إستراتيجية إصلاح المقاولات المملوكة للدولة في الصين..

د. طارق ليساوي

تداول وسائل الإعلام الدولية خبر الأزمة الدبلوماسية بين الصين وكندا، على خلفية اعتقال المديرة  المالية لشركة “هواوي للتكنولوجيا”  السيدة “منغ وان تشو” في الأول من ديسمبر، بطلب من الولايات المتحدة التي تطلب تسليمها، وتتهمها بالتستر على صلات شركتها بشركة أخرى، حاولت بيع معدات لإيران بالرغم من العقوبات، كما أن السلطات الأمريكية  تتهم الشركة بممارسة أنشطة  ” تجسسية غير مشروعة” و هذا المقال لن يتناول طبيعة الأزمة وسياقها… و إنما سيركز على دور الشركات المملوكة للدولة في تحقيق الإقلاع الاقتصادي، و قيادة قاطرة النمو في الصين ،عبر تحليل إستراتيجية إصلاح المقاولات المملوكة للدولة، و نجاح السلطات الصينية في فرض الإصلاح على هذه المؤسسات، و إعادة هيكلتها للتكيف مع اقتصاد السوق  بخصائص اشتراكية ..

فقد أشرنا في أكثر من مناسبة أن  الهدف الأساسي لعملية الإصلاح التي انطلقت في الصين منذ 1978، هي خلق  “اقتصاد السوق بخصائص اشتراكية”  و أوضحنا أن هذا  النموذج ليس فريدا من نوعه، ف “الاقتصاد المختلط Mixed Economy  “، تم تبنيه من قبل العديد من بلدان أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وأيضا ببلدان أوروبا الوسطى في سنوات 70و80 من القرن الماضي وأمريكا اللاتينية ، و في العديد من الاقتصاديات الانتقالية، وقد تمكنت الصين ـ نسبيا ـ من تحقيق الانتقال نحو  اقتصاد السوق، فأغلبية أسعار المنتجات تم تحريرها، و المنافسة أصبحت تعم العديد من فروع الأنشطة الاقتصادية .. ، وأصبح السلوك الاقتصادي للمقاولات يتحدد أكثر وفق آليات السوق والمنافسة .

و قبل التعرض لتحليل وبسط إستراتيجية إصلاح المقاولات المملوكة للدولة، ينبغي التذكير بالخصائص التي ميزت الإصلاح الاقتصادي في الصين، وهي خصائص متصلة بخيارات السلطات العمومية:

الخاصية الأولى :الحضور القوي للدولة في رأسمال المقاولات، وهو مامكنها من تشديد المراقبة على أداء هذه المقاولات.

 الخاصية الثانية :تدرج الإصلاحات التي امتدت لأزيد من ثلاث عقود، ولازالت لم تنتهي بعد، يمكن تفسيرها بان السلطات الصينية ظلت دائما متخوفة من أن الإصلاحات السريعة في دولة بمثل ضخامة الصين، قد تؤدي إلى نتائج اجتماعية واقتصادية يصعب التحكم فيها . فالمنهجية الصينية تختلف عن المنهجية التي اتبعت في روسيا وبلدان أوروبا الشرقية، والتي اعتمدت أسلوب الإصلاح بالصدمة.

الخاصية الثالثة الضعف النسبي لإيرادات الدولة، وهو ما يحد من وثيرة الإصلاحات .

الخاصية الرابعة:  لامركزية الإصلاحات، إذ تم توسيع صلاحيات المقاطعات والمسئولين المحليين في مجال القرار الاقتصادي، فاغلب المقاولات العمومية تتم مراقبتها من قبل سلطات المقاطعات والحواضر، بينما تلعب السلطات المحلية دورا مهما في تدبير والإشراف على مشاريع  TVEs…

فإستراتيجية إصلاح المقاولات المملوكة للدولة SOE State-owned enterprise، اندرجت ضمن مسلسل طويل ومتشعب،  توخى تحقيق هدفين؛ أحدهما قصير المدى،  وتمثل  في تحسين الوضعية المالية ل SOE، بغرض توفير الموارد المالية الضرورية لتجديد وعصرنه التجهيزات ومعدات الإنتاج، و ذلك بهدف تحقيق مكاسب منتظمة من خلال تحسين فعالية SOE حتى تتمكن من الاستمرار في بيئة تنافسية، وهذا هو الهدف الثاني على المدى الطويل.

 فالسلطات الصينية حاولت خلق “دورة حميدة Virtuous Circle”، غير أن تحقيق هذه الدورة الحميدة يتطلب توافر عدة عوامل محفزة ؛ من قبيل تحسين حوكمة الشركات ، حتى تتمكن من ترشيد استغلال الموارد المتاحة، كما أن نجاح الإصلاحات التي تستهدف SOE تتطلب التعاضد بين عملية الإصلاح والنمو الاقتصادي بالمجمل، فمن الضروري أن يسجل الاقتصاد الحقيقي نموا مهما لتامين وتقوية مردودية المقاولات من جهة، وامتصاص العمالة المسرحة بفعل إعادة هيكلة SOE من جهة ثانية …

و عموما، يمكن إجمال مختلف الإصلاحات التي استهدفت SOE في ثلاث أهداف رئيسية:

 الهدف الأول: تحسين أداء SOEمن الناحية الفنية والتقنية،  حتى تصبح لديها القابلية للحياة في اقتصاد سوقي تهيمن عليه المنافسة، والتدابير التي اتخذت لتحقيق هذا الهدف ركزت على محورين:

المحور الأول: إعادة الهيكلة الاقتصادية لتحسين الوضع المالي، والرفع من الفعالية على المدى الطويل.

