هل تبحث إيران عن عراق مستقل وقوي؟

فاطمة عواد الجبوري

لقد أثارت تصريحات رئيس الوزراء العراقي السابق، حيدر العبادي، موجة عاصفة من الجدل في الداخل والخارج العراقي. إذ تحدث الرجل عن أن الحكومة العراقية منحت الإذن للطائرات الأمريكية (الحربية والطائرات المسيرة) بالتحليق في الأجواء العراقية، عشية عملية اغتيال الشهيدين الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس. بالطبع نفى رئيس الوزراء السابق “عادل عبد المهدي” منح أي موافقة للطائرات الأمريكية بالتحليق فوق الأراضي العراقية ليلة الحادثة.

هذا اللغط الذي يُثار حول دور إيران في العراق، ليس بالجديد. وإنما استمرّ هذا اللغط لسنوات مضت، خصوصاً بعد إحتلال الولايات المتحدة للعراق. هناك فرضيتان مهمتان يتمحور حولهما النقاش حول الدور الإيراني في العراق.

ـ الأولى: تتحدث عن أن إيران تعتبر العراق حليفها الاستراتيجي، الذي لا يمكن الاستغناء عنه أبداً. وبأنّ إيران تبحث وبجد عن عراق قوي وفاعل في منطقة تشوبها الاضطرابات والنزاعات.

ـ الثانية: تتحدث عن دور مخرّب لإيران يستهدف تحويل العراق إلى تابع لإيران في تنفيذ مشاريعها في الشرق الأوسط.

ولاختيار الفرضية الأصح علينا مراجعة الدور الإيراني في العراق، حتى في فترة ما قبل الاحتلال الأمريكي هناك.

تاريخياً لم تكن العلاقة بين نظام الشاه السابق والعراق علاقة جيدة بل كانت تشوب العلاقة نوع من التوتر الذي أفضى إلى توقيع الطرفين لاتفاقية ما عُرف اصطلاحاً ب”اتفاقية الجزائر. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وجد الرئيس السابق صدام حسين الفرصة سانحة أمامه لغزو إيران، ظناً منه أن البلاد دخلت في دوامة من الفوضى ولن تستطيع الصمود أمام رابع أقوى جيش على مستوى العالم في ذلك الوقت. ولكن كان هناك مقاومة كبيرة للغاية من قبل الطرف الإيراني والتي نبعت من روح الثورة الإيرانية القائمة على تعاليم الإسلام. بعد ذلك دخل العراق في حصار خانق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها المحليين (بعد حرب الخليج).

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه في الوقت الذي تضوّر فيه الشعب العراقي جوعاً جرّاء الحصار، ساهم الأخوة العرب الإقليميين بتشديد الحصار، ولم يكن هناك من متنفس للعراق إلا من خلال بلدين فقط في ذلك الوقت هما، سوريا وإيران. تخلّت إيران عن أي عداوة مع صدام حسين ونظامه في سبيل إيصال المساعدات إلى الشعب العراقي. فكانت الحدود الإيرانية معبراً رئيسيا للغذاء والدواء إلى العراق.

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وافقت إيران على جميع التسويات التي كانت تحاول الوصول إلى حكومة عراقية مستقلة تعبر بالعراق إلى برّ الأمان. إلا أن جميع هذه المحاولات قوبلت بفيتو أمريكي ووضع العراقيل أمام هذه التسويات، وتهيئت الظروف لظهور المتطرفين ك”الزرقاوي” وغيره والذين كان لهم دور مهم في تشكيل ما يسمى ب”داعش” في المستقبل. هذه النواة التي انطلقت من سجن “بوكا” الأمريكي، الذي وفرّ المحيط المناسب لهذه القوى الراديكالية للظهور على الساحة العراقية.

مع ظهور داعش على الساحة العراقية، تخلّت الولايات المتحدة عن العراق بشكل كامل، وذهبت للذود عن حدود كردستان العراق، خوفا على مصالحها الاستراتيجية وخوفاً على قنصليتها وأفراد طاقمها هناك. في الوقت الذي زحفت فيه قوات داعش نحو بغداد ولم يفصل بينها وبين العاصمة العراقية سوى بضع كيلومترات، أرسلت إيران الجارة أرفع مسؤول أمني لديها وهو “الحاج قاسم سليماني” حيث قيّم الشهيد الوضع هناك وأرسلت طهران المساعدات العسكرية إلى العراق. وبعد أنّ أصدرت المرجعية الفتوى بضرورة الجهاد ضد داعش. تولت إيران المهام اللوجستية ومسألة تسليح الحشد الشعبي الذي ضم جميع فئات الشعب العراقي ضمن صفوفها. ودخلت إيران (الشيعية) حرباً شعواء ضد داعش للدفاع عن العراقي وأهله من جميع طوائفه ومكوناته (الشيعية والسنية والمسيحية والإيزدية).

