إيران تفرض منطقها على القوى العظمى..

idrees sayab

 ادريس السايب

من الواضح أن الاتفاق الذي أعلنت عنه كاترين أشتون ممثلة السياسة الخارجية الأوربية، صبيحة يوم الأحد 24/11، كان مقدرا له أن يخلف ردود فعل متباينة ومتضاربة كالذي حصل بالفعل بعد ذلك. وهو الاتفاق الذي أبرمته القوى العظمى في العالم، المعروفة بمجموعة 5+1، والتي تضم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي إضافة إلى ألمانيا، إذ وقفت صفا واحدا ضد إيران منفردة من أجل منعها من ولوج النادي النووي العالمي.

المسئولون الإيرانيون الكبار، بما فيه علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، عبروا عن بهجتهم لتوصلهم إلى هذا الإنجاز الدبلوماسي الكبير بتعبيرهم. كما أن الشارع في إيران يعتبر ما حققه المفاوضون الإيرانيون في هذا الاتفاق نصرا تاريخيا، رغم أن القوى العظمى في العالم ستبقى، بموجب هذا الاتفاق، على علم بكل كبيرة أو صغيرة تحدث في المنشآت النووية الإيرانية بفضل المراقبين الدوليين الذين ستكون لهم الحرية في الدخول إليها في أي وقت يشاءون وبفضل كاميرات خفية ستضعها وكالة الطاقة الذرية الدولية بهذه المنشآت. ورغم أن نسبة تخصيب اليورانيوم ستبقى دون الـ5 في المائة وضرورة التخلص من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة الموجود بإيران قبل الاتفاق، وعدم إضافة أجهزة طرد مركزي من الجيل الجديد الإيراني. وهذا ما من شأنه أن يؤخر ولوج إيران للنادي النووي العالمي مدة من الزمن لا يُستهان بها. الأمر الذي اعتبره الأمريكيون أيضا انتصارا لدبلوماسيتهم في هذا الاتفاق نفسه. لذلك سارعوا إلى طمأنة الولد المدلل لأمريكا في الشرق الأوسط (إسرائيل) الذي اعتبر أن هذا الاتفاق “أمر سيء”، وكذا طمأنة الحلفاء الخليجيين الذين وقع عليهم هذا الخبر وقوع الصاعقة على الريش المتناثر. بل هناك من الأمريكيين من ذهب إلى اعتبار  هذا الاتفاق أهم إنجاز دبلوماسي للرئيس أوباما في ولايته الأخيرة. خاصة أنهم يرون بأنه جنب أمريكا الدخول في حرب مدمرة من المحتمل أن تكلف خزانتها خسائر جديدة سيصعب على الاقتصاد الأمريكي تحملها. وهي الخزانة التي أتى بها الرئيس السابق جورج بوش الإبن إلى حافة الإفلاس بسبب التهور والاندفاع إلى الحرب دون احتساب تبعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية. خاصة في العراق الذي لم تستفد أمريكا من الحرب عليه مثل استفادة الإيرانيين. حيث تحول العراق من عدو لذود يقف بالمرصاد للمشروع الإيراني في المنطقة برمتها إلى باحة خلفية للبيت الإيراني. بينما خسرت فيه أمريكا أكثر مما ربحت فيه. حتى أنه لم تعد لها نفوذ عليه مثلما للإيرانيين.

فتح إيران لمنشآتها النووية للمراقبين الدوليين ووكالة الطاقة الذرية الدولية بالخصوص في إطار هذا الاتفاق سيمكنها –أي: إيران- من استعادة عدة مليارات من الدولارات كانت مجمدة في المصارف العالمية بسبب العقوبات الدولية التي تثقل كاهل الاقتصاد الإيراني الذي يعاني من انكماش خطير. وهذه المليارات هي بحاجة إليها خاصة أنها توجد في حالة حرب بسوريا. حرب لا تعرف الرحمة حيث لم تعد الجنائز هناك تجد من يشيعها. والمشيعين (بالكسر) أصبحوا أقل عددا من المشيعين (بالفتح). كما أنها ستتمكن من تصدير بترولها إلى السوق الدولية وإن بكميات محدودة، وسيتم فتح نظامها المصرفي على النظام العالمي؛ وهي أمور جوهرية لإعادة الاعتبار إلى العملة الإيرانية وبالتالي زرع الروح من جديد في الاقتصاد الإيراني الذي بدأ فعلا ينهار إلى درجة أن خبراء عالميين رأوا في الاتفاق الذي أبرمته الدول العظمى في العالم مع إيران خطوة عملاقة لإنقاذ الاقتصاد الإيراني من الإفلاس. إذ أن الدول العظمى 5+1 لو صبرت قليلا لهرولت إيران إلى المفاوضات باحثة عن اتفاق مماثل بشروط أقل. بيد أن عجلة الأمريكان وبإيعاز من الروس مكنوا إيران من أن تملي شروطها وبالتالي بأن تفرض منطقها وتجني من ذلك، إضافة إلى ما ذكرناه، المحافظة على المنشآت النووية التي استثمرت فيها الملايير الممليرة.

