إياس عاشور: لبنان بين الحرب الناعمة والحرب الأهلية

إياس عاشور

يقف لبنان اليوم على مفترق طرق في لحظة مفصلية من تاريخه، ومع زيادة الضغوط الدولية والإقليمية على هذا البلد المدين والمنهك والغارق في الفساد فإن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية تتردى يوما بعد يوم، ويبدو أن كافة الاحتمالات التي يمكن التنبؤ بها لهذا البلد قد تكون مفتوحة على مصراعيها خلال الفترة المقبلة بما في ذلك احتمال اندلاع نزاع أهلي مسلح. إذ أن الإضرابات والمظاهرات وخروج الناس للشوارع هي فرصة ذهبية لا يمكن تفويتها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل كي يتم توظيف هذه التحركات من أجل تضييق الخناق على التحالف السياسي الذي يقيمه حزب الله مح حلفاءه الداخليين وإحداث انشقاقات داخلية بنيوية بها، إضافة إلى الضغط على القاعدة الاجتماعية الحاضنة لحزب الله.

لذلك شنت الولايات المتحدة مع حلفاءها الإقليميين حربا ناعمة على لبنان شملت العقوبات الاقتصادية على القطاع المصرفي اللبناني وإجباره على انتهاج سياسة تقييد استخدام الدولار وتقييد الحوالات، إضافة إلى إطلاق حملة دعائية عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ضد التحالف الذي يقوده حزب الله مع التيار العوني والقوى السياسية الحليفة الأخرى يتم بها الخلط بين ما هو حقيقي وغير حقيقي ليتم التأثير على المتظاهرين وتوجيههم باتجاه آخر بعيدا عن المطالب المحقة التي ابتدأ بها التحرك الشعبي في الشارع اللبناني. ويمكن ملاحظة أثر هذه الحرب الناعمة من خلال التحول في مسار العديد من التظاهرات ليصبح هناك مظاهر سياسية لا علاقة لها بمحاربة الفساد كاتباع سياسة قطع الطرقات التي تقوم بها جهات سياسية محددة وترديد شعارات وهتافات سياسية وأخرى حزبية وكذلك طائفية. ومن الطريف أيضا أن نشاهد أيضا نزول بعض أشد القيادات السياسية فسادا في لبنان إلى الشارع والتظاهر مع المواطنين ضد الفساد!!!

يجري اليوم تخفيض التصنيف الائتماني للبنان وبنوكه الرئيسية وهو عاجز حاليا عن الوفاء بالتزاماته للمقرضين الدوليين والأخطر من ذلك أن هناك مخاوف من عدم تمكن الحكومة من شراء المواد الأساسية من دواء وغذاء ووقود للمواطنين من الأسواق الدولية، علاوة على المخاوف من انهيار العملة اللبنانية مما قد يعني دخول لبنان في مرحلة الانهيار الاقتصادي، والذي إن حصل سيكون عندها العلامة الفارقة التي ستتحول بها الحرب الناعمة إلى حرب أهلية يكون هدف الولايات المتحدة الوحيد منها هو نزع سلاع حزب الله وإزالة تهديده العسكري لإسرائيل.

تعول الولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل على قوى 14 آذار بمكوناتها الإسلامية والمسيحية في لبنان من أجل تحييد حزب الله وقد تمت تجربة هذه القوى عدة مرات وجرى توجيهها نحو حزب الله تارة من خلال استهداف شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب في عام 2008 أو من خلال الاستثمار في السلفية الجهادية في طرابلس وصيدا لاحقا، كما أن أمراء الحرب الأهلية السابقة من قواتيين واشتراكيين قد يتم إعادة تدويرهم وإنتاجهم في حال وقع النزاع المسلح. إلا أن قادة قوى 14 آذار لن يجرؤوا على بدء أي عمل مسلح دون وجود تعهد أمريكي بأن لا يكونوا وحدهم بالمعركة إن حصلت على اعتبار أن موازين القوى على الأرض هي لصالح حزب الله وحلفائه، لذا ليس من المستبعد أن نرى تدخلا أمريكيا عربيا إسرائيليا مشتركا ولأول مرة لصالح هذه القوى إن اندلعت الحرب الأهلية.

لقد استطاع حزب الله أن ينسج تحالفات سياسية في لبنان خارج إطار الطائفة وهو بالتالي لن يكون وحيدا في المعركة إن حصلت وقد يحصل على دعم إقليمي مباشر إن حصل الطرف الآخر على الدعم الإقليمي والدولي المباشر.

في حقيقة الأمر إن بعض قياديي قوى 14 آذار والذين يطالبون بمحاربة الفساد هم المسؤولون عما آلت إليه الأمور في لبنان من فساد ونهب للمال العام وانهيار البنى التحتية لأنهم هم من كانوا يمسكون بالسلطة بعد العام 1990 وخلال حقبة الوجود السوري وما بعدها إلى يومنا هذا. وإن عملية الاستغباء السياسي التي يمارسها هؤلاء قد تتحول إلى انتحار جماعي للبنان بأسره وقد يكون أول الخاسرين هذه القوى ذاتها لعدم قراءتها الجيدة لموازين القوى والتحالفات وقد يقتصر دورهم على أن يكونوا فقط وقودا لهذه الحرب الأهلية… إن حصلت.

محامي وكاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here