إلى متى هذا التهميش للقضية الفلسطينية؟!

صبحي غندور

جملةٌ من المحطّات الزمنية الهامّة تنتظر القضية الفلسطينية هذا الشهر، ولعلّ أهمّها هو ما الذي سيعلنه الرئيس الأميركي ترامب من تفاصيل عن مشروعه المعروف باسم “صفقة القرن”، بعد الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة منتصف هذا الشهر. طبعاً هذه “الصفقة” ولدت ميتة بسبب الرفض الفلسطيني لها وعدم التجاوب الدولي عموماً معها. والمحطّة الزمنية الأخرى التي تنتظر القضية الفلسطينية هي الاجتماعات القادمة في الجمعية العامّة للأمم المتحدة، والتي راهنت السلطة الفلسطينية عليها في السنوات الماضية بعد تعثّر المفاوضات مع إسرائيل، بهدف تحقيق اعتراف دولي بحقّ قيام الدولة الفلسطينية وتثبيت وجودها في هذا المحفل الأممي.

لكن “الأمم المتحدة” – كانت وما تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها العمومية التي تلتقي سنوياً، بينما قراراتها الفاعلة تكون في “مجلس الإدارة”، وبيد رئيسه العملي. ويخطئ من ينظر للأمم المتحدة بغير هذه النظرة، أو يتوقّع منها القيام بدورٍ فاعلٍ آخر.

 فلم تكن صدفةً أنْ يكون تأسيس هيئة الأمم المتحدة قد جرى في العام 1945 على الساحل الغربي الأميركي في مدينة سان فرانسيسكو، ولم تكن صدفةً أيضاً أنْ يكون مقرّها في الساحل الشرقي الأميركي بمدينة نيويورك. وطبعاً ليس هو سخاءً أميركياً أن تكون ربع ميزانية الأمم المتحدة تتحصّل من الميزانية الأميركية. فواشنطن هي منذ تأسيس الأمم المتحدة تحتلّ عمليّاً منصب “رئيس مجلس إدارة هذه الشركة المساهمة الدوليّة”. وما من دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن استخدمت حقّ النقض كما استخدمته الولايات المتحدة، خاصّةً لجهة الدفاع عن إسرائيل وسياساتها!.

لقد نجحت تجربة الأمم المتحدة في العقود السبعة الماضية بأن تكون هيئة إنسانية واجتماعية لمساعدة بعض الدول الفقيرة أو المنكوبة بحروب أو كوارث طبيعية، لكنّها لم تكن قادرة على تجاوز طبيعتها التآلفية بين أقطاب متنافسين على العالم وثرواته. وكانت شعوب العالم الثالث تجد في الاجتماعات الدورية السنوية أو الطارئة للهيئة العامّة للأمم المتحدة وكأنَّها “حائط مبكى” تطرح فيه مشاكلها وهمومها أمام ممثّلي وإعلام العالم كلّه، لكن القرار السياسي كان، وما يزال، في مجلس الأمن وفي حقوق الامتياز التي حصلت عليها الدول الخمس الكبرى من حيث العضوية الدائمة في المجلس، وأيضاً حقّ النقض (الفيتو) دون أن تعبّر هذه الامتيازات بالضرورة عن كتل بشرية كبيرة، أو مواقع قارّية وجغرافية، أو حتّى عن ثقل اقتصادي أو عسكري كبير مقارنةً مع دولٍ أخرى لا تتمتّع بحقّ العضوية الدائمة في مجلس الأمن.

وهاهي القضية الفلسطينية ستعود من جديد إلى أروقة الأمم المتّحدة، رغم تكرار هذا الأمر عشرات المرّات في العقود السبعة الماضية، دون تنفيذ الحدّ الأدنى من قراراتٍ دولية متعدّدة بشأن حقوق الشعب الفلسطيني، والذي يعاني بعضه المقيم على أرضه من عسف الاحتلال، وبعضه الآخر من ظلم وقهر اللجوء والتشرّد في بقاع العالم لأكثر من سبعين عاماً.