 وبعيدأ عن التاريخ، لم نرضد أي دخول غير مصرّح به من قبل المسؤولين الإيرانيين إلى العراق دون الموافقة المسبقة من قبل السلطات العراقية. على عكس القوات الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب، عندما قام بزيارة سرية لقاعدة عين الأسد، في أواخر 2018، دون اخبار الحكومة العراقية أبدا. في انتهاك واضح وصريح للسيادة العراقية.

وبعد اغتيال الشهيدين بطريقة غادرة، وجهت بعض الأطراف العراقية أصابع الاتهام إلى كل من عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، حيث اتهمت هذه الأطراف العراقية هذين الأخيرين بعلمهما بالعملية وتوقيتها. ولكن إيران مرة أخرى وجهت إلى نبذ الخلافات بين القوى العراقية وشددت على أن العراق يجب أن يبقى موحداً، ورفضت هذه الاتهامات واستقبلت رئيس الوزراء الحالي (الكاظمي) بأحضان مفتوحة. وعلى الرغم من كل العقوبات الاقتصادية المضرة بالاقتصاد الإيراني وهذا الحصار الخانق من قبل الولايات المتحدة ضد إيران، إلا أنّ إيران بقيت مستمرة بتوريد الكهرباء والسلع الغذائية والمساعدات الطبية للتصدي لفيروس كورونا. بينما اتجهت الحكومة العراقية إلى الشركات الأمريكية (المفلسة) ك”جنرال الكتريك” وعقدت معها مشاريع تقدر بأكثر من 8.5 مليار دولار أمريكي لتحسين قطاع الكهرباء والطاقة في العراق، على الرغم من تواجد هذه الشركة لسنوات عدة على الساحة العراقية وفشلّها بتحسين وضع الطاقة والكهرباء في العديد من المحافظات العراقية.

بعد كل هذا السرد لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الفرضية الأولى هي من تفرض نفسها وقد تمّ إثباتها بالأدلة والبراهين. لا أحد ينكر بأنّ لإيران مصالح مشتركة مع العراق الحبيب. وهذا شأن أي دولة أخرى. ولكن هذه المصالح والمنافع المشتركة تبقى ضمن إطار وجهود إيران على أن يكون العراق قوياّ ومستقلاً. وما نلاحظه هو أن الدور الأمريكي المخرّب في المنطقة عموماً والعراق خصوصاً هو من يوجه فرضية أن إيران تبحث عن عراق ضعيف وغير مستقل. ويبدو بأنّ هذه الجهود فشلت وستفشل إذا ما نظرنا إلى العلاقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية بين البلدين.

كاتبة وباحثة عراقية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

15 تعليقات

  1. تحية إلى الكاتبة وإلى البرفسور كمال
    طرح معقول

  2. إيران تتقاسم العراق مع أمريكا و سوريا مع روسيا ، و لولا توظفها لما يتوظف له الخادم لأزاحوها .. الأوطان يحررها أبناؤها.

  3. مقال جريء يتحدث عن الوجود الايراني بالعراق و هذا الموضوع نادرا ما يجرؤ كاتب عراقي التطرق إليه
    معظم الكتاب أما شيعي متطرف اعمته المذهبية أو مسلم منافق يخشى الغدر الايراني

    على أرض الواقع العراق محافظة إيرانية و الديموغرافية العراقية تمبل لصالح إيران حيث تم تجنيس ملايين الإيرانيين بالجنسية العراقية خاصة ايام المالكي زعيم عملاء ايران بالعراق

  4. كون إيران تريد العراق تابعاً ذليلا أمر واضح لا يحتاج الى تبيين المقالة تطمس الحقائق و تضلل القاريء قال المتنبيء وليس يصح في الافهام شيء اذا احتاج النهار الى دليل

  5. اي بلد تدخله إيران تشعل فيه نار الفتنة المذهبية و الطاءفية و تحرض أهله على قتل بعضهم بعضا،
    لن يستقر العراق طالما إيران موجودة في العراق،، إيران حولت العراق الى محافظة إيرانية
    ا
    عملاء ايران الذين حكموا العراق هم الذين اوصلوا العراق الى الفوضى و الفشل و الفساد
    العراق الضعيف مصلحة إيرانية إسرائيلية مشتركة

