إنعام القرشي: لو أنك جارنا

إنعام القرشي

نحن في سبتمبر ..

فجأة، وبلا مقدمات، أمسيتُ مطالباً بأن أوفّق بين الغيم والريح، حتى يهطل المطر..

قلت في نفسي، إنها فرصةٌ شبه نادرة للنظر إلى الشمس بعين القمر..

كتبت سطراً احتياطياً، ظاهره الحكمة، وباطنه العزاء، قلت فيه:

علينا أن نتعلّم من الفشل، ما لا يمكن أن نتعلّمه من النجاح.

ونمت في ثياب الأمس حتى الصباح..

الغريب أني لم أرَ (ى) في منامي ذلك الحكيم الذي كنت أنتظر أن يجيبني عن هذا السؤال :

ما هو الفرق بين من يبحث عن أوجه الشبه بينه وبين الآخرين، ومن يبحث عن أوجه الاختلاف؟؟

كان عليّ أن أستيقظ باكراً، حتى أنتقل من رقّة الحلم إلى قسوة الواقع.. ومن قسوة الواقع إلى جمال الخيال..

فكتبت وأنا أتابع إيقاع حركات الأصابع:

لو أنك جارها.. لأشارت عليك بأن تصعد إلى سطح البيت، لكي تبتعد قليلاً عن الأرض، وتقترب من السماء أكثر..

لحظة من فضلك.. أريد فقط أن أتحسّس رأسي.. فأنت بالنسبة لي، تبدو أكثر خطورة من أي مُخبر سرّي قادم من خارج القارّة!!

انتبه، إنك تلوّح لها، ولكن، بيدي.

لا أريد أن تشكرني، بل أتمنى أن نصبح أصدقاء، لعلنا نساهم في حل بعض المشاكل المزمنة كالفراغ العاطفي، وثقب الأوزون، والنقص الحاد في مخزون التسامح..

حسنا، أنت تسألني من أكون؟

أنا “مواطن عربي” ألا تعرفني؟!

من حقّك أن تضحك، ولكن، للأسف، ليس لديك من الأسباب والشروط ما يكفي لأن تفعل ذلك، في الظل القاتم لنزعة التشاؤم التي باتت تخيّم على البشر، والشجر، وحتى الحجر..

والآن، دعنا نعود معاً إلى مسرحية: الجار البعيد..

فلو أنك جارها.. لتشاركتما معاً في الهمّ الوطني العام.. فتكدح أنت في معترك الحياة، وتسكب هي على كلّ ما تفعل، خيالها السيّال..

بوسعي أن أراكما وأنتما تتقاسمان قيمة “فاتورة الكهرباء، مع فرق سعر الوقود”، ولكن، بشرط: أن لا تطيل السهر، حتى لو كان ذلك من أجلها.

ثم ها أنتما تركبان في سيارة واحدةٍ، فتتجه بكما سريعاً نحو ذلك الغد القريب..

على أمل أن يكون هو الورد الأول، الذي يتفتح في حديقة المستقبل..

سوف يبدأ “المشوار السماويّ” الطويل، من كلمة (لو)..

لكن احذر، فأنت ما زلت تمشي في نظري على ذلك السطح.

ولا تنس، بأن السّهو ماكر، والخطأ لئيم!!

وأخشى ما أخشاه، أن يلتبس عليك الموقف الصعب، فتنسى بأنك تسير داخل النوم، لا خارجه وأنت نائم.

لأنك حينها، قد تتابع المسير، وتهوي بقوة، فتستيقظ فجأةً، قبل أن تصل إلى الأسفل، فتبقى عالقاً بين الأرض والسماء إلى الأبد كالملاك المعاقب.

ثم إن عليك الانتباه، فهي لا تنتظر منك أن تدّعي يوماً، بأنك لو مددت يدك إلى الأعلى، لكنت أمسكت من أجلها بالنجوم.

صحيح أن المرأة تعشق التفاصيل، وتتكلم أكثر من الرجل، ولكنها قد تعلَق مثلك، ومعك، بالعناوين.. وربما تغرق كرمى لعينيك في بحر الصمت العميق.. الذي لا يقف على شواطئه أي من المنقذين المحترفين.

تذكّر، أنّ مشوار الألف ميل، الذي يبدأ بخطوة، يمكن أن ينتهي، بتقبيل الممكن لخد المستحيل!!

لقد جرّبتُ نيابةً عنك أن ألعب كالأولاد “الأشقياء”، في الحديقة الخلفيّة للمعجم..

كان عليّ أن أنزاح بهذه الكلمة “الشَّرطية” الجدليّة، من التمنّي إلى التصّور.. ومن الرجاء إلى الاحتمال..

