستالين قام الكرد بإعلان دولة مهاباد الكردية في شمال غرب ايران بقيادة قاضي محمد ومصطفى البرزاني سنة 1946 وهي دولة استمرت ( 11 ) شهراً وبدعم سوفييتي ( من ستالين ) كامل من أجل تقسيم ايران وضرب حليف امريكا فيها إلا أن إصرار شاه ايران على أمريكا للضغط على السوفييت أدى إلى إنهاء هذه الدولة وإعدام قاضي محمد وفرار مصطفى البرزاني إلى العراق سنة 1947 .

  • وبدعم من الصهاينة قام مصطفى البرزاني بشن حرب عصابات في العراق سنة 1961 من أجل خلق كيان مستقل للكرد انتهت بمنح الأكراد حكماً ذاتياً سنة 1970 …. إلا أن الحرب تجددت في عامي 1974 – 1975 وانتهت بفشل الأكراد بإقامة كيانهم .

  • استمر الوضع في العراق على ما هو عليه بتمتع الكرد بالحكم الذاتي حتى جاء العدوان الثلاثيني على العراق حيث تحالف الكرد تحالفاً مباشراً مع قوات العدوان الأمريكي … ونتيجة لذلك قام الاحتلال الأمريكي ومن تحالف معه من المعارضة العراقية ” غير الواعية ” باعتماد دستور ” بريمر ” الذي اعلن العراق دولة فيدرالية تمتع فيها الكرد بإقليم له حكومته وبرلمانه وله من الصلاحيات في تسيير الشؤون الشيء الكثير ( كيان شبه مستقل يرتبط بالحكومة المركزية ).

  • وبعد ظهور ” داعش ” واحتلالها أجزاء كبيرة من شمالي العراق ، قام الكرد بمحاربة الدواعش اسفرت عن الاستيلاء على كركوك ومناطق واسعة من محافظتي نينوى وديالى سنة 2014 ، وقرر بعدها مسعود البرزاني تنظيم استفتاء بهدف انفصال إقليم كردستان العراق عن الدولة المركزية في بغداد وإعلان الإقليم كدولة كردية مستقلة ، وبدعم مباشر من الصهاينة الأكثر حماساً لإنشاء الكيان الكردي تم تنظيم الاستفتاء سنة 2017 رغم رفض الحكومة العراقية المركزية وكافة دول الإقليم والغالبية المطلقة لدول العالم ، ورغم نجاح البرزاني في الحصول على موافقة الكرد بالإنفصال ، إلا أن حلمه لم يتحقق.

وبعد ، ومع بداية عام 2012 وكما استغل البرزاني في العراق حربه مع داعش والاستيلاء على مناطق واسعة اتبعها لإقليم كردستان العراق وهو مناطق لم تكن فيها أغلبية كردية في أحد الأيام ، وبالنظر لإنشغال الجيش العربي السوري بمقاتلة الإرهابيين الذين غزوا سوريا بدعم امبريالي امريكي صهيوني كردي اخونجي وبتمويل من البترودولار العربي ، وبدعم مباشر من الكيان الصهيوني ومن الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق ، قام الكرد في شمال شرق سوريا بمحاربة الدواعش والاستيلاء على مناطق واسعة في شمال شرقي سوريا تحت مظلة ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية وبذراعيها الأساسيين قوات حماية الشعب الكردي وقوات حماية المرأة الكردية ، وعلى الرغم بأن نسبة الكرد في تلك المنطقة ” شمال شرقي سوريا ” لا تتجاوز ال 15 % إلا أطماع الكرد في إعلان كيان لهم جعلهم يستقلون في كثير من الحالات عن دمشق ، بل ويعارضوها هادفين تحقيق حلم الدولة والتوسع في ذلك بحيث يشمل كل منطقة غرب كردستان ( شمال شرق سوريا ) ، ولعل الدعم الرئيسي للكرد ياتي من أمريكا والكيان الصهيوني وعناصر الاستعمار القديم من فرنسا وبريطانيا مستخدمين البرزاني كقناة رئيسية في تمويلهم وتسليحهم وتدريبهم متناسين في ذلك تجاربهم السابقة وفشل البرزاني نفسه بالاستقلال ، ومتناسين رفض المجتمع الدولي وتعارض هذا الكيان مع دول الإقليم وتناقضه الكبير مع وحدة الأراضي السورية المدعوم عالمياً سواء بالدعم الفعلي كما هي حالة روسيا وايران أو بالدعم اللفظي كما نسمعه من وسائل الإعلام على لسان دول العالم المختلفة ، ومما يجدر ذكره بأن تركيا وعلى الرغم من دعمها لإرهابيي العالم لضرب الدولة السورية إلا أنها تعارض بقوة إنشاء كيان كردي مستقل في الشمال السوري بالنظر وببساطة مطلقة لما يمكن أن يؤثر فيه هذا الكيان على وحدة تركيا من خلال تنمية الشعور القومي الكردي في تركيا التي لم تعترف بالكرد كقومية وكانت تسميهم ” أتراك الجبل” .

