إيران: محنة العقلانية السياسية…

د. شاهر إسماعيل الشاهر

شكل اغتيال اللواء قاسم سليماني قائد لواء القدس في الحرس الثوري الإيراني الحدث الأبرز في العام ٢٠٢٠، لما لهذا الشخص من أهمية كبيرة في الصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط.

لقد جاء اغتيال اللواء سليماني نتيجة لتطورات متسارعة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بدأت بوفاة متعهد أمريكي تم اتهام ايران بذلك، ثم جاء الرد الأمريكي على قوات الحشد الشعبي الذي ذهب ضحيته عشرات الشهداء والجرحى، فكان الرد هو محاصرة السفارة الأمريكية في العراق، وهو ما ذكر الأمريكان بعارهم التاريخي واهانتهم التي تمثلت في احتجاز الرهائن الـ /٥٢/ في السفارة الأمريكية في طهران عند قيام الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩ والذي استمر  ٤٤٤يوماً وانتهى عبر صفقة إيران كونترا الشهيرة التي أجبرت الولايات المتحدة على تزويد إيران بالأسلحة مقابل الافراج عن الرهائن.

لكن قراءة التاريخ تفيد أن  هذا الحدث لم يمر بسهولة، فقد كانت الحرب العراقية الإيرانية ١٩٨٠-١٩٨٨ بتوجيه أمريكي ودعم خليجي وتنفيذ عراقي ومباركة عربية. فحادثة السفارة لم تمر بسهولة فقد أطاحت بالرئيس الأمريكي كارتر ولم يتسن له الفوز بولاية ثانية، وكانت السبب في حرب الخليج الأولى. من هذه الزاوية كان لزاماً علينا أن نتوقع أن الولايات المتحدة لن تقبل بأن يتكرر في سفارتها في العراق ما حدث في إيران، بل إن الأمريكان ربما اعتقدوا أن الفرصة قد سنحت للآخذ بثأرهم من طهران فكانت عملية اغتيال اللواء سليماني ورفاقه.

لقد جاءت هذه العملية بأمر مباشر من الرئيس ترامب، هذا الرئيس الذي يشكل سابقة في الوقاحة والانتهازية السياسية الدولية، ترامب الذي وافق على نقل السفارة الإسرائيلية الى تل ابيب، والذي اعترف بضم الجولان السوري المحتل إلى الكيان الصهيوني، ترامب الذي يعيش غرور قتل البغدادي زعيم تنظيم داعش الإرهابي، ترامب المأزوم داخلياً حيث هناك إجراءات حقيقية من قبل الكونغرس لمساءلته وربما عزله، ترامب الذي يحاول التقرب من الكيان الصهيوني بسبب حاجته لأصوات اليهود في الانتخابات القادمة، ترامب السلطوي المتفرد في القرار الأمريكي دون أي اعتبار للمؤسسات، ترامب الذي يعتقد أنه يجب أن يكون قوياً ويرد على أي تهديد، فمن وجهة نظره إن غياب الرد على مقتل السفير الأمريكي في بنغازي في ليبيا في العام ٢٠١٢ على أيدي إسلاميين متطرفين هو ما أبعد هيلاري كلينتون عن وزارة الخارجية.

فالرئيس ترامب يعتقد أن طهران ومن خلال حث حلفائها من الحشد الشعبي العراقي لمحاصرة السفارة إنما تريد اظهر ضعفه لأنها تريد أن يأتي إلى البيت الأبيض رئيس من الحزب الديمقراطي لإعادة تفعيل الاتفاق النووي معها.

لقد أظهرت الأحداث وبشكل واضح ضعف الحكومة العراقية وعجزها عن القيام بواجباتها تجاه حماية مواطنيها بالدرجة الأولى، وإزاء حماية السفارات الأجنبية، وإزاء تحقيق أي تنمية أو ازدهار اقتصادي، وثبت أن ولاء المسؤولين العراقيين هو خارجي وليس لوطنهم، ولعل فسادهم الكبير أكبر دليل على ذلك. فالعراق يعيش ميكانيزم تشكيل التحالفات (لجوء أطراف داخلية إلى إقامة تحالفات خارجية) وهو ما ينعكس وبشكل كبير على السيادة الوطنية واستقلالية القرار السياسي.

