إيهاب زاهدة .. رحلة فنان لا يزال يبحث عن ظلّه في المسرح!

رام الله- متابعات: قلةٌ من يعرفون أن الفنان والمخرج المسرحي الفلسطيني إيهاب زاهدة، الذي يواصل تحقيق الإنجازات تلو الأخرى، كان يعمل في مجال الآلات الموسيقية والسمعية كفني صوت علاوة على تأجيره لهذه المعدات لطالبيها، هو الذي تعذر عليه إكمال تعلم العزف على الجيتار في بيت لحم، بسبب المخاطر على الطرقات ما بينها وبين الخليل، حيث مسقط رأسه وإقامته الدائمة .. ومع الوقت بات يأخذ على عاتقه تنظيم المؤثرات الصوتية المرافقة لبعض الأعمال المسرحية غير المنتظمة، بل إنه كان المسؤول عن التجهيزات الصوتية الخاصة بزيارة الرئيس الشهيد ياسر عرفات إلى الخليل للمرة الأولى، بعد عودته إلى أرض الوطن.. كان ذلك قبل أن يبلغ زاهدة سن العشرين.

ومع الوقت، عُرض عليه الالتحاق بدورات للتكوين المسرحي، والتعليم العملي في الفنون المسرحية مع فنان وخبير هولندي مهّد له ولغيره الطريق من فلسطين إلى أوروبا عبر إقامات فنية لمراكمة الخبرة، والاطلاع على التجارب المسرحية هناك كهولندا، وبلجيكا، وألمانيا، وتخرج ورفاقه من بيت الضيافة في مدينة غزة، بحضور الشهيد الرمز الرئيس ياسر عرفات، بعد أربع سنوات، فكانت نقطة تحوّل بالنسبة له، ليعمل بعدها على تدريب عدد من الكوادر المسرحية في فلسطين.

صعوبات وشغف

ولفت زاهدة في حديث خاص: كانت لديّ على الدوام الرغبة في الاختلاف عن زملائي ممن أنهوا الدراسة الثانوية وانطلقوا في تعلم الطب والهندسة والعلوم المالية بتنوع تخصصاتها .. كنت أبحث عمّا يمكنني من التعبير عن نفسي .. ولكن كانت الظروف صعبة للغاية في ذلك الوقت.

واستذكر: كان عليّ العمل إلى جانب التعليم، وبالفعل عملتُ خلال فترة تعليمي في مجالات عدّة لتأمين مصاريف الإقامة الفنية، ومع ذلك، ورغم ضغوط الحياة، قمت ورفاقي في ذات البرنامج التعليمي بجولات مسرحية كثيرة في إطار هذا البرنامج التعليمي لمؤسسة “أيام المسرح” الهولندية الفلسطينية .. كان من بين أوائل هذه العرض “كم سعر هذا الحديد؟”، وهي مسرحية تعليمية لبريخت، ومن ثم “المقهى الزجاجي” لسعد الله ونّوس، فيما نزعنا بعدها لجهة التطوير الفني والأدائي على خشبة المسرح، قبل الاختتام بكيفية تطوير أعمال تتقاطع وهموم وتطلعات مجتمعنا المحلي، بحيث تكون مبنيّة على الارتجال، وقدمنا عملين في هذه الإطار .. ومع مرور السنوات، تراكمت الخبرات لديّ ولزملائي حتى بات العديد منّا مخرجين ومدرّسين للدراما ..

كانت أول أعمالي الإخراجية مسرحياً في العام 2003، لمجموعة من الشبّان، بالاتكاء على نصوص مجموعة قصصية لغسان كنفاني، حملت اسم المجموعة “السرير رقم 12″، وما قبل هذه التجربة كنت ممثلاً أو مساعد مخرج أو حتى مراقباً، وطوال هذه السنوات كانت الظروف صعبة، ولكنه الشغف، وهو ما دفعني للتمثيل في قرابة ستة عشر إلى سبعة عشر عملاً مسرحياً ما بين العامين 1997 و2008، علاوة على إخراج عدة أعمال لفئتي الأطفال والشباب، بالإضافة إلى دراسة استكمالية في بولندا متخصصة في قياس الدراما بالمجتمع وأسس فن الأداء والحركة وغيرها العام 2006.

