محمد عياش: إسطنبول « بارومتر » الحكم في تركيا: هل يعود تحالف غول – داوود اوغلو؟

 

 

محمد عياش

 سببت سياسة التردد والتقلب التي ميزت إدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لهزيمة نكراء من القلعة العصية عن الهزيمة في سنوات السيطرة لحزب العدالة والتنمية «إسطنبول» والتي تعتبر المؤشر الأكبر بالبلاد لاستقرار البلاد والإجماع على حكمها يعني أفول من خسرها أو بطريقه للخروج من عالم السياسة .

   الخسارة كانت بمثابة الإهانة الحقيقية للحزب الحاكم ، إذ جاءت النتائج الانتخابية ، فوز مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو بواقع 69ر53 في المئة مقابل 4ر45 في المئة لمرشح الحزب الحاكم بن علي يلدريم بعد فرز نحو 95 في المئة من الأصوات .

   الإذلال الذي مني به الحزب الحاكم ، جاء نتيجة فعل المستحيل من أجل إعادة الانتخابات بعد فوز مستحق سابق لإمام أوغلو ، حيث لا بد من الاعتراف بالهزيمة وإقرار مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بن علي يلدريم بذلك .

   خصوصية إسطنبول لها معان كثيرة من حيث المضمون الذي سيترتب عليه ، فأردوغان وصل للحكم عبر هذه المدينة التي تعتبر بالبارومتر ، المقياس الحقيقي للحاكم الفعلي في تركيا ، ويمكن القول أن مسيرة حزب العدالة والتنمية بدأت بالأفول .

   لم تنفع سياسة التشكيك بالانتخابات ، ليأتي الرد الحاسم والحازم ، لكل المراهنات العبثية والتخبط ، والدخول بالخلافات مع دول الجوار ، وفشل هذه الطغمة الحاكمة واللعب بمقدرات البلد الاقتصادية ، إذ تهاوت الليرة التركية وأصبحت تعاني الكثير مع ضياع الفرص الكبيرة التي كانت متاحة فيما لو أخذ الحزب المنهزم الاهتمام بالمواطن التركي وإبعاده عن المشاكل الخارجية والتدخل في شؤون الآخرين .

   بفوز إمام أوغلو ، فمن المؤكد أن الرئيس التركي أردوغان خرج من الانتخابات أضعف من ذي قبل ، بعد أن اهتزت صورة رجل تركيا القوي ، وعادت كلمة خسارة إلى حساباته السياسية ، بعد أن غادرتها منذ سنوات ، وغادرت معها النشوة بفشل الانقلاب الذي رخّص لأردوغان بزج الآلاف من المواطنين الأتراك وملاحقتهم داخل البلاد وخارجها .

   حتماً ستترك خسارة إسطنبول أثراً كبيرا ً على القاعدة المحافظة في تركيا . ومن المحتمل أن تشهد الأيام المقبلة المزيد من التطورات مثل تقدم الرئيس الأسبق لتركيا عبدالله غول ، وأحمد داود أوغلو بقوة إلى مجال العمل السياسي ، مع احتمال حدوث انشقاقات كبيرة داخل المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية .

   تتمسك الحكومة التركية بإسطنبول ، باعتبارها تتميز بموارد ضخمة ومنصة سياسية من الدرجة الأولى . وأردوغان نفسه كان يردد مرارا ً وتكرارا ً ” من يفوز بإسطنبول ، يفوز بتركيا ” .

   إن إسطنبول صورة مصغرة عن تركيا بالكامل ، صدر القرار كرصاصة الرحمة ، وعلى الحزب الحاكم أن يقرأ المشهد بتعقل ، وعليه أيضا ً أن يسهل الطريق أمام الدماء الجديدة ، التي تريد لتركيا الخير ، هذا البلد يحتاج لشباب متطلع حاذق يعرف كيف يدير كفة الحكم لصالح المواطن التركي بعيداً عن التنظير والخطابات الرنانة ، والحقيقة أن حزب العدالة والتنمية بدأ مسيرته بالإصلاحات الاقتصادية الشاملة ، ولكنه استولى على كل المنجزات وبقيت بيديه يحتكرها لبعض المسؤولين المقربين ، فتولي صهر الرئيس أردوغان حقيبة المالية ، كانت بمثابة الحنق الشعبي العارم على الحزب وهذا مثال من أمثلة كثيرة .