  6. عزيزي الاخ (( قارئ من العراق ))
    شكرا ُ ً لاتفاقك مع تعليقي ومع العزيزة فاطمة عواد ومقالتها. ااود ان اخبرك انني الآن 91 سنة من العمر ولا استطيع حتى على كتابة مقالة بسهولة لأنني مصاب بمرض ((ماكيولا )) في عيوني. وكل املي بأمثالك وامثال فاطمة عواد لتوحيد الملايين من العرافيين ، بينهم السنة والشيعة والاكراد، والعمل على انقاذ عراقنا العزيز من الاحتلال والاضطهاد .
    مع التقدير
    كمال

  7. أستاذتنا المبدعة
    هذا المقال هو عين الحقيقة
    يتفق معاك كل عراقي شريف مثقف يدافع عن استقرار بلد الرافدين
    شكراً جزيلاً وألف شكر

  8. الاستاذة فاطمة عوّاد الجبوري
    شكراً على هذا المقال في حقيقة ما يجري على الساحة العراقية

  9. والله يابروفيسور كمال مجيد المحترم انت تمثل اماني وامال 90% من الشعب العراقي . لو كان هناك عداله وديمقراطيه ووعي سياسي في العراق لكنت انت ممثل الاغلبيه الساحقه من الشعب العراقي لقيادة البلاد . ياريت لو تفكر بجديه تشكيل حزب وفق هذه المبادى التي تطرحها في تعليقاتك مع الاخوه الذين يحملون نفس تفكيرك النير . تحياتي واحترامي لك .

  10. المواطنين الايرانيين يدخلون العراق متى شاؤوا و بدون اي احترام للحدود وكأنهم يدخلون مدينه ايرانيه وقاسم سليماني يدخل العراق ويجتمع مع مليشياته ليفرض رئيسا للوزراء وتقولين انهم يحترمون العراق او يريدونه قوي لا والله انهم يردونه ضعيفا تابعا .

  11. مقالتك واقعية و مبنية على الحقائق . اتمنى سوف تتفقين معي على ان انقاذ العراق من ازمته الحالية يحتاج الى التقارب بين الشعبين الشقيقين في العراق وايران. بالنسبة للعراق هناك الضرورة لنبذ الخلافات العنصرية والمذهبية القائمة والتي فرضها المحتل الصهيو امريكي عن طريق فرض عملاءه الفاسدين على الحكم، من امثال اياد علاوي وابراهيم الجعفري والحكيم والمالكي والعبادي ومسعود البارزاني و برهم صالح ومصطفى الكاظمي، الذين دخلوا العراق مع المحتلين الامريكان سنة 2003. لقد نتشر المحتل الخلافات المذهبية بحجة اخذ الثأر والانتقام . من الضروري العمل على نبذ هذه الخلافات والتركيز بكل جهد على توحيد كل من يمكن توحيده من العرب والاكراد والتركمان والكلدو اشورببن والارمن ، من المسلمين والمسيحيين والصابئة واليزيديين للعمل على طرد المحتل الصهيو امريكي من عراقنا العزيز. من الضروري عدم تسليم قيادة الحكومة الى العرب او الشيعة بحجة كونهم الاكثرية والتمسك بقانون ((العراقيون متساوون في كل الحقوق والواجبات ! )). من الضروري ايضا ً رفض الدستور الذي يقسم الشعب الى ((مكونات )) و رفض نظام الفدرالية ، كردية كانت او سنية. فلنتحد على اساس المساواة ولنعمل لتحرير شعبنا المقهور .
    مع التتقدير والشكر
    كمال

  12. سلمت اناملك ودام يراعك ناطقا بالحقيقة في وقت انكر فيه الكثيرون الجميل واصبحوا اكثر سوءا واشد قبحا من الصهاينة والاميركان وسوف يبقى الشرفاء في عالمنا العربي والاسلامي متحدين في وجه الغطرسة الغربية والخيانة العربية وشكرا لكل قلم حر شريف

  13. مقالة منصفة وترد على تضليل الإعلام المتصهين الذي يريد بث روح الفرقة والفتنة حتى يتمكن الغرب وإسرائيل من إحكام الهيمنة على المنطقة. تاريخنا مشترك وهمومنا مشتركة وكل من يحرض على إيران هو عمليا خادم لإسرائيل ومخططاتها للمنطقة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here