تأسيس مسرح “نعم”

في مطلع العام 2008، بدأ زاهدة رفقة الفنانين محمد الطيطي ورائد الشيوخي بتأسيس مسرح “نعم”، وهو المسرح الأول والوحيد في مدينة بل محافظة الخليل، وهم من عملوا كمجموعة مسرحية ما قبل تأسيس “نعم” على بناء جمهور للمسرح هناك، وفي العام 2013 كان الظهور العربي الأول للمسرح بعرض في مهرجان أيام قرطاج المسرحية.

ولفت زاهدة إلى أن أول من عرف وعرّف عن أعمال مسرح “نعم” عربياً كانت زينب فرحات زوجة المخرج التونسي الكبير توفيق الجبالي، خلال زيارتها إلى فلسطين، حيث عبّرت عن دهشتها لكونها لا تعرف عن أعمالنا من قبل، لاسيما أنها تعرف العديد من الفرق والفنانين في فلسطين، وعملت جهدها لضمان تواجدها، بعد اقتناعها بما نقدمه، في العديد من المحافل المسرحية العربية، فكانت البداية من “قرطاج” العام 2013 .. وفي العام 2014 قدمنا مسرحية “خيل تايهة” للمرة الأولى في مهرجان المسرح الأردني، الذي شكل ولا يزال بوابة للمسرح الفلسطيني لجهة الانطلاق بأعمالنا عربياً، ومن ثم فازت المسرحية ذاتها بجائزة أفضل عمل مسرحي في مهرجان المسرح العربي العام 2015.

وكشف زاهدة: الكثير من أعمالنا المسرحية لم يشاهدها غالبية الزملاء من المبدعين المسرحيين العرب لأسباب عدة أبرزها أننا لم نكن نحظى بالانتشار الملائم عربياً مع أننا لم نكن حديثي الولادة، ولا حديثي العهد بالمسرح كأفراد وفرقة مسرحية .. منذ العام 1997 وحتى اللحظة أواصل العمل في المسرح لإيماني بأنه عمل يومي، وفعل حياة، ودون ذلك لا يمكن للفنان تطوير أدواته، وهو ما من شأنه تأهيله ليكون قادراً على المزيد من العطاء والإبداع والتطور والتجديد.

حكايات البدايات الصعبة

ولا يمكن لزاهدة أن ينسى الكثير أو ربما الأكثر من الحكاية الصعبة التي رافقت بدايات العمل في المسرح .. قال: البدايات كانت صعبة للغاية .. أتذكر أننا، وعندما قررنا تقديم أول عمل مسرحي لنا للكبار، وكان مبرمجاً للعرض في ساعات المساء بالخليل، وعلى الرغم من الحشد الذي قمنا به لم يأت لحضور المسرحية إلا أربعة أشخاص فقط، مع ذلك قدمناه، ولكن شيئاً فشيئاً ارتفعت الوتيرة، وعملنا على التأثير بالمحيطين، ومن ثم توسيع الدائرة بل الدوائر، وهكذا استطعنا أن نصل إلى ما نحن عليه الآن، حيث أننا، وعند إطلاق أي عمل مسرحي جديد، ننظم ما بين سبعة إلى عشرة عروض، لتلبية رغبة الجمهور وتعطشه، خاصة أننا استطعنا، مع الوقت، بناء جسور من الثقة ما بيننا وبين المجتمع المحلي في الخليل، وتعزيز ثقافة ارتياد المسرح لديهم، وهذا ما دفعني لاختيار المسرح سبيلاً للتعبير عن النفس، رغم صعوبة العمل كفنان في مدينة الخليل، التي تعاني أيضاً من استهداف احتلالي واضح، ومن استيطان يتوسع بشكل فاقع وبوتيرة متسارعة، ومن حواجز عسكرية تحول دون وصول جمهور ليس فقط من المدن الفلسطينية الأخرى، بل في كثير من الأحيان من البلدات والقرى القريبة جغرافياً، لكن شعارنا الذي مازلنا نسير عليه هو الإصرار، وأيضاً القناعة.

