إذا لم نتوخّ الحذر.. قد نجد أنفسنا نترحم على عهد بوتفليقة الزاهر

 

 

د. رشيد زياني شريف

القبض على حداد، الإخوة كويناف، ربراب، ملزي، طرطاق، توفيف، سعيد بوتفليقة ومن سبقهم ومن سيلحق بهم من المجرمين الذين أمعنوا في قهر الشعب وإهانته ونهب ثرواته وسفك دمائه، خبرٌ يثلج الصدر لا شك في ذلك، ويخفف من الشعور بالإحباط والغبن، لكن، نعم هناك لكن، إذا تجاوزنا عتبة المشاعر والارتياح النفسي، لا نجد أي دليل يثبت أن هذه الاعتقالات تمت بدافع التطهير ومحاربة الفساد والقضاء على عصابة الحكم، لكي تعود الجزائر إلى شعبها وترسو سفينتها إلى شاطئ الآمان.

 أعلم جيدا أن هنالك من سيرد ويقول أن الحملة جيدة في ذاتها مهما كانت الدوافع، وأنه لا ينبغي الحكم على النوايا لأنها من خبايا النفوس التي لا يعلم سرها إلا الله، ومن يحدثنا عن ضرورة حسن الظن وعدم استباق الحدث ومنح “المطهرين” فرصة ليثبتوا صدق أعمالهم، ومع ذلك، أصر على عدم الوثوق بشداد الآفاق الذين خبرناهم عقودا ونعلم جيدا سجلهم المقيت مهما حاول البعض أن يضحك علينا بزعمه أن جيش ما قبل 2015 ليس هو ما بعده. لسنا ممن يبتلع الطعم ويجري وراء السراب، ولسننا من الغفلة بحيث نصدق بأن القوم تحوّلوا بين عشية وضحاها من مفسدين إلى مصلحين، بل نجزم أن خطابهم لم يتغير إلا متأخِرا جدا (بعد الأسبوع الثاني من ثورة الشعب السلمية)، وأن تغيير لهجة قيادة الأركان جاءت تحت ضغط الشعب وليس بصحوة ضمير، لأنه هو نفسه اعتبر قبيل انطلاقة الثورة وفي أسابيعها الأولى، أن من خرج في الشارع “مغرر بهم”، ولا يمكن لأحد أن ينسينا بأن قايد صالح نفسه كان مع العهدة الخامسة ومع آل بتوفليقة طيلة العشرين سنة من حكمه البائس. والحمد لله أنهم هذه المرة لم يوصموا ثورة الشعب ب”الربيع العبري” ولم يجرؤوا على القول بأن برنار هنري ليفي هو من يقف وراءها، ربما الفضيحة كانت ستبدو أكبر من أن تبتلع، أمام قرابة 20 مليون خرجوا في جميع ولايات الوطن ليطالبوا برحيل العصابة قاع.

وحتى لا يعتبر ما سبق الإشارة إليه مبالغة وإجحافا وتحاملا على القوم، نذكر بعض المؤشرات التي تعزز هذا التوجه:

ـ اولا: أن عملية اعتقال الفاسدين، لم تتم إلا بعد زيادة ضغط الشارع والمطالبة “تتنحوْ قاع” (ترحلوا جميعا) دون أن تنطلي عليه حيلة التضحية بصغار القرابين، ولم يتم  بمبادرة من هذه السلطة التي تعايشت مع هذه الوجوه من العصابة دهرا وشاركتها كل قصعاتها، رغم علم الجميع مدى تورط القوم في تلك الجرائم؛

ـ ثانيا، لأن الاعتقالات تتم في ظروف غير هادئة ولا شفافة، يتعذر متابعة أطوارها والاطلاع على فحواها، مما يعزز الانطباع بأنها تصفية حسابات “عسكرية” أكثر منها محاربة الفساد؛

ـ ثالثا، كلٌ من ألقي عليهم القبض لم يلاحقوا على الجرائم المهولة التي ارتكبوها في حق الشعب طيلة عقود، وإنما يلاحقون في إطار عملية كسر عظام بين النخب الحاكمة المشاركة كلها في الأزمة، وعلى أساس خلافات بينهما لم يتمكنوا حسمها بالطرق المألوف التي سادت حتى الآن، على حساب الشعب ومصالحه، أي لم تجر لصالح الشعب واستجابة لمطالبه بل جرت على قاعدة “أتغذى بك قبل أن تتعشى بي”؛