المحور الثاني: إعادة تنظيم قطاع SOE ليصبح أكثر استقلالية عن الدولة.

أما الهدف الثاني: لإصلاح SOE هو تحسين حوكمة  SOE،  إذا ما أرادت مجابهة قوى السوق، وهذه الإصلاحات ضرورية على المدى القصير لتحسين الأداء المالي ل SOE، وهو ما سيمكن من تحسين الفعالية على المدى الطويل،  كما أن هذه الإصلاحات ستعيق تكرار المشاكل المالية التي تعاني منها SOE، والتي كانت نتيجة لغياب الإدارة الفعالة بأغلب هذه المؤسسات ، ولتحسين حوكمة SOE ركزت السياسة العمومية على محورين:

 المحور الأول:ركز على حزمة من التدابير المترابطة منها؛ وضع إطار تنظيمي فعال لحوكمة المقاولات، تغيير بنية رأسمال  SOE ، تقوية حقوق الملكية، وبناء آليات فعالة للرقابة الداخلية وحماية مصالح حاملي الأسهم.

المحور الثاني:إصلاح النظام المالي حتى تتمكن المقاولات من الحصول على الائتمان وفق معايير تجارية، وليس بموجب قرارات حكومية، أو اعتبارات اجتماعية…

أما الهدف الثالث: للإصلاحات فقد  توخي وضع بنية تحتية مساعدة، لتكمين المقاولات من تتبع أهدافها التجارية، دون أن تكون مكبلة بأهداف اجتماعية، لاتدخل عمليا في نطاق اختصاصها (على سبيل المثال توفير التغطية الصحية، الرعاية الاجتماعية، السكن، التشغيل. ..).

ويلاحظ أن الجهود التي بذلتها الصين لإصلاح المؤسسات التابعة للدولة، تتوزع إلى أربع فترات أساسية :

الفترة الأولى:  من 1978 إلى أوائل عام 1984 ، اتسمت بالتركيز على الإصلاحات في ميدان الزراعة والتجارة الخارجية ولكن تركت مجالات الصناعة -إلى حد كبير- للتخطيط المركزي.

 الفترة الثانية: بدأت مع  أكتوبر 1984- 1988، خلال هذه الفترة تم  إطلاق حزمة من الإصلاحات التي استهدفت توجيه القطاع الصناعي، لكن جهود الإصلاح في هذه الفترة ركزت على  إصلاح المؤسسات التابعة للدولة ، انطلاقا من تبني إصلاحات  قانونية  وتنظيمية عملت على منح هذه المؤسسات قدرا  من الاستقلال الذاتي في الإنتاج والتسويق.

ونتيجة لذلك، تم تعديل المركز القانوني للمشاريع المملوكة للدولة، فتم الانتقال من السيطرة المباشرة للدولة على هذه المؤسسات إلى وجود علاقة تعاقدية مع الدولة. و خلال هذه الفترة، شهدت المشاريع البلدية والقروية (Tves) زيادة سريعة.  لكن هذا الجهد الإصلاحي توقف بعد الاضطراب السياسي لعام 1989 وما ارتبط به من تحول في قيادة الحكومة.

الفترة الثالثة :من 1992 – 1996  مع جولة “دينغ شياوبينغ” في المقاطعات الجنوبية في الصين في عام 1992 ، تم تنشيط حملة الإصلاح التي بدأت منذ عام 1984 وكان لا بد من انتظار إطلاق الخطة الخمسية التاسعة في عام 1996 حيث أن واضعوا السياسات الاقتصادية في الصين أدخلوا تغييرات كبيرة في أهداف الإصلاح، وذلك  ردا على استمرار ضعف قطاع الدولة و الصدمة التي ولدتها الأزمة الاقتصادية الآسيوية لل1997-8.

طيلة هذه الفترة من 1978-1996 مصطلح التحول إلى القطاع الخاص لم يكن مستخدما على مستوى السياسات الرسمية المعتمدة.. لكن في الواقع أن بعض المؤسسات الكبيرة المملوكة للدولة تم إدراجها  في بورصات “شانغهاى” و”شنتشن” (تم إنشاء الأولى سنة 1990 و الثانية سنة 1991) ، بل إن بعض الشركات كانت مدرجة على بورصة “هونغ كونغ”، والأسهم تباع لعامة الجمهور والى غير ذلك من المؤسسات ، على الرغم من أن الدولة أبقت على سيطرتها على أغلبية  المؤسسات التابعة للدولة..كما أن FDI  بدأ في الصعود منذ عام 1992، وأصبح القوة الرئيسية المأثرة في الصناعة الصينية.

الفترة الرابعة من 1997 إلى حين الانضمام لمنظمة التجارة العالمية ، وتميزت هذه المرحلة بتسريع وثيرة الإصلاحات بغرض تأهيل المؤسسات المملوكة للدولة بوجه خاص، والصناعة الصينية بوجه عام، للتكيف مع متطلبات الانفتاح والتحرير .

إن الحديث عن إصلاح الصناعة بوجه عام والمشاريع المملوكة للدولة على وجه الخصوص،  يتسم بقدر كبير من التعقيد، بفعل التطور المستمر في طبيعة هذه الإصلاحات و تشابكها، و هو ما يدفعنا إلى تخصيص مقال منفصل نوضح من خلاله، السياق التاريخي للإصلاحات، و يحلل تأثيرها على أداء المؤسسات المملوكة للدولة خاصة، والاقتصاد الصيني عامة…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون …

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق أسيوي.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here