إيجابيات وسلبيات إستراتجية الصين في مكافحة “فيروس كورونا المستجد”

د. طارق ليساوي

لأول مرة منذ ظهور فيروس كورونا المستجد بمدينة “ووهان” الصينية، و إنتشاره في عموم البر الرئيسي الصيني و العديد من بلدان أسيا ، أخد الوباء  في الانحصار في موطنه الأصلي “ووهان” إذ لم تسجل أي حالة إصابة جديدة منذ نحو 48 ساعة، و بعموم الصين فالحالات المسجلة شهدت انخفاضا كبيرا، و إنتقلت حالات الإصابة من المئات إلى العشرات أو أقل أحيانا، و الحالات التي  يتم تسجيلها منذ نحو أسبوع هي من الوافدين من الخارج، و هذا مؤشر إيجابي يدعو إلى التفاؤل.. لكن العنصر البارز والمثير للإهتمام هو أن بؤرة المرض إنتقلت إلى أوروبا فاليوم تم تسجيل أزيد من 3405 حالة وفاة في إيطاليا ، لتتصدر إيطاليا قائمة الوفيات بمرض COVID-19 متفوقة على الصين بنحو 200 حالة ، و بالرجوع إلى القائمة سوف نجد أن أربعة بلدان إكتسحهم المرض، و المؤشر الرئيس عدد الوفيات: فإيطاليا في المرتبة الأولى تليها الصين و إيران ثم إسبانيا…

مبدئيا ، التعامل مع الأرقام ينبغي أن يخضع لعدة ضوابط و مقاييس علمية، حتى لا يتم نشر حالة من الهلع و الخوف في صفوف عامة الناس، خاصة و أن الخوف يضعف المناعة، و يولد أثارا سلبية.. فالتركيز على حالات الوفيات وحدها و إهمال حالات الشفاء من الفيروس، و التي تقدر بعشرات الآلاف فيه مجانبة للصواب، كما أن حالات الوفاة المسجلة في معظم بلدان العالم، ينبغي أن تخضع للتحليل الدقيق، بمعنى تتبع التاريخ المرضي و الوضعية الصحية للمتوفي قبل الإصابة بالفيروس، حتى يتمكن العلماء و الباحثين من استخلاص الكثير من الدروس و الخلاصات العلمية، فالخبرة المتراكمة إلى حد الأن تؤكد أن الأطفال في الغالب لا يتأثرون بالفيروس، لأن لديهم مناعة مرتفعة في الغالب إلا في حالات ناذرة نتيجة لتعرضهم لبعض الأمراض..و كلما تقدمنا في السن إلا و إرتفعت المخاطر و تزداد هذه المخاطر لدى الأفراد المسنين و الأفراد المصابين ببعض الأمراض المزمنة …

و هدفنا من هذا المقال هو تمحيص النظر في إستراتيجية الصين في مكافحة الوباء و توضيح إيجابياتها و سلبياتها ، فالأرقام وحدها غير كافية لإصدار حكم بإيجابية أو سلبية مختلف الإجراءات و التدابير الوقائية و العلاجية..

أولا-  إستراتيجية القوة المفرطة التي اتبعتها الصين لمنع تفشي الفيروس:

 على الرغم من تمكن  الصين من التغلب على المرض، و الإجراءات التي اتخذتها للحد من تفشي الفيروس يبدو أنها تكللت بالنجاح، بل تحاول الصين جاهدة الترويج لإستراتيجيتها الناجحة للحد من انتشاره في الصين والخارج،

لكن –بنظرنا- إستراتيجية القوة المفرطة التي اتبعتها الصين لمنع تفشي الفيروس تثير العديد من الأسئلة،و لهل أهمها هل الأنظمة القمعية هي البديل، و هذا الموقف ظهر بعد الحرب العالمية الأولى، حينما تم دعم صعود أنظمة فاشية بدعوى قدرتها على مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، و رأينا جميعا الأثار المدمرة لهذا التوجه مع إندلاع الحرب العالمية الثانية و ما أعقبها من كوارث بشرية و إقتصادية..و على نفس المنوال هل تشكل الإجراءات المفرطة في القوة أحيانا بديلا لمواجهة الأزمات..  فحملة الصين للحد من تفشي الفيروس كانت باهظة التكلفة في مجالات عديدة، وجاءت على حساب نمط عيش الناس وحرياتهم الشخصية، لذلك سيتعين على الدول التي تتطلع لمحاكاة تجربة الصين، أن تتساءل عما إذا كان العلاج أسوأ من المرض…

