إنهاء الارهاب أولوية الجيش العربي السوري وعينه على سراقب وفتح الطريق الدولي هدف رئيسي لعملية التحرير الكبرى بإدلب

الدكتورة حسناء نصر الحسين

تفكيك المشهد السوري وتحديدا مشهد المعركة في إدلب ليس معقدا، فثمة قرار سوري سيادي للقضاء على الارهاب قد اُتخذ من هرم الدولة السورية ورُتبت له كل الظروف والعوامل التي تساعد على الحسم وانهاء ملف الارهاب في سوريا، واذا كان من تعقيد في المشهد فهو في طبيعة وتشكيلات الارهاب والعلاقات التي تحكم هذا الكم من الجماعات المتناقضة والمتباينة  المتناحرة والتي في كثير منها جماعات ارهاب أجنبية -قوقاز- تركستان- صينيين- وغيرهم العديد من جماعات الارهاب العالمي، بما يعطي تصورا لنوع وحجم المعركة في ادلب في كونها معركة في مواجهة ارهاب عالمي، وان انتصار سوريا في هذه المعركة هو انتصار للعالم اجمع في وجه اعتى إرهابيي العالم وابشع تنظيمات ارهابية عرفها التاريخ، وهذا له دلالة واضحة تشير الى ما لهذه المعركة وحسمها من انعكاسات تؤثر على الاقليم والعالم .

قرار الحسم في معركة ادلب لم يكن وليد لحظته، فالقرار اتخذ منذ وقت مبكر لكن الدولة السورية اعطت هامشا للروسي يتحرك فيه في مسعى مشترك لتجاوز الخيار العسكري وافساح المجال امام خيارات أخرى، وتطهير هذه المناطق وفق رؤية الدولة السورية والمتمثلة بالعودة الى حضن الوطن وأكناف الدولة السورية، ليتماشى الروسي الى مديات بعيدة مع التركي فيما يخص ادلب وتخرج اللقاءات الثنائية باتفاقات تشَّكل من خلالها ما سُمي من بعد بمناطق خفض التصعيد ومناطق منزوعة السلاح، وكنتيجة واضحة لتلاعبات التركي وعدم الوفاء بالتزاماته والتي تعود لسببين رئيسيين الاول عدم وضوح الرؤية لديه ونزعة الاطماع المسيطرة على العقلية التركية والثاني فقدانه للسيطرة على الجماعات الارهابية ذات الارتباط به والمتناحرة اصلا فيما بينها نتيجة تباين الاهداف والتوجهات وتشابك المصالح، كل هذا أسس لفقدان الثقة لدى الروسي تجاه التركي وعزز لدى الروس ضرورة الذهاب مع الدولة السورية الى انهاء ملف الارهاب وحسم المعركة عسكريا في ادلب، واعتبار كل الاتفاقات مع التركي في عداد المنتهية الصلاحية .

وهنا تأتي التحضيرات لمعركة الحسم على مستويات عالية، وتُهيء لها الظروف المادية والمعنوية واللوجستية ويتم الدفع بنخبة المقاتلين في الجيش السوري وبقادة عسكريين ذوي خبرة عالية في فهم الميدان ودراية في التعامل مع جماعات ادلب الارهابية، ولم تتوقف التحضيرات عند هذه بل كان لزيارة الرئيس بشار الاسد لجبهات ادلب دورا في رفع المعنويات وحسم القرار وانتظار اعلان ساعة الصفر، هذا بجانب الزيارات المتكررة والمتعددة لقادة عسكريين روس الى نقاط التماس في ادلب، ليعبر مشهد التحضيرات السابق لتحرك الحسم عن عنوان واضح لما يُراد انجازه في هذه المعركة وهو الحسم الكبير والانتصار النهائي على الارهاب .

