إستراتيجيّة “إعادة التوازن” الأمريكية والصين

 

 حسن محمد حسين حمدان

تعتبر منطقة آسيا (المحيط الهادي) منطقة حيوية جداً  وخطيرة في آن واحد، وهي ذات ثقل عالمي كبير كيف لا وهي تحتضن قوى كبرى بعضها كانت عالمية ذات تاريخ عالمي كبير، وأخرى إقليمية وأخرى ذات شوكة ومنطقة ثقل لقوى ذات أسلحة نووية وأسلحة تقليدية وحروب بين كيانات هذه الدو، وهي ذات عداء كبير بين بعضها البعض سواء  أكانت العلاقات الصينية اليابانية، الصين وتايوان والصينية الهندية والروسية اليابانية والكوريتين   فضلاً عن مشاكل في ترسيم حدود بحر الصين الجنوبي الذي أظهرت الدراسات حجم الثروات الكبيرة والذي تقدر الشركات الصينية العاملة في بحر الصين الجنوبي ثروة النفط والغاز الكامنة في قاع البحر بحوالي 125 مليار برميل من النفط الخام، وما يقرب من 500 تريليون قدم مكعب من الغاز، ولا توجد حتى الآن تقديرات مستقلة فضلاً عن المكانة الاستراتيجية، وكونه خط التجارة الدولي، فقد ذكرت إحدى مؤسسات البحوث بالولايات المتحدة إن التجارة العالمية عبر بحر الصين الجنوبي قد بلغت 28 تريليون دولار أمريكي من 2008 إلى 2016، مع ارتفاع القيمة السنوية من 2.61 تريليون دولار عام 2008  إلى 3.37 تريليون عام 2016.

وبعضها ذكر  5.6 تريليونات  دولار سنوياً  تمثل أكثر من 40 % من التجارة العالمية، لذا كانت هذه المنطقة تعتبر بحق  من مراكز الثقل الجيوسياسي العالمي، ولا زالت بل ازدادت أهميتها الحالية بعد التحولات السياسية والتغييرات في المنطقة وتبني الولايات المتحدة استراتيحية إعادة التوازن والبحث عن استراتيجية تستلزم وجود عدو تبني عليه هذه الاستراتيجية.

 لقد كانت أوروبا مركز الثقل الاستراتيجي العالمي بعد القضاء على دولة الخلافة الإسلامية، ثم بدأت تتطرأ تغييرات كبرى استراتيجية من حيث المكانة والثقل العالمي بعد الضعف الشديد الذي طرأ على أوروبا فأصبحت الولايات المتحدة ترى خطراً في منطقة المحيط الهادي، فوضعت له الاستراتيجيات الدولية مبكراً في استراتيجية الاحتواء لكل من روسيا سابقاً (الاتحاد السوفيتي) والصين لكنها لم تنجح في استراتيجية الاحتواء للصين؛ فبدأت تبحث عن استراتيجية أخرى لعلها تنجح في احتواء خطر كامن وقادم إن لم تتدراك هذا الخطر مبكراً، فكانت استراتيجية إعادة التوازن وسط تحديات كبيرة جداً ومخاطر من انفلات الأمر أو إخفاق الاحتواء لرفض روسيا حتى كتابة هذه الكلمة الدخول في الاحتواء للصين حيث أكدت السلطات الروسية أن الولايات المتحدة ستفشل في دق الإسفين بين روسيا والصين، مشددة على أن العلاقات بين الطرفين تتميز بشراكة خاصة، وأشارت إلى أن الخارجية الروسية تعتبر تصريحات بومبيو حول احتمال جر موسكو في الحملة الأمريكية المعادية للصين محاولة ساذجة لتعقيد الشراكة الروسية الصينية ودق الإسفين في العلاقات الودية بين روسيا والصين؛اما بقية دولة مثل  استراليا فقد بدأت على تعزيز التفاعل الرباعي بين امريكا واستراليا واليابان والهند، وتوصلت الى اتفاق ضمني مع امريكا حول قضية مواجهة الصين. كما أن للهند خطة وهي خطة  مودي المالية الاخيرة التي ارفعت  التعريفات الجمركية على الواردات تستهدف مباشرة الواردات من الصين. ونشر موقع صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية مقالا بقلم ماري لفلي، استاذة اقتصاد في جامعة سيراكيوز، وباحثة زائرة في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، اشارت فيه الى أن تركيز رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الجديد هو حماية الصناعة التحويلية في الهند مما يسمى ” التهديد الصيني”. واليابان وفقا لما نشرته رويترز يوم 21 فبراير الجاري، ذكرت ثلاث مصادر أن اليابان تخطط لشراء ما لا يقل عن 20 مقاتلة الشبح اف -35 في السنوات الست المقبلة. ويشير التقرير الى انه في ظل استخدام الصين المزيد من طائرات أكثر تقدما بما في ذلك الطائرات الشبح والطائرات المتقدمة وتعزيز البرنامج النووي والصواريخ الباليستية في شبه الجزيرة، فإن شراء اليابان طائرات اف -35 سيجعل الاخيرة أكثر اعتمادا على التكنولوجيا العسكرية الامريكية من اجل الحصول على ميزة ضد الاعداء المحتملين في شرق اسيا.