أكد زاهدة على أنه في أعماله المسرحية الأولى قدم أدواراً نسوية وذكورية قد لا تناسب عمره، منها أدوار لمسنين بينما كان يافعاً، ولكن بعد التعليم والتدريب المكثف بما لا يقل عن ثماني ساعات يومياً، اختلفت الصورة، وبتّ وزملائي نبحث عما هو أفضل، وما هو راقٍ وعميق، فكانت تجربته الإخراجية الاحترافية الأولى العام 2006 في “الحارس” لهارولد بنتر، سبقها عمله كممثل رفقة الطيطي والشيوخي في عديد الأعمال المسرحية التي حققت حضوراً محلياً لافتاً كـ “الولد الماشي”، و”النصف الآخر”، و”المجنون”، و”في المكان”، و”بلا عنوان”، و”الزيارة”، وغيرها، ممن تجاوز عدد عروض بعضها المئة عرض، لتتواصل المسيرة الإبداعية مخرجاً وممثلاً وكاتباً مسرحياً أيضاً، وصولاً إلى “خيل تايهة” و”ثلاثة في واحد” و”نفس المشكلة” و”ألعاب في المخيم”، وأخيراً “بيدرو والنقيب”، والقائمة تطول ..

وحازت هذه الأعمال العديد من الجوائز المهمة عربياً ودولياً، ما أهل زاهدة للمشاركة كمخرج وصاحب فكرة لعمل مسرحي في اليابان، وجسدها زميله الطيطي رفقة تسعة ممثلين يابانيين، وكانت بعنوان “مراية”، وقدمت خمسة عشر عرضاً في طوكيو، وآخر في ساو باولو بالبرازيل كمخرج لمسرحية بعنوان “لا أحد يتذكر” بالبرتغالية.

عضو لجنة تحكيم المهرجان العربي

وعبّر زاهدة عن اعتزازه باختياره كعضو في مهرجان المسرح العربي، الذي يعد أبرز المهرجانات المسرحية العربية، وسبق لي أن شاركت في فعاليات العديد من دوراته، وخاصة مخرجاً لعمل “خيل تايهة” من إنتاج مسرح “نعم” في الخليل، وبمشاركة نخبة من الفنانين الفلسطينيين، وحصدنا الجائزة الأولى كأفضل عمل مسرحي عربي في العام 2014، وهو ما كان ولا يزال يشكل لنا مصدر فخر لتمثيلنا المتواصل للمسرح الفلسطيني عربياً ودولياً، مقدماً الشكر الجزيل للهيئة العربية للمسرح واللجان المنبثقة عنها على هذا الاختيار الذي هو في النهاية تكليف لا تشريف، ومسؤولية كبيرة، وهي أمانة تضعها الهيئة في أعناقنا أنا وزملائي في اللجنة .. “هذا الاختيار برأيي فيه تكريم للمسرح الفلسطيني عامة، ولي على وجه الخصوص، رفقة هذه النخبة من المبدعين العرب أعضاء اللجنة، وهذا يضيف إليّ المزيد من الخبرات، ويعلمني الكثير”، معتبراً إياه تقديراً لما قدمه من جهود على مدار عقود على الساحات المسرحية الفلسطينية والعربية والدولية، لافتاً إلى أن عدداً من المبدعين الفلسطينيين سبق وأن كانوا في لجان تحكيم سابقة للمهرجان كالفنان محمد بكري، والفنان فؤاد عوض، والفنان فتحي عبد الرحمن، معرباً عن أمله بأن يكون التنافس محتدماً ما بين الأعمال المتنافسة على جوائز الشيخ سلطان القاسمي في هذا المهرجان، بحيث تقدم وجبة فنية راقية وعميقة للجمهور في العاصمة الأردنية عمّان، التي تحتضن فعاليات المهرجان.

ظل الفنان

وزاهدة الذي لا يعمل إلا في المسرح، يعتبره ظلّه أو توأمه، مسترجعاً من حديث البدايات كيف كان العمل بداية في قاعة نادٍ رياضي لم تكن مؤهلة بالمطلق لغياب البنية التحتية المؤهلة لاستضافة عروض مسرحية، أو حتى التدريب عليها في الخليل، مستعيداً الخروج “المرعب” له منذ المسرحية الأولى، والقلق المتواصل مع كل عمل جديد، ومع الدخول في موكب السحر الخرافي للمسرح على الخشبة، وفي الكواليس، ومنذ الفكرة الأولى لعمل يكتمل أو لا يكتمل، نحو المزيد من الإنجازات للفنان المسرحي إيهاب زاهدة، الذي يواصل مشواره بتألق تلو الآخر، هو الذي يؤكد أنه لا يزال على مقاعد الدراسة المسرحية، ولا يزال، كما أراه، يبحث عن نبش جديد يؤسس لخطوة أوسع بل قفزة محلية وعربية ودولية في قادم الأيام أو الأشهر أو السنوات، وكأنه لا يزال يبحث في المسرح عن ظله.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here