وهو الأمر الذي رأت فيه إيران اعترافا ضمنيا من لدن الدول العظمى بحقها في إنتاج والاستفادة من الطاقة النووية السلمية. وهو الأمر الذي سيمكنها، بتعبير الشارع الإيراني، من الخروج من قطار التبعية من أجل إنجاز عصر إيراني جديد تكون فيه قوة من القوى العظمى في العالم.. قوة قائدة وليست منقادة.. فاعلة وليس مفعول بها.

في الوقت الذي خلف نبأ هذا الاتفاق ردود فعل متشائمة. خاصة لدى دول الخليج العربي وإسرائيل التي عبرت عن رفضها لما توصلت إليه أمريكا ومجموعة 5+1 مع إيران بشتى الطرق. فرئيس وزراء إسرائيل ناتانياهو وصف الاتفاق ب،”الخطأ التاريخي” . إذ أنه يرى بأن المشروع النووي الإيراني لا يقتصر على إنتاج الطاقة النووية السلمية بل يتعدى ذلك إلى الرغبة الجامحة في التوصل إلى صناعة القنبلة النووية. وهذا الأمر محرم علميا بموجب معاهدة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل.

هذا الطموح الإيراني إلى إنتاج القنبلة النووية هو ما يثير المخاوف الإسرائيلية ويغذي الهواجس الخليجية. فالمخاوف الإسرائيلية لها ما يبررها من الناحية المنطقية كون أن عددا من المسئولين الإيرانيين رفيعي المستوى عبروا، غير ما مرة، عن رغبتهم في إزالة إسرائيل من الخريطة العالمية باعتبارها محتلة لأرض شعب مسلم. كما أن دعمهم للمقاومة الفلسطينية المتمثلة في حماس كان واضحا للعيان. بينما تعود الهواجس الخليجية لدواع طائفية محضة. فالجانبين، أي دول الخليج وإيران، يتناحران إلى حد الإبادة الجماعية في حرب تخوضها أطراف أخرى بالنيابة على الأرض السورية التي تتعرض للاحتلال من عدة أطراف لها مآرب طائفية مقيتة يتعرض الشعب السوري بسبب وحشيتها إلى الإبادة الجماعية. وهذا ما دفع المفكر السوري برهان غليون ليقول بصراحة لا لبس فيها بأن أمر السوريين خرج من بين أيديهم.

فدول الخليج العربي كانت تراهن في موضوع النووي الإيراني على إقدام أمريكا على توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية تعيدها إلى نقطة الصفر. بيد أن أمريكا أوباما ليست مستعدة لهكذا عمل الذي يمكنه أن يأتي بالمنطقة بأسرها إلى حافة الخراب. مما يعرض مصالح كثيرة لها هناك للخطر. وحفاظا على هذه المصالح لجأت إلى الأسلوب الدبلوماسي الذي جلبها إلى إبرام هذا الاتفاق. فجنوح أمريكا إلى الأسلوب الدبلوماسي عوض الأسلوب العسكري الذي عودت العالم عليه وتقديم تنازلات لإيران كالسماح لها بتخصيب اليورانيوم محليا بنسبة 5 في المائة وإفراجها عن الأموال الإيرانية المجمدة في المصارف الدولية والتي تفوق في مجملها الـ100 مليار من الدولارات الأمريكية. لا يعود ذلك، في الحقيقة، إلى التعقل الأمريكي وحسب. إنما يعود إلى إنكماش أمريكا عالميا وإلى التراجع الكبير الذي أصبح يعاني منه دورها في العالم كدولة عظمى قائدة بعد سقوط نظام القطبية الأحادية لصالح تعدد الأقطاب التي يعرفها المسرح الدولي. كما يعد أيضا نتيجة طبيعية للتقارب الأمريكي الإيراني الذي سال لأجله مداد كثير في الآونة الأخيرة بُعيدَ الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني لأمريكا في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولذلك عُد هذا الاتفاق إنجازا تاريخيا واستثنائيا للدبلوماسية الإيرانية . بينما تكتفي دول الخليج العربي بالنواح والعويل والتهويل.

*كاتب مغربي

للتواصل مع الكاتب:

Sayab.driss.01@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. سلمت يداك تحليل ورؤية واقعية للحدث ، واعتقد ان المحميات الامريكية في الخليج تم بيعها في سوق النخاسة لانه لأودن لها

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here