مناطق كمعرة النعمان وسراقب تحمل أهمية كبرى في سلم جغرافيا التحرير الكامل ونجاح العملية الكبرى بإدلب، فتواجد ما يسمى بنقاط المراقبة التركية الاثني عشر والتي تحولت من نقاط لخفض التصعيد الى نقاط دعم وإسناد للجماعات الارهابية في مواجهة الجيش السوري، دفع القيادة السورية الى تصنيف هذه النقاط التي مهدت للتواجد العسكري التركي بادلب الى اهداف مشروعة عسكريا باعتبارها إحدى ابرز العقبات في طريق التحرير، ليذهب الجيش العربي السوري في عملياته الى السيطرة الواسعة لعشرات القرى والمواقع مما أوقع بعض تلك النقاط التركية في دائرة الحصار العسكري للجيش السوري، لنقف أمام حتمية انهاء الدعم التركي لجماعات ادلب الارهابية وإسقاط احد اهم تحديات التحرير وهو هذا التواجد والدعم التركي للارهاب في سوريا .

عجلة التحرير تسير بوتيرة عالية جدا تفوق التوقعات، وانتزاع عشرات المناطق والقرى من أيدي الارهاب العالمي، يمنح الجيش السوري السيطرة السريعة والحسم الخاطف الذي يفقد الجماعات الارهابية ومن ورائهم محركيهم القدرة على الرد والتحرك وأخذ انفاسهم في منطقة ما حتى يفاجأو بتحرير ما هو أبعد منها .

جغرافيا سير الجيش السوري في هذه المعركة تذهب بنا للقول أن عينه على سراقب لاعتبارات أساسية أولها الموقع الاستراتيجي لهذه المنطقة كونها نقطة وصل ورابطة لعدد من المناطق والمحافظات السورية والتي تمثل معرة النعمان منطقة العبور الرئيسية لها، والثاني وهو الأهم كونها معقل رئيسي وكبير لتجمع قادة الجماعات الارهابية واعتى الارهابيين في ادلب، والثالث في انه باستكمال عملية تحرير سراقب يدفع بجغرافيا العمليات العسكرية للجيش السوري باتجاه الطريق الدولي الرابط بين اللاذقية وادلب وهو هدف استراتيجي من عملية التحرير الكبرى بادلب .

الموقع الجغرافي الهام والتاريخي لسوريا حولها الى نقطة ربط وعبور  دولية، وهذا أعطى للطريق الدولي في سوريا أهمية كبرى خاصة طريقي M4 وM5 ، هذه الاهمية للطريق الدولي اعطته أولوية في التحرير بعد اغلاقه بادوات الارهاب والتي حولت هذا الطريق الى منابع تمويل عبر موارد الرسوم التي تفرضها على البضائع التي تعبر من تركيا، ليصبح فتح هذه الطرق الدولية ليس فقط حاجة استراتيجية سورية وانما مطلبا دوليا ايضا، هذا الأمر تحول الى هدف رئيسي للجيش العربي السوري في معركته الكبرى بادلب، لتقف ما يسمى نقاط المراقبة التركية حائلا امام انجاز التحرير وعقدة في طريق الحسم، نقاط خفض التصعيد كما سميت وضعت لغايات رسمها اتفاق سوتشي عبر اللقاء الذي جمع الرئيس الروسي بوتين والتركي اردوغان في ١٨سبتمبر ٢٠١٨م والذي قضى باستعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين الدوليين M4وM5 بحلول نهاية العام ٢٠١٨م، وهذا مالم يتم الالتزام به من قبل الطرف التركي والذي عزز من سيطرة الارهاب على هذه الطرق الدولية عبر نقاط مراقبته التي تعهد مقابلها بالتحرك الفعلي نحو تفعيل الحركة على الطريق الدولي وهذا ما لم يتم مما وضع الجيش السوري أمام خيار وحيد وهو فتح الطريق الدولي عبر عمليات تحرير كبرى وهذا ما هو حاصل الآن .