وبعد العدوان التركي المباشر على سوريا وغزوها لشمال شرق سوريا التي أعلنها الكرد منطقة خاضعة لهم ، وبعد لجوء الكرد وقوات ” قسد ” إلى االدولة السورية للدفاع عنهم ، وبعد دخول الجيش العربي السوري إلى مناطق واسعة من المناطق التي يسيطر عليها االكرد ، الأمر الذي أثبت بأن خيار إقامة كيان مستقل للكرد في شمال شرقي سوريا خيار محكوم عليه بالموت قبل أن يولد .

ومن هنا فإن الخيارين الآخرين يستحقا التوقف عندهما وهما :

  • خيار الفدرلة : وهو الخيار الذي قد يتبناه الكرد في المرحلة القادمة كتعويض عن إقامة الكيان الكردي وذلك تقليداً للإقليم الكردي في شمال العراق ، وهنا سيلقى هذا الخيار دعماً صهيونياً مؤكداً ودعماً أمريكياً امبريالياً من دول الاستعمار كخطوة افضل من شي .. فموقف دول الاستعمار واضح ،

ولكن المخيف هنا سعي روسيا لتبني مصالحة كردية – سورية فعلى أي أساس ستكون المصالحة … ولعل مصدر الخوف هنا يرجع لمسودة مشروع الدستور السوري الذي اقترحته موسكو سنة 2017 ، تلك المسودة التي عارضتها الدولة السورية حيث أظهرت ردود فعل قوية ضد السلوك والتصرف الروسي فيما يتعلق بمقترح الدستور حينها قامت روسيا وعلى لسان المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بالتعليق على المسودة المقترحة للدستور السوري بقولها ” إن السوريين يقررون كل شيء، وروسيا تتمسك بالموقف الداعي إلى وحدة سوريا العلمانية ” كما أعلنت بأن أن هذا المشروع هو عبارة عن مجموعة أفكار ونقطة انطلاق للنقاش …. فهل تقوم روسيا بإعادة طرح مثل تلك المسودة  خاصة وأن تلك االمسودة اقترحت إزالة التعابير التي تشير إلى عربية الجمهورية السورية حين جاء في البند الأول من المادة الأولى لمسودة المشروع “تكون الجمهورية السورية دولة مستقلة ذات سيادة وديموقراطية ، كبديل عن الاسم الرسمي للدولة وهو الجمهورية العربية السورية ، كما سمحت المسودة بتغيير حدود الدولة عبر الاستفتاء العام ومنحت المسودة الأكراد حكماً ذاتياً حيث نصت المادة الرابعة من المسودة “تستخدم أجهزة الحكم الذاتي الثقافي الكردي ومنظماته اللغتين العربية والكردية كلغتين متساويتين ولعل الأمر هنا متروك ليس للكرد وحدهم بل للدولة السورية واللجنة الدستورية المشكلة …

  • خيار الإندماج في الدولة السورية : أي إبقاء الأمر على ما كان عليه مع تمتع الكرد بالمواطنة الكاملة ومراعاة شؤونهم وتنمية المناطق التي يتواجدون فيها شأنها في ذلك شأن أي شبر من أراضي الدولة السورية … فسوريا دولة متعددة الأقليات وحفظ حقوق الأقليات أمر حافظت وتحافظ عليه الدولة السورية على مدى الأيام فلا فرق بين مواطن وآخر تبعاً لقومية أو دين أو مذهب أو طائفة … ولن يكون لسوريا بالقطع دستور كدستور ” بريمر ” في العراق .

عمان / الأردن

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here