 إن بروز الصين الواضح في شتى المجالات سواء التكنولوجية  وشهادات براءة الاختراع أو الاقتصادية أو العسكرية، ومحاولة فرض  السيطرة على المنطقة بحر الصين الجنوبي، وموقف  الولايات المتحدة الأمريكية من هذه التحركات والبروز جعلت أمريكا تفكر بتبني الصين منافساً (عدواً) رئيساً لها لأن استراتيجية السيطرة الأمريكية العالمية تستلزم حتماً وجود عدو خطير وبمواصفات ترتقي لحجم الاستراتيجية سواء أكانت هذه المواصفات حقيقة أو إعلامية من خلال تضخيم مكانة هذا العدو وإعطاء تصورات عنه غير حقيقة و محاولة اظهاره بمظهر الخطر الآني، فقد سبق لها أن وضعت الاتحاد السوفيتي عدواً حقيقياً فترة من الزمن، ثم لما تفكك وإنهار الاتحاد السوفيتي أظهرت خطر الإسلام بحجة الإرهاب، وجندت لها من الأدوات والعملاء والحركات والدعاية الإعلامية، لا بل مدت وساعدت في إيجاد كيان صنع في ليل بهيم مع أسلحة وخطر يتمدد ودعمته بكل أسباب البقاء المربوط بها، وحركت الآلة الإعلامية الضخمة في تضخيم الخطر ودعت إلى تحالف دولي عالمي لمحاربة الإرهاب تحت قيادتها من أجل تحقيق مصالحها في المنطقة ونقلت هذا الخطر حيث تريد تبعاً لتحقيق المصالح الأمريكية، وعاشت على فكرة محاربة الإرهاب ردحً من الزمن حتى أتت هذه الاستراتيجية أكلها في المنطقة الإسلامية في كافة المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والفكرية والتشريعي، لأن الولايات المتحدة لا تعيش بدون فكرة وجود عدو لها تبرر من خلاله سياستها وتدخلاتها.

هذه مقدمة بسيطة لمحاولة قراءة كيف تبني الاستراتيجيات الأمريكية وحتمية وجود عدو إن لم يوجد عملت هي على إيجاده، وهذا واضح في استراتيجية الدفاع الوطني لعام ٢٠١٨ على خطر جديد اختارته، هو “منافسة القوى الكبرى” أي روسيا والصين، وأن هذه المنافسة بين هذه الدول هي محل الاستراتيجية القادمة وليس الإرهاب حالياً الذي آت أكله، وبدأ الآن فكرة محاربة الإرهاب لا تستطيع أمريكا استخدامها أكثر من هذا وبعد النجاح الكبير الذي حققته وخاصة وأن المنطقة التي ستنتقل إليها الولايات المتحدة ليست من بلاد المسلمين ولا يشكل الإسلام لها بُعداً حضارياً كما هي بلاد المسلمين، لذا لا يتصور استخدام فكرة الإرهاب في منطقة المحيط الهادي بل يحتاج إلى استراتيجية جديدة، وأمريكا لا تعمل عادة في استراتيجيتن معاً في آن واحد، لأنه يشتت الذهن ويوزع الإمكانيات والقدرات وفيه مخاطرة كبيرة، بل عادةً هي تعمل ضمن استراتيجية رئيسة واحدة، وتتابع آثار وتبعا هذه الاستراتيجية، وتوفر لها من الأدوات لضمان عدم الخروج عن الخط المرسوم لها لكنها تستفرغ طاقتها في تحقيق استراتيجية واحدة فقط، وهذه الاستراتيجية ذات نظرة عالمية للمحافظة على العالمية وكونها بالقمة، وإن كانت أعمال هذه الاستراتيجية في منطقة معينة  ذات تركيز رئيسي من الدولة الأولى مع الاهتمام وإبقاء النظرة على بعض المناطق الأخرى ذات الحساسية، والتي سبق وكانت تحت استراتيجية سابقة؛ مثل أوروبا حالياً أو الشرق الأوسط، فضلاً أن الاستراتيجية عادة كونها عالمية لا يتصور وجود أكثر من استراتيجية واحدة، ولا يتعارض هذا مع كون محل التنفيذ في منطقة معينة.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. بوركت أخانا الكريم، مقال يلقي الضوء على قضية مهمة تخفى علينا أو لا نحسن فهمها، بدأت أدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الأمة الإسلامية لتتحرر من قبضة و هيمنة الدول التي تتحكم في دقائق حياتها و تسيطر على مقدراتها.

  2. أحيي كاتب المقال على هذه الالتفاته الإستراتيجية المهمة وأود أن أضيف أن استراتيجية (اعادة التوازن مع الصين )هي استراتيجية أمريكية ذكية ولكن الرئيس ترامب غير مؤهل لتنفيذ مثل هذه الاستراتيجيات المهمة لمستقبل العالم لذلك لا خوف على الصين ما دام ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here