فالإجراءات التي اتخذتها السلطات الصينية للحد من تفشي كورونا شملت فرض الحظر والحجر الصحي الصارم على نحو ستين مليون شخص في إقليم “هوبى” وحده، وتقييد حرية السفر لمئات الملايين من المواطنين والأجانب في الصين… فقد قيدت الصين حركة 760 مليون شخص ، وتم  فرض نظاما وحشيا من الحجر الصحي، و تم تحويل الحالات المشتبه فيها، والتي غالبًا ما لم يتم اختبارها، إلى صالات وساحات رياضية، ومراكز احتجاز مؤقتة أخرى ، حيث يخضعون لفحوصات حمى منتظمة ويضطرون إلى مشاركة مرافق الاستحمام والمرحاض مع مئات الأشخاص الآخرين المصابين بالعدوى ، و هو ما أدى إلى زيادة حالات الإصابة بالعدوى…

كما أن إستراتيجية الصين في السيطرة على كورونا أثرت على  جميع مناحي الحياة في المجتمع الصيني، حيث أدت إلى تعطيل الاقتصاد فباتت العديد من الشركات الصغيرة عرضة للإفلاس… كما أدت إلى وضع مئات الملايين من الناس في أشكال مختلفة من العزل، وتسببت في نقص الرعاية الصحية للمرضى الذين يعانون من أمراض خطيرة، فباتوا يكافحون من أجل العثور على الرعاية الصحية، وقد توفي بعضهم رغم أنهم لم يكونوا مصابين بفيروس كورونا..

ثانيا- ضرورة التعامل بجدية مع عبارة  ” الخصائص الصينية”:

التضخيم و الترهيب ليس هو الحل، ففي الحالة الصينية مثلا الحزب الشوعي الصيني يحاول دعم شرعيته لدى أغلبية المواطنين الصينين، و لدى الرأي العام الدولي خاصة، بعد انتشار وثائق تكشف تفاصيل الممارسات الصينية بحق مسلمي “الإيغور”، داخل معسكرات الاعتقال بإقليم “شينغيانع” ..و الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها “هونغ كونغ” و المنددة بسيطرة الحكومة المركزية الصينية على “هونغ كونغ”.. و موقفي هذا نابع من تجربة شخصية، فقد أنفقت وقتا طويلا في اكتشاف هذا البلد،و تخصصت في اقتصاده خاصة الحقبة التي أعقبت سياسة الاصلاح و الانفتاح بعد 1978، لكني لازلت عاجزا على  فهم هذا البلد و استيعاب توجهاته، و تطلعاته تجاه مواطنيه و تجاه باقي شعوب الأرض، بل أعتقد أن الوصف الوارد بالقران الكريم عن “يأجوج و مأجوج” ينطبق على الصين و خروجهم للعالم و الله أعلم..

خاصة في ظل نظام سياسي شديد الرقابة و تقييد الحريات الفردية والجماعية، و هوية سياسية و أيديولوجية و ثقافية هجينة، ففي الصين كل شيء مختلف ف”الاشتراكية بخصائص صينية”، و “الرأسمالية بخصائص صينية” ، و”القمع أيضا بخصائص صينية”،  ..

و على الحكومات المختلفة الحرص على عبارة “الخصائص الصينية” وأن تنظر بعناية في أي أجزاء من تجربة الصين ستكون قابلة للتعميم في بلدانها..

و أول سؤال على الخبراء الصحيين، و صانعي القرار الصحي و الحكومات طرحه،  عما إذا كان لـ COVID-19 آثار صحية مماثلة على سكانهم كتلك التي حصلت للمواطنين في الصين …

فمن المؤكد إحصائيا، أن فيروس كورونا المستجد  قد قتل في الصين ما يقرب من 3 في المائة من ضحاياه، وتسبب في أمراض خطيرة، مثل الالتهاب الرئوي وضيق التنفس، في واحد من كل سبعة أشخاص المصابي..و في هذا السياق يكون من الضروري فهم العوامل التي تؤثر على استجابة الشخص المناعية لـ COVID-19  بقدر فهم الفيروس نفسه أو أكثر، فالصين تعرف إنتشارا واسعا للثلوت البيئي، بفعل الاستخدام الكثيف للطاقة الأحفورية، و الغازات المنبعثة عن المصانع و السيارات.. لذلك، فإن أمراض الرئة منتشرة بكثرة في الصين أكثر من أي بلد أخر ، كما أن نسبة المدخنين في الصين جد مرتفعة،  فواحد من كل اثنين من الرجال البالغين في الصين يدخن،صحيح أنه  لم يتم تحديد آثار التدخين على COVID-19 بعد ، ولكن العديد من الدراسات السابقة أظهرت أن التدخين يزيد من شدة الإنفلونزا ومتلازمة الجهاز التنفسي في الشرق الأوسط ، وهو فيروس كوروني آخر…لذلك قد تساعد معدلات التدخين المرتفعة بشكل غير عادي في تفسير سبب أن الرجال الصينيين يمثلون 64 بالمائة من وفيات COVID-19. ويموتن من الفيروس بمعدلات أعلى بكثير من النساء الصينيات حيث تدخن 2٪ فق من النساء….