وأخيرا، لنا أن نسأل، إذا وضعنا جانبا هذه الاعتقالات  بصرف النظر عن قراءتنا لها، ماذا حصل الشعب عمليا من مطالبه التي يرفعها منذ 22 فبراير؟  لم يحقق أي من مطالبه المشروعة في استعادة سيادته وحقوقه وتأسيس دولة القانون والعدل، بل يساق رغما عنه وفي تجاهل سافل لثورته، نحو انتخابات 4 جويلية، تُنظم من قبل رئيس فاسد “مؤقت” مفروض على الشعب، وببرلمان فاسد مزيف مزور، بغرفتيه، وبولاة من تعيين وتنصيب نفس النظام، وإدارة وجهاز قضائي من مخلفات النظام، أي كل يتم من طرف النظام نفسه وبنفس الآليات والأجهزة والرجال، ثم يبيعوننا أكذوبة المرحلة الانتقالية التي تستجيب لمطالب الشعب !!، هل هذا هو التغيير الجذري الشامل الذي طالب به الشعب؟؟؟ إن الافتراء والاستحمار لهما حدود. إن ما نشاهده اليوم يعيد بذاكرتنا إلى مشهد لا يختلف كثيرا عما حدث عقب ثورة يناير 2011 في مصر، عندما انتهز السيسي ثورة الشعب ليوظفها ويصفي بها حساباته مع آل مبارك ويعتلي الحكم لنرى النتيجة الآن ماثلة أمام الأعين.

لهذا السبب فلا يجب أن نقع  في حبال قايد صالح وسحرته، وابتلاع حيلهم المعسولة المنوّمة والعودة إلى البيوت مطمئنين، اطمئنان السذج، يكفينا سذاجة استحكام جيش الحدود في سبتمبر 62، لأن سذاجتنا في هذه الحالة، تعني أننا نحفر قبرنا بمجرد تخلينا عن إتمام أطوار الثورة السلمية، وسنعيش عقودا مظلمة أخرى من بؤس وخيبة أمل ونتجرع علقم الندم، يجعلنا نترحم على عهد بوتفليقة الزاهر.

حركة رشاد،  الجزائر

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. الجيش أداة وألية بيد الحركات والأحزاب السياسية من أجل حماية لهم لمصالحهم الشخصية والمشتركة أما الشعب دفع ومازال يفعل فاتورة النظام الفاسد والخائن والمجرم بسب ضعفه و تغليب على أمره وتجنبه لعقود لفتن وأزمات وصراعات من أجل تفكيك و تدمير بلدهم بسبب المناهج السياسية والقانونية الفاشلة من قبل المسيطرين على مقاليد السلطة الحاكمة.

  2. ردا على الأخ بن عمر، يبدو أنك لم تفهم القصد من هذه الجملة، هي نوع من التهكم، أي إذا لم نتوخ الحذر قد نلاقي من الكوارث التي تجعلنا نعتبر مآسي وجرائم 20 سنةن من حكم بوتفلقة أمرا هينا بالمقارنة ونتوق لعهده

  3. ان جيوش العالم المتقدم لا تتدخل في السياسة لكنها تتدخل في شؤون الدول الاخري و بطريقة مباشرة في كثير من الاحيان. كفانا نقذا لجيوشنا و تغزلا في الدول الديمقراطية و جيوشها. ان اخر حصن لمناعتنا هو درجة تماسك جيشنا. اما غير دالك فمعناه الانشطار. شعبنا مقسم يا هذا.

  4. متفق في كل كلمة كتبتها الا الجملة الأخيرة ،فحكم بوتفليقة لم ولن يكون زاهرا في وقت من الأوقات بل إنه اشنع من حكم الاستعمار الفرنسي وعادة وفي كل شيء يفضل الناس الأصلي عن النسخ وحكم بوتفليقة نسخة رديئة لحكم ديقول

  5. الجيش الشعبي الوطني خط أحمر ، أيها الكاتب ، فهو العمود الفقري للجزائر و دولتها وشعبها ، والمساس به هو مساس بوجود الجزائر برمتها ، وسقوطه هو فناء و زوال للجزائر ، زوالا حتميا . فلا يجب أن نمسح الموسى في الجيش الشعبي الوطني ، فهو بريء كل البراءة مما وقع للجزائر من فساد رهيب تجاوز عنان السموات السبع ، فقد ترك الحرية كل الحرية لما يسمى أحزابا سياسية ، