إيطاليا “الشيوعية”!!

عبد الحسين شعبان

استعدتُ خلال زيارتي الأكاديمية إلى إيطاليا ما اختزن في ثنايا الذاكرة عن اليسار الايطالي، باستذكار قراءاتي الأولى للمفكر الشيوعي الإيطالي انطونيو غرامشي “رسائل السجن” وقطيعته المبكرة مع الستالينية. وتوقّفتُ في مثل هذه المقاربة عند حوار مع الصديق سعد كيوان الذي عاش ما يزيد على عقدين من الزمان في إيطاليا وعمل في صحفها اليسارية واطّلع على الكثير من خفايا مرحلة السبعينات والثمانينات وخباياها وما بعدهما.

ولكي تكون هذه المراجعة شاملة تساءلتُ مع النفس وبصوت عال ، أين الحزب الشيوعي الإيطالي الآن بعد أن كان يملأ الساحة الفكرية والسياسية نشاطاً وحيوية؟ وأستطيع القول دون الخوف من الوقوع في الخطأ أنه كان القوة الثانية في إيطاليا، وقد حقق نجاحات انتخابية بلغت أكثر من ثلث أصوات الناخبين والمقاعد البرلمانية، خصوصاً في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اكتسب شعبية بسبب مشاركته الفاعلة بحركة المقاومة، وكذلك بفعل موقفه الاستقلالي عن موسكو منذ غزو القوات السوفييتية لتشيكوسلوفاكيا العام 1968 لوأد الحركة الإصلاحية الداعية إلى ” اشتراكية ذات وجه إنساني” وهي ما عرفت بـ ” ربيع براغ”.

ولعل سؤال اليسار يشغلني ويواجهني باستمرار: أين هو اليسار والأحزاب الشيوعية في بلادنا العربية، فقد مضى نحو قرن على تأسيسها في مطلع العشرينات من القرن الماضي، وضمت نخباً متميّزة من المثقفين والأدباء وجمهوراً واسعاً، بل اقتربت في بعض الدول العربية  من السلطة ، ولاسيّما في العراق والسودان، وقد يكون بعضها قد حكم مثلما هو  في اليمن الجنوبية؟ فلماذا اختفى ذلك البريق الأخّاذ؟

هذه الأسئلة وغيرها جالت بخاطري وأنا أتجول في جامعات ومعاهد مدن بولزانو وترينتو وبارما ومودينا  وألتقي أكاديميين وطلبة وناشطين مدنيين ورؤساء بلديات وجمعيات متنوّعة يسألونني وأسألهم عن العنف ومردوداته وما آل إليه؟، خصوصاً بعرض تجربة العنف في بلادنا والدعوة المعاكسة إلى اللّاعنف ومفارقاته، حيث تأسست جامعة له في بيروت.

توقّفتُ عند العقود الأربعة الماضية وما شهدته إيطاليا من عنف، ففي 16 مارس (آذار) العام 1978 اختطف ألدمورو رئيس وزراء إيطاليا من جانب منظمة “الألوية الحمراء”  اليسارية المتطرّفة، وفي 9 مايو (أيار) من العام نفسه عُثر عليه مقتولاً بالقرب من مقر الحزب الشيوعي الإيطالي الذي كان آنذاك وبمبادرة من أمينه العام إنريكو برلينغوير قد طرح فكرة ” التسوية التاريخية” في العام 1976، وهي دعوة تطمينية للشراكة بحكومة ائتلاف وطني تضم الديمقراطيين المسيحيين والشيوعيين والاشتراكيين.

وكانت رسالة العنف تحذيراً للجميع، فانقسم المشهد بين من يريد التفاوض مع الإرهابيين ومن يرفضه حيث تمّيز الحزب الشيوعي بذلك، فاعتبر موقفه هذا بمثابة تضحية بألدمورو سياسياً، ومن الناحية الفكرية جموداً وتحجّراً، وكان الاتجاه الوسطي داخل الديمقراطيين المسيحيين قد تراجع عن التعاون مع الشيوعيين بعد خطف ألدمورو.

