إستراتيجية التدخل الإماراتي في الشأن الفلسطيني خلال السنوات الأربع القادمة

العميد أحمد عيسى

إحتلت مقالة السيد يوسف العتيبة سفير دولة الإمارات للولايات المتحدة الأمريكية في صحيفة ييعوت أحرونوت المنشورة يوم الجمعة الماضي الموافق 12/6/2020، والتي حملت عنوان (الضم أو التطبيع) مساحة واسعة من الجدل في الساحة الإسرائيلية، والفلسطينية، والعربية، للوقوف على مقاصد وغايات دولة الإمارات التي تضمنتها المقالة، وكان من اللافت إحتلال مسالة التطبيع مع إسرائيل أو الإستعداد للتطبيع المساحة الأوسع من هذا الجدل.

كنت قد كتبت ونشرت في هذا الشأن مقالة قصيرة يوم الجمعة الماضي حملت عنوان: ماذا بعد مقالة وتغريدة الشقيقين العتيبة؟ قلت فيها بناء على قراءة مضمون مقالة السفير وتغريدة شقيقته، أنه من المتوقع أن تمارس دولة الإمارات ضغوطاً شديدة على الفلسطينيين في المستقبل القريب لدفعهم نحو جولة جديدة من المفاوضات تكون صفقة القرن المرفوضة فلسطينياً أحد مرجعياتها، الأمر الذي تجلى بوضوح في مداخلة وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش في المؤتمر اليهودي السنوي يوم الأربعاء الموافق 17/6/2020، حيث قال “تريد الإمارات أن ترى بداية للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين”.

وعلاوة على الإستنتاج الذي ذهبت إليه المقالة السابقة، ترى هذه المقالة، أن دولة الإمارات ستتصدر الدول العربية في محاولات التدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي خلال السنوات الأربعة القادمة لغايات إنتاج قيادة سياسية سقفها السياسي أقل بكثير عن السقف السياسي للقيادة الفلسطينية الحالية، الأمر الذي يُبين أن مقالة السفير العتيبة هي مجرد حلقة من خطة متعددة الحلقات بدأت الإمارات بتنفيذها، بالتزامن مع نجاح القوى السياسية الإسرائيلية بتشكييل إئتلاف حكومي يحظى بتأييد أغلبية برلمانية  من أحزاب اليمين بزعامة نتنياهو وحزب أزرق أبيض بزعامة بني جانتس الذي أنهى تحالفه مع حزبي هناك مستقبل وتيلم بزعامة يائير لبيد وموشيه يعلون، معلنة بذلك انتهاء حالة الفراغ السياسي الذي عاشته البلاد لمدة 500 يوم متواصلة.

وكان إرسال الإمارات طائرة إماراتية فاخرة لنقل مجموعة من اليهود العالقين في المغرب إلى إسرائيل بتاريخ 18/5/2020 هي أول حلقات هذه الخطة، أما الحلقة الثانية فكانت بتاريخ 20/5/2020 حيث حطت طائرة إماراتية في مطار تل أبيب حاملة مساعدات للفلسطينيين رفض الفلسطينيون إستلامها، وجرى تنفيذ الحلقة الثالثة بتاريخ 9/6/2020 حيث حطت مرة أخرى طائرة إماراتية تابعة لشركة خطوط الإتحاد الإماراتية في مطار تل أبيب تحمل مساعدات للفلسطينيين رفض الفلسطينيون إستلامها ايضاً لعدم التنسيق المسبق معهم، أما الحلقة الرابعة فتمثلت في مقالة السفير العتيبة وتغريدة شقيقته هند على تويتر، وتأتي الحلقة الخامسة بمشاركة وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش في المؤتمر السنوي ليهود الولايات المتحدة الأمريكية الذي انعقد يوم الثلاثاء الموافق 16/6/2020.

وفي هذا الشأن لا يكشف التنفيذ المتتالي لحلقات الخطة عن مسألة التطبيع بين البلدين وحسب، إذ أنهما قد قطعا شوطاً طويلاً في تطبيع العلاقات، بل يؤكد أن دولة الإمارات هي الدولة العربية التي ستتصدر المشهد في قادم الأيام فيما يتعلق بتنفيذ خطة صفقة القرن على الصعيد الفلسطيني، لا سيما وأن سفيرها للولايات المتحدة قد صفق لها كثيراً عندما كشف عنها البيت الأبيض في نهاية شهر يناير/كانون ثاني الماضي، الأمر الذي تجلى بوضوح في إصرار الإمارات على الظهور بمظهر المدافع عن الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال إرسال مساعدات للفلسطينيين عن طريق مطار بن غوريون بغض النظر عن رفض قيادة هذا الشعب إستلام هذه المساعدات.

ويظهر تحليل دلالات حلقات الخطة التي جرى تنفيذها حتى الآن، أن الخطة الإماراتية تقوم على إستراتيجية ذات بعدين إثنين، الأول إنساني يتعلق بالجوانب الإنسانية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، والثاني سياسي يتعلق بالتفاهمات التكنولوجية والإقتصادية والأمنية بين الإمارات وإسرائيل، هذه التفاهمات التي ترى فيها الإمارات والدول المتحالفة معها في الخليج بمثابة محددات للتدخلات الإماراتية في الشأن الفلسطيني.

وينبغي هنا التوضيح أن المعارضة الإماراتية لضم إسرائيل من جانب واحد مناطق واسعة من الضفة الغربية كما هو محدد في الإتفاق الإئتلافي للحكومة الإسرائيلية، هي معارضة للإجراءات الأحادية وليست معارضة لمبدأ الضم، لا سيما وأن الإمارات تؤيد وتدعم صفقة القرن التي تسمح لإسرائيل بضم مساحات واسعة من الضفة الغربية لسيادتها، شريطة إعتراف إسرائيل بقيام دولة فلسطينية محدودة السيادة فيما تبقى من مساحة في الضفة الغربية، وعقب قبول الفلسطينيين خلال السنوات الأربع القادمة التفاوض مع إسرائيل على أساس الخطة وليس على أساس المبادئ والأسس التي قامت عليها التسوية السياسية منذ ثلاثة عقود، فضلاً عن وفاء الفلسطينيين بكافة الشروط التي حددتها الخطة، الأمر الذي رفضه الفلسطينيون جملة وتفصيلا.

وفي الختام يبدو أن دولة الإمارات ترى أن السنوات الأربع القادمة تنطوي على إحتمالات قوية بحلول قيادة فلسطينية جديدة محل القيادة الحالية، ولذلك تسعى الإمارات وغيرها من الحلفاء ضمان بقاء القيادة الجديدة الناشئة ضمن البيئة السياسية التي تدعو لها الإمارات، لا سيما وأن أي قيادة فلسطينية جديدة ستكون اول اولوياتها هي كسب الشرعية الوطنية والإقليمية والدولية، الأمر الذي يستدعي من الشعب الفلسطيني برمته تحديد المعايير الوطنية التي تكسب اي قيادة جديدة شرعية القيادة.

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here