و علينا أيضا ، الاستفادة من سلبيات التجربة الصينية وعدم تكرارها خاصة في بدايات ظهور الفيروس، فالتجاهل الذي أظهرته القيادة الصينية  للحريات المدنية وحقوق مواطنيها، لا ينفصل عن السياسات والإجراءات التي ساهمت في تفشي المرض في المقام الأول بداخل إقليم “هوبي” و مدينة “ووهان”، و عموم الصين فيما بعد، ثم من الصين إلى خارجها ،  وتشمل هذه السلوكيات رفض الحكومة تبادل المعلومات حول انتقال هذا الفيروس من شخص لآخر في الوقت المناسب ، ومعاقبتها ومراقبتها للأطباء وغيرهم من أفراد الأطقم الصحية، الذين سعوا لإثارة القلق بشأن فيروس كورونا المستجد، منذ بداية تسجيل حالات الإصابة و العدوى في “ووهان” ..

لذلك، فإن بداية  سيطرة الصين على الوباء كانت نتيجة لتعميم و مشاركة معلومات الصحة العامة الأساسية، و التي ساعدت الآلاف من الصينيين على تجنب العدوى عبر البقاء في بيوتهم و تجنب أماكن الإزدحام و توضيح مسببات العدوى و كيفية تجنبها…لكن إخفاء المعلومات عن الخارج لعب دورا محوريا فيما نراه اليوم من تفشي الوباء بأوروبا و مختلف بلاد العالم، و كان بالإمكان تفادي ذلك لو تعاملت الصين بمسؤولية مع تفشي المرض على أراضيها، و قامت بتطبيق أساسيات الحجر الصحي على الخارجيين من أراضيها، أو على الأقل إعلام مختلف البلدان بضرورة فرض حجر صحي على الوافدين من الصين…وقد أخبرنا النبي محمد عليه الصلاة و السلام  قبل 1400 سنة  بأساسيات الحجر الصحي ،  إذ أمرنا عليه الصلاة والسلام بمنع الناس من الدخول إلى البلدة المصابة بالطاعون ، ومنع كذلك أهل تلك البلدة من الخروج منها ، بل جعل ذلك كالفرار من الزحف الذي هو من كبائر الذنوب ، وجعل للصابر فيها أجر الشهيد، و لو إلتزمت الصين بهذه المبادئ  منذ البداية، لكنا في غنى عن كثير مما نراه اليوم من هلع و خوف، و أزمات صحية و إقتصادية، و خسائر في الأرواح و الأرزاق.. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

 أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة…

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. حلو هذا الاستنتاج وخاصه من دكتور , بدات بدايه لاباس بها وفي منتصف الطريق تبينت الاهداف الحقيقيه للمقاله وهو حشر موضوع المسلمين في الصين عن ماساتهم وشعائرهم , اقول له يا دكتور تعال بنصائح على الاقل تحمينا في هذه الاوقات وتحفزنا بالامال نحن الحضاره الانسانيه , عوفك من موضوغ الاسلام , الاسلام يتذابح في مناطقه على الهيمنه والتسلط على منابع المال والقهر الاجتماعي . تبكي على حال اقل من 0.01% وهو موضوع انساني . فكيف بحال اهلك القريبين منك مسيحي سوريا والعراق ولبنان وهم من هذه الارض ليسوا غرباء عنها . الا يستحقون شيئأ ما .

  2. أبدعت دكتور طارق في مقالتك كما في كل مقالة سابقة لك ولذلك نقول جزاك الله كل الخير عنا وعن كل معلومة وعبرة ونصيحة أمينة تضعها في هذه المقالات التنويرية لجمهور القراء .

    بالنسبة لنا لا تزال الصين قارة متجددة الخصائص مدهشة في كل مرة تقدم فيها على ابتلاع المصائب التي تلقى عليها ، قدرتها على التكيف غريبة عجيبة وسط عالم غربي ينهار بسرعة ويأكل ذاته بسرعة أكبر ، نتمنى أن نقرأ لك مقالات في رسم الصورة التي ستتوضع في المرحلة التالية من معركة كورونا ، كيف سيبدو هذا العالم عقب الإطاحة بالفيروس ؟ وما هو شكل العلاقات الدولية والتحالفات الجديدة التي يبدو أن الصين تسعى لتطويرها وبلورتها بذكاء وعالمية واستفادة من خبرتها في معركة ووهان مع الفيروس ؟ ما هو شكل المنحنى الصيني قياسا بالمنحنى الأمريكي الاقتصادي عقب هذه الجائحة وما هو الترتيب المركزي عقب خروج العالم من هذه الأزمة ؟
    سلمت يداك وبوركت جهودك المخلصة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here