وقبل ذلك كان الحزب الشيوعي الإيطالي قد بلور مع الحزب الشيوعي الفرنسي والحزب الشيوعي الإسباني فكرة “الشيوعية الأوروبية” في العام 1977 وهي امتداد  للتسوية التاريخية لغرض الانتقال إلى الاشتراكية في ظل ” الحرية والسلام والتعددية”، وفي العام 1980 أدان الحزب الشيوعي “الغزو السوفياتي لأفغانستان” ونظّر لفكرة انتهاء “القوة الدافعة ” والمقصود بذلك “الموديل السوفييتي” الذي كان الحزب استشكله  منذ عهد تولياتي .

لقد شهد الحزب الشيوعي الإيطالي صراعاً محموماً ومحتدماً منذ الستينات وإن لم يظهر إلى العلن، لكنّ النقد العلني أخذ يتّسع حيث انشقت مجموعة مهمة من قياداته وكوادره عُرفت باسم مجموعة المانيفستو ” البيان” العام 1969، بينهم عدد من المثقفين المهمين وفي مقدمتهم لويجي بنيتيور الذي أشرف على الجريدة حيث تم تأسيس “حزب الوحدة البروليتارية من أجل الشيوعية”، وقد انضم إلى المجموعة من خارج الحزب عدد من الشخصيات، وفتحت حواراً مع اليسار بشكل عام والحزب بشكل خاص.

وفي العام 1972 ترشّح هؤلاء للانتخابات ونالوا بين 12-15 مقعداً، لكن هذه المجموعة تقلّصت وكان هدفها خلق رأي عام داخل البلد بشكل عام وداخل اليسار بشكل خاص، لاسيّما بإقامة علاقات متميزة مع اليسار الجديد، حيث قدّموا خيارات ورؤى جذرية مختلفة، فهم ليسوا مع سياسة الحزب التقليدي وليسوا مع القوى المتطرفة، وكانت الجريدة محطة مهمة ومرجعية لليسار الأوروبي.

الغريب أن الحزب الشيوعي الإيطالي الذي حصل في العام 1976 على 34% من أصوات الناخبين وما يوازيها من المقاعد البرلمانية بدأ يتراجع وكأنه وصل الذروة وأخذ نجمه يأفل، وكانت محطة اختطاف ألدمورو أحد مؤشرات ذلك، بالرغم  من استمرار موقفه الأخلاقي ضد الفساد، لكنّ شعبيته أخذت تتقلّص وكان ذلك جزءًا من انسداد آفاق ، بالصراع المحموم بين الشرق والغرب، وقد حاول تغيير اسمه العام 1980 في اجتماع بمدينة بولونيا إلى ” حزب اليسار الديمقراطي” لكن أزمته استفحلت وعاد وحلّ نفسه إثر انهيار الكتلة الاشتراكية وانحلال الاتحاد السوفييتي في العام 1991.

باحث ومفكر عربي

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

2 تعليقات

  1. كنت اتوقع من الاستاذ المحترم والذي اكن له احترام لجرأته وعمقه في تناول المواضيع التي تشمل اهميتها الفكرية كل الاتجاهات الفكرية…..غلا انه في هذه السطور القليلة طرح على من التقاهم وعلى نفسه وعلى كل المتابعين لحالة الاحزاب الشيوعية في اوروبا,اسئلة لم نجد لها جوابا في ما سرده استاذنا العزيز..وهكذا كانت هذه المقالة سردية لم تصل الى درحة ان تكون ورقة بحث تجترح طروحات لتفسير واقع أحزاب حملت برامجا وكانت ,حتى تفكك الانحاد السوفييتي وانتهاء التجربة الاشتراكية الروسية,صانعا لسياسات بلدانها على جميع الاصعدة…كثيرين ينتظرون من الاستاذ المحترم ومن غيره من المفكرين والباحثين طروحات تدرس اسباب تراجع جاذبية الفكرة الشيوعية وقدرتها على النهوض من جديد وشروط هذا النهوض……كل الاحترام والتحيات

  2. حنين الى منظومة ثقافية اقتصادية غير فعالة ولم تتمكن من مقاومة الليبيرالية المتوحشة التي اقنعت الشعوب اكثر من الشيوعية النخبوية!!!
    اليوم الصين الشيوعية تجد نفسها مقبلة على مستقبل واعد. لكن وجدت نفسها داخل فخ الفراغ الاديولوجي!!!!!
    على ماذا تبني مشروعها الحضاري؟؟؟
    هي في ورطة حضارية.

    حنين غير معقول.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here