ولماذا تكون هناك آمال ومراهنات على نتائج أفضل من مؤسّسة دولية، كانت هي التي شرّعت الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين، ولم تُجبر هذا “الوليد الأممي” الجديد على احترام وتنفيذ أي قرارات صادرة عنها!؟. هل العجز عن توفير بدائل فلسطينية وعربية أخرى هو السبب لتكرار المراهنات على دور الأمم المتّحدة بينما “رئيس مجلس إدارة” هذه المؤسّسة الدولية، دونالد ترامب، يدعم بقوّة ما ينشده رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو من برامج ضمّ واستيطان للأراضي العربية المحتلّة، بما فيها الجولان والقدس الشريف، ومن إسقاط لحقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين، وهل نفّذت إسرائيل أصلاً أي قرارات من الجمعية العامّة أو من مجلس الأمن تنصف ولو قليلاً الحقوق الفلسطينية؟!.

حالياً، لا يمكن المراهنة على أي دور أميركي محايد، فترامب قد أكّد تأييده لنهج نتنياهو ولما هي عليه غالبية القوى السياسية الإسرائيلية؛ من رفضٍ لمطلب الدولة الفلسطينية المستقلّة على كل الضفّة الغربية وغزّة، وهي المسألة الكبرى المعنيّة بها أي مفاوضات أو “عملية سلام” مستقبلية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي؟! وهل تراهن إدارة ترامب الآن، وخلفها قوى الضغط الإسرائيلية الداعمة لسياسات نتنياهو، على استثمار نتائج ما حدث ويحدث في البلاد العربية من خلافاتٍ وصراعات، ومن تهميش للقضية الفلسطينية، ومن حروب أهلية عربية، ومن غياب لمرجعية عربية فاعلة، من أجل تحقيق التطبيع “العربي والإسلامي” مع إسرائيل قبل انسحابها من كلّ الأراضي العربية المحتلّة في العام 1967 ومن قيام الدولة الفلسطينية المستقلّة؟!.

في المقابل، فإنّ إسرائيل لم تراهن أبداً في كلّ العقود الماضية على أي دورٍ للأمم المتحدة، بل المراهنة الإسرائيلية هي الآن على انقسامات وصراعات في الجسم الفلسطيني وفي عموم المنطقة العربية، وعلى تجزئة دول المنطقة، وحيث تجد إسرائيل مصلحةً كبيرة في الأحداث الدموية الجارية في عدّة بلدان عربية وانعكاساتها السلبيية على القضية الفلسطينية. وقد عجزت المواقف الأميركية والأوروبية في السابق عن القيام بضغوطات فاعلة على إسرائيل، فكيف يجوز استمرار المراهنة على هذه المواقف الدولية؟!.

ما تحتاجه القضية الفلسطينية هو أكثر ممّا حدث ويحدث الآن من رفض لمشروع “صفقة القرن” ومن ردود فعلٍ فلسطينية وعربية ودولية على قرار ترامب بشأن القدس وافتتاح السفارة الأميركية فيها، وعلى القتل الإجرامي العشوائي الذي تمارسه إسرائيل على الحدود مع غزّة. وأيضاً أكثر من الحراك البطولي الشعبي الفلسطيني في غزّة والأراضي الفلسطينة المحتلة. ففلسطين تحتاج الآن إلى انتفاضة شعبية فلسطينية شاملة تضع حدّاً لما حصل في ربع القرن الماضي من تحريفٍ لمسار النضال الفلسطيني، ومن تقزيمٍ لهذه القضية التي كانت رمزاً لصراع عربي/صهيوني على مدار قرنٍ من الزمن، فجرى مسخها لتكون مسألة خاضعة للتفاوض بين “سلطة فلسطينية” في الضفّة الغربية وبين “الدولة الإسرائيلية” التي رفضت الاعتراف حتّى بأنّها دولة محتلّة، كما رفضت وترفض إعلان حدودها النهائية.