   لم تنفع الآلة الإعلامية الضخمة بمؤازرة الحزب الحاكم ، حيث يقول الأستاذ المساعد في جامعة بلكنت بأنقرة بيرك إيشن ، أن إسطنبول هي الوقود المشغل لماكينة حزب العدالة والتنمية ، وأن البلدية تمنح عقودا بالمليارات من الدولارات عبر المناقصات العامة والخدمات ، ما يضع العدالة والتنمية على اتصال مباشر بالناخبين .

   الحملة الانتخابية الأولى ، شارك أردوغان في غضون خمسين يوما ً في مئة وتجمعين في كافة أنحاء البلاد ، ولكن في حملة الانتخابات الأخيرة خفض بشدة إطلالاته وجولاته ، حيث يدرك أن الحبل السري لم يعد ينفع ، وأن النتائج التي وضعت المواطن التركي كشخص حالم خارج حدود بلاده هي ما توصل إليها أردوغان .

   فقدان الهيبة وتجرع سم الهزيمة ، سيلقي بظلاله على الحزب الحاكم ، حيث ستعمل ماكينة الانشقاقات ، وسياسة تحميل المسؤولية على بعض الأشخاص وأردوغان من بينهم ، الأمر الذي قد يوصل الحزب إلى التقلص والتقوقع ، فإمام أغلو ، يعني للأتراك الأمل القادم من روح الشباب المتطلع إلى سلوك سياسة متوازنة مع دول الجوار ، والاعتماد مجددا على الطاقات والإمكانات التركية التي نُهبت وسُلبت بوضح النهار من جهابذة التنظير والنرجسية .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. بعض الإخوة الفلسطينيين يتمنون فوز حزب الشعب بالانتخابات ، أريد أن أسأل هؤلاء .. بالله عليكم متى رفعت الإعلام الفلسطينية في اسطنبول الا في عهد العدالة متى جاءت قوافل المساعدات التركية إلى غزة الا في عهد العدالة ، متى سمع الفلسطينيون تأييدا في المحافل الدولية من قبل الأتراك الا في عهد العدالة ، متى دخل الطلبة الفلسطينيون من خلال المنح إلى الجامعات التركية والمعاهد الا في عهد العدالة ، متى تحركت السفن لكسر الحصار الا في عهد العدالة …. وغيرها الكثير .. لا الوم هؤلاء لأنهم يجهلون موقع فلسطين في الملف التركي في أيام ديميريل ويلمظ وشيلر.. لا أعادها الله .

  2. يبدو أن كاتب المقال مواظب على متابعة تعليقات القنوات المصرية ويكتب عن بعد ، فخذ يا عزيزي المعلومة الصحيحة من وسط الحدث ، ارتباط حزب العدالة بإسطنبول ارتباط عاطفي معنوي ولا تشكل شيئا على المستوى العام والعملي ، قواعد حزب العدالة متعمقة ومنجذرة في الأرياف والنواحي التي تشكل ٦٠% من الناخبين، واذا كان الاعلام إياه منهمك في تحليل انتخابات اسطنبول وانشغاله بالعواقب والنتائج لأن فيها تسرية للنفس وتفريج عن البعض وكما يقول المثل القرصة في العدو تشفي ، فليعلم هذا البعض أن الحدث لم ينل الاهتمام الواسع في الإعلام التركي كما لدينا ، لأنه يعرف أن الأهمية القصوى تكمن في انتخابات الرئاسة والبرلمان ، وهذا الجسمان كما أرى أنهما في يد حزب العدالة على الأقل حتى العقد القادم ، وستثبت لك ذلك مستقبل الأيام.

  3. كلها بلدية جننتونا فيها ومعروف انه المجلس يسيطر عليه حزب اردوغان يعني سياستهم اللي راح تمشي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here