موقع التركي المهترئ في مسار الالتزام باتفاقات ادلب والتي نظمتها سوتشي واستانا، ومحاولات التركي اللعب على قاعدة السيطرة والتحكم على الارض عبر ارتباطاته المباشرة بالعديد من الجماعات الارهابية، وآفاق الدعم والاسناد والرعاية التركية لهذه الجماعات، كل هذه عوامل أطالت أمد فوضى الارهاب في ادلب، ليتغير المشهد بعد سلسلة الانتصارات السورية على الارهاب وتطهير مساحات ومناطق واسعة جدا من الارض السورية، ليضيق الخناق بهذا الارهاب في ادلب وتضيق معها خيارات التركي بل وتتساقط كل أحلامه وأطماعه مع كل جولة هزيمة للارهاب وكل سقوط للعديد من المواقع والمناطق بيد الجيش العربي السوري .

انعكاسات التحرير للجغرافيا والارض وخاصة مناطق معرة النعمان وسراقب على المستويين العسكري والاقتصادي كبيرة، وأهم هذه الانعكاسات هو ان هذا النصر يرسم مشهد التعافي السوري في المسارين ، فعلى المستوى العسكري تمهيد أساسي وهام للحسم في الشمال وانهاء التواجد الامريكي وايقاف عمليات النهب والسرقة للنفط السوري، وعلى الصعيد الاقتصادي التحرير الكبير بادلب سيحدث قفزات مهمة وكبيرة جدا ويصنع تحولات اقتصادية كبرى تخرج سوريا في معركة الحرب الاقتصادية منتصرة بنفس انتصارها العكسري واكبر .

مع كل عملية مكافحة إرهاب  تقوم بها  الدولة السورية تسارع الولايات المتحدة وحلفائها بوضع العصي بالدواليب لايقاف العملية العسكرية، فمنذ أن بدأت عملية تحرير إدلب قبل عدة أيام سارعت دول العدوان على سورية لاستخدام كافة السبل لارباكها ومنعها من استكمال مشروعها بتحرير كل شبر من الأراضي السورية .. من خلال استخدام أروقة مجلس الأمن بحجة إرسال  مساعدات انسانية مرورا بالعدوان على سوريا سواء من قبل الارهابيين او الامريكي او الاسرائيلي وصولا الى تفعيل ما يسمى بقانون قيصر او ( سيزر) الذي يزيد آلام الشعب السوري بما يحمله من عقوبات اقتصادية، وكله يأتي بهدف  وقف عملية تحرير إدلب من براثن الارهاب العالمي الذي تحاربه الدولة السورية منذ أعوام مضت، وما افشل كل هذه المحاولات العدوانية هو الخطوات الثابتة والسريعة في عمليات التحرير والذي افقد هذه الاطراف عنصر التأثير على عمليات التحرير واكسب الجيش السوري الثقة بمواصلة التحرير دون الانشغال باحداث يريد منها اعداء سوريا الالهاء عن المهمة الاكبر للوصول الى النصر الكبير .

ميلاد ادلب على الابواب وبشائر النصر تلوح في سماءها، ولا مكان للارهاب في سوريا، ولا مصير للارهابيين سوى الهروب الى مشغلهم التركي والارتماء في حضن اردوغان الذي سيكون بلا شك دافئا كعادته لهذه الجماعات الارهابية التي يتنفس عبرها ويحيك الفوضى ويرسم الدمار والخراب بأدواته لكن هذه المرة ليس في سوريا، فزمن الارهاب قد ولى، وليس على اردوغان سوى البحث عن محارق جديدة لجماعاته الارهابية، يجبر بها خواطره المنكسرة في سوريا، ويؤسس لبؤر ارهابية وعبثية في أماكن أخرى من هذا العالم، وكله تحت العين والرعاية الامريكية قطعا…

النصر لسوريا والمجد لجيشها العربي والرحمة للشهداء .

باحثة في العلاقات الدولية- دمشق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here