فالمطلوب فعلاً وحالياً هو وحدة القيادة الفلسطينية ووحدة برنامج العمل على مستوى كلّ المنظّمات الفلسطينية الفاعلة داخل الأراضي المحتلّة وخارجها، ففي ذلك يمكن أن يتكامل أسلوب العمل السياسي ومسار التفاوض، مع أسلوب المقاومة الشعبية الشاملة في كلّ المناطق الفلسطينية.

إنّ الرؤية واضحةٌ جدّاً الآن لكيفيّة الخروج من المأزق الذي هي عليه الآن السلطة الفلسطينية وعموم الوضع العربي. فالسلطة الفلسطينية هي أمام خيارين: إمّا التحوّل إلى إدارة مدنية تخدم إسرائيل وأمنها واحتلالها، أو الانتقال الفعلي إلى صيغة “جبهة تحرّر وطني” تجمع وسطها كل التيّارات والقوى التي تنسجم مع إستراتيجيةٍ واحدة، تطالب بالحدّ الأدنى من حيث الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلّة عام 67 بما فيها القدس الشريف، وبناء دولة فلسطينية مستقلّة على هذه الأراضي (وعاصمتها القدس)، ثمّ تفاوض هذه الدولة حين قيامها على مصير اللاجئين الفلسطينيين دون التخلّي عن حقوقهم المشروعة التي نصّت عليها القرارات الدولية.

وحينما تتحوّل السلطة الفلسطينية إلى “جبهة تحرّر وطني”، فسيكون من واجبها – كما هو من حقّها-  تحديد أساليب المقاومة وأمكنتها والجهات التي تقوم بها لكي لا يحدث أي خلل سياسي وأمني في الساحة الفلسطينية، ولمنع إسرائيل من استغلال أي عملياتٍ فردية قد تسيء إلى معركة التحرّر الوطني الفلسطيني. عند ذلك، سيجد الإنسان الفلسطيني أملاً في قيادة تسير على طريقٍ سليم يجمع بين وضوحٍ في الرؤية، وبين أسلوبٍ سليم في التعامل مع مسألتيْ المقاومة والتفاوض. وخلاصة تجارب الماضي تؤكّد أنّ الأمّة أو الأوطان التي لا تتوحّد شعوبها من أجل قضاياها، تنقاد حتماً لما سيقرّره لها الآخرون!.

القضية الفلسطينية تحتاج الآن إلى ضغط فلسطيني وعربي على واشنطن وعلى المجتمع الدولي عموماً من خلال توفير وحدة موقف فلسطيني مدعوم عربياً، ومترافق مع تجميد كل أنواع العلاقات الحاصلة بين إسرائيل، ومع استمرار حقّ خيار المقاومة الشعبية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، وبأن لا تكون هناك أي مفاوضات فلسطينية مع إسرائيل ما لم يتمّ الوقف الكامل والشامل لكلِّ عمليات الاستيطان في كلّ الأراضي المحتلّة، إضافةً إلى إنهاء الحصار القائم على قطاع غزّة. بذلك تكون هناك مصداقية للموقفين الفلسطيني والعربي، وتكون هناك خطوات عربية جدّية داعمة لأي ضغط دولي “معنوي” منشود من “الأمم المتحدة”، أو من أيّ طرفٍ دولي يسعى فعلاً لتسوية سياسية للصراع العربي/الصهيوني المفتوح منذ مائة عام.