لقد جاءت هذه الخطوة والتي يجمع العالم على غبائها لتؤجج الصراع في منطقة مشتعلة أصلاً، والأيام القادمة ستكون خطيرة ومفصلية إذا لم تتحل أطراف الصراع بالحكمة والعقلانية، واذا تجاوز الرد الإيراني ما يسميه ترامب الخطوط الحمراء.

اعتقد أن إيران، كما العالم كله، أمام أيام مفصلية تتوقف على مدى وطبيعة الرد الإيراني المتوقع، وإن كنت أرجح أن يكون الرد محدوداً، فليس من مصلحة أي طرف نشوب حرب مباشرة، وهذا الرد سيكون خارج حدود إيران أي في المنطقة العربية على أكبر تقدير، وقد لا يكون بشكل مباشر من قبل الإيرانيين بل عبر حلفائهم في المنطقة، أي في العراق وسورية ولبنان واليمن، وإن كنت استبعد سورية لظروف تتعلق بقوة الدولة السورية وحفاظها على سيادتها وحساسية الوضع في سورية والعملية السياسية …إلخ، وربما يلعب العامل الروسي دوراً أيضاً في هذا المجال، مع التأكيد على حق السوريين في مواجهة الاحتلال الأمريكي بكافة الوسائل المتاحة.

إذاً، ليس الرد الإيراني هو المهم حالياً، بل حسن الادراك والتقدير الصحيح لمرحلة ما بعد الرد، وهل الرد سيكون بالضرورة رداً عسكرياً ؟ أم أن هناك وسائل أخرى للرد، كالاستمرار في التخصيب أو عقد الصفقات لرفع بعض العقوبات المفروضة على طهران أو كلها، وإن كنت أرجح حدوث رد عسكري محدود، فالسياسة الدولية في مفهومها الحقيقي هي تدافع حول المصالح يؤدي في الغالب إلى ثلاث انواع من النتائج إما اتفاقات قانونية، أو توافقات سياسية أو صراعات عسكرية وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة…

بروفيسور في كلية الدراسات الدولية- الصين

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. يبدو ان الأمر قد اختلط على البروفسور الشاهر، حيث انه يذكر بان صفقة ايران كونترا هي التي انهت احتجاز رهائن السفارة الامريكية في طهران. هذا قول مخالف للحقيقة. ايران أطلقت سراح الرهائن في 20 كانون الثاني/يناير1981 بينما صفقة ايران كونترا حصلت في سنة 1985، اي 4 سنوات بعد إطلاق الرهائن! و يبدو ان البروفسور قد تغاضى أيضا عن تزويد الكيان الصهيوني لايران بالأسلحة بموجب تلك الصفقة. نتمنى من المفكرين ان يلتزموا بالحقائق و ان لا يسمحوا لتحيزاتهم السياسية او الطائفية ان تطغي على حقائق الأمور.

  2. حبیبی الکاتب
    تحیاتی لک
    اظن انک لم تدرک حقیقه الصراع بین ایران و امریکا
    لیس الصراع بینهما مجرد تفوق عسکری کباقی الدول فی العالم
    هذا صراع السلَة و الذلّة . و هیهات منَا الذلَة والخضوع للکفرة
    کیف یمکن الجمع بین هذین بالاتفاقات او التوافقات طبعا الطریق المنفرد هو الصراع

  3. الحقائق و القراءة الموضوعية للتاريخ لا تدعم م يدعيه الكاتب المحترم من ان “الحرب العراقية الإيرانية ١٩٨٠-١٩٨٨ (كانت) بتوجيه أمريكي و دعم خليجي و تنفيذ عراقي …”. السبب الرئيسي لاندلاع الحرب هو رغبة الخميني بتصدير ثورته “الإسلامية” إلى دول الجوار العربية و على الأخص إلى العراق. بعد ١٩٨٢ سيطرت ايران على كامل أراضيها فلماذا استمرت قواتها بالهجوم على العراق لستة سنوات أخرى، أي إلى ان اجبر الخميني على “تجرع السم” و الموافقة على وقف إطلاق النار بدون أي قيد او شرط في اب/اغسطس ١٩٨٨؟ لماذا التغافل عن صفقة “ايران/كونترا جيت” التي زودت بموجبها إسرئيل أسلحة بملايين الدولارات إلى ايران؟. خفى ألامة فتن و محاولات إلقاء التهم جزافاً على الأخريين. لا و لن تنتصر الأمة الا بوحدتها و وعيها الصائب و نبذها للفتن الطائفية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here