لكن الجار الافتراضي الذي هو أنت فاجأني حين أمسك صمته بيده، ووضعه في يدي.. قبل أن يغيب عامداً خلف صورة حضوره المؤقّت في كلامي.. بعد مروره المشروط كالملاك من قدامي

فهل أنا الآن حر في التفكير بما أحب كما أريد.. والتعبير عما أرغب مثلما أشاء..؟؟

سوف أختبر ذلك بنفسي..

أعرف بأنك تقف أمام هذا المشهد مثلها على عينٍ واحدة، بانتظار ما سأقوله لكما على لسانكما، حينما ينفتح الستار..

لقد عوّدني أبي منذ صغري، على أنه هو المصدر الأول والأكبر للحقيقة..

أما أمي، فكانت تدافع عن حقّه في أن يراني دائماً كما يتمنّى..

ولطالما همستْ لي جدّتي مع انفراج أساريرها: “انت يا ولد كُلّك أبوك”.

وأذكر ابنة الجيران التي كان يحمرّ وجهها الجميل، ثم تضحك كالأطفال، حينما تراني حاملاً كتبي على رأسي، بدل أن أحملها فيه.

وعلى مرّ الأيام، قام عددٌ من المعلمين الكادحين، بتلقيني دروساً استباقية، لمصادرة أي من بوادر العقل الناقد.. والتركيز على استعمال الدماغ كإسفنجةٍ ذهنية، لامتصاص محتويات الأفكار البالية، وتلميع أسطح المفاهيم القديمة.

وقتذاك، كدت أخسر كل ما أملكه من قدرةٍ على التوقّع.

لقد عملوا على تظهير تلك الصورة النفسية النمطيّة وتكريسها، دون كللٍ أو ملل، وبإخلاصٍ شديدٍ لمبدأ وحيدٍ هو: (التقليد).

كان على الجميع من حولي أن يفعل كل ما من شأنه أن يجعل أمنية والدي، كدميةٍ معلّقةٍ بأصابعه العتيقة.

كل ذلك كان يحدث، بمعزلٍ عن قدراتي الذاتية المغمورة، مثل الكراكيب المهملة داخل مستودعٍ مظلم.. وبعيداً عن رغباتي الوجدانية الدفينة، الأشبه بجثة امرأةٍ عاشقةٍ مغدورة!!

ومن هنا، بدأت علاقتي الملتبسة، بالمعنى المحتبس، في “كلمة لو”..

فهل من العدل أن تكون أنت جارها، بعد أن يجور معنى وجودك على مغزى غيابي..؟!

كنت أسمع الناس من حولي يردّدون باستمرار، المثل الشائع:

“زرعنا اللو طلعت يا ريت”..

في حين كانت “فيروز” تشدو بصوتها الساحر:

“كلمة يا ريت عمرا ما كانت تعمّر بيت”

وهكذا انفتح عقل الطفل الصغير، على المعنى السالب، بالاتجاهين:

التمنّي المُسبق، بوصفه سبباً وهمياً للاشيء.. والتمنّي المُلحق، بحكم أنه نتيجةٌ وهميةٌ أيضاً، ولكنها بالطبع، منطقية جداً. وعلى ذلك الطفل الذي هو أنا، أن يكبر على عجل، ليكتشف بأن الوهم لم يكن يوماً صديقاً مخلصاً لأبناء الحياة.

لا ينبغي لنا ان ننكر، بأن نصف الكلمة الذي نتحدث عنه الآن، قد فعل بنا الأفاعيل..!!

إنه الحرف “لو” الذي يفيد (امتناع الجواب لامتناع الشرط) داخل أسوار المدرسة وخارجها..

وهو نفسه الذي يفتح الباب على مصراعيه لعمل الشيطان؛ في البيت، كما في الشارع، وكما في مراكز التسوق الحديثة، التي تشغل بال النساء، وتفرّغ جيوب أزواجهن.

تلك المراكز المبهرة، التي لم نتعلم منها بعد، كيف نعرض خلف زجاج ما نملكه من قدراتٍ وطاقات، أجمل ما يملكنا من أحلامٍ وأمنيات..!!

يقول “إدوارد يانغ” : ” أسوأ الأعمال: التمنِّي “

فهل هذا صحيح؟!

أعتقد أن المشكلة تكمن في أن تتحوّل الأماني من محفزّات مبتَكَرة، إلى مثبطّات مجترّة.

أليس كذلك يا “صديقي” الذي كان عليه أن يصبح جاراً لصاحبة تلك الأمنية الصغيرة، حتى تكون بدورها سبباً في اقترابنا عدّة خطوات محسوبة من نعيم المعقول.. بعد أن كنا نسير معاً، وعلى غير هدىً، متجهين بتسارعٍ مخيفٍ، نحو جحيم المجهول…!!

“مواطن عربي”

عمان – الأردن

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here