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن

Twitter: @AlhewarCenter

Email: [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. استاذ صبحي والقارئ الكريم “القضيه الفلسطينيه ” لاأحد قادر على تهميشها حيث القضية بعمقها الإستراتيجي هي خط الدفاع الأول عن عمقها العربي والإسلامي والإنساني وارض فلسطين مهد الأنبياء والرسل ارض الملاحم والمراحم ومركز الصراع بين الحق والباطل وحتى في علم الأرواح بيت المقدس مركز الصراع مابين اشريره والخيّره (وهذا لمن فاته الرجوع الى سيرة الصادق الأمي الأمين محمدد صلّى عليه وسلم عندما سر ى من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى وسماعه ذلك في عالم البرزخ بعد صعود الروح الى باريها) لاأحد قادر على تهميشها والتاريخ يشهد كم من اصحاب الثوابت والإيمان قضوا شهداء في الصراع مع الصهاينه أعداء الأمة والإنسانيه والأكثر من طوتهم في مزابل التاريخ من القيادات الصهيونيه ومن تبعهم من بني جلدتنا ؟؟؟؟؟؟؟ وحتى لانطيل بنوا العروش الوهميه على مذبح سايكس بيكو وتستروا تحت ظلال القضية تضليلا لشعوبهم حتى استطاع العدو الصهيوني (النبته السرطانيه والقاعدة المتقدمه للغرب المتصهين ولوجا لتحقيق اهدافه في السيطرة على مقدرات وثروات شعوب الأمه ) ان يتغلغل بين حنايا الدول العربيه من أجل تحقيق دفينه اهدافه من النيل للفرات ) وان استطاعوا كسر العظم فهذا يمكن تجبيره لكن (الواجبه ) طفرات الشعوب الأمه وخط الدفاع الأول الشعب الفلسطيني عن عمقه العربي والإسلامي والإنساني ومنذ بداية الصراع استعمارا وحروب وحتى تم شرعنة وليدهم الغير شرعي (الكيان الصهيوني ) ولوجا لصفعة القرن التي اعلنها مستر ترامب ليكمل دفين صفعة بلفور من النيل للفرات ؟؟؟؟؟؟؟ وهي تقف لهم بالمرصاد ؟؟؟؟؟ وكل التناقض والإقتتال والمراوغه والتأجيل الشاهد على ذلك وان تجاوز ت الشعوب مرحلة الحراك والإنتفاضه فهم يدركون انه السكون الذي يسبق مرحلة النفير العام الغير مؤطر وهذا مصدر قلقهم ومن تبعهم من بني جلدتنا جاهلا واومدولرا واوخانعا واو لشهوة السلطه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وهذا ما اقتضى التعليق توضيحا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ولاتهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالايرجون ” وبعد الأخذ بالأسباب وعد الله حق “ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم “

  2. استاذ صبحي سلام الله وتحية ترقى لتليق …
    سؤالكم أبكاني قهراً وغيظاً … عندما تصدرت كتيبة المثقفين من ادباء وشعراء و وووو لخ مشهد النضال الفلسطيني ودفعت بخيرت اقلامها شهداء على صليب الخلاص والحق الفلسطيني وعلى صخرة القدس المقدسة التي ستبقى قبلة الاحرار وثوار الارض ولعنة على كل الخونة وسماسرة الدم وتجار الأفك والضلال..؟ للأسف الشديد سيّدي بعد سبعون عاماً ويزيد من الموروث النضالي الفلسطيني تتصدر المشهد الفلسطني قيادة تبيع الوهم للشعب وتبني لها مجداَ على دماء وعظام شهداء الحق الفلسطيني وعلى أنقاض يافا وحيفا ودرب الألام الفلسطيني ..لابد سيدي من ثورة شعبية تغير كل ديماغوجية المشهد السريالي هذا لابد من خلق بلبلة وإثارة الشارع الغربي لابد من عمل إختراق في لرأي العام العالمي لابد من تحديث لغة الحوار أنا لا الوم أحد غير هذه القيادة التي وورطتنا في تيه اشد من تيه بني إسرائيل..وبنت لها ولأبنائها مجداً ..؟ لابد من تغير واقع الحال الفلسطيني هذا المشهد المكرر وهذا الخطاب الممجوج بالغبن والتيه ؟

  3. إن من يراهن على الأمم المتحدة كمن يراهن على ان يجد في السراب ماء يروي ظمأه…
    “فالسلطة الفلسطينية هي أمام خيارين: إمّا التحوّل إلى إدارة مدنية تخدم إسرائيل وأمنها واحتلالها، أو الانتقال الفعلي إلى صيغة “جبهة تحرّر وطني” تجمع وسطها كل التيّارات والقوى التي تنسجم مع إستراتيجيةٍ واحدة”،
    لقد تحولت فعلا وواقعا إلى إدارة مدنية تخدم اسرائيل وأمنها واحتلالها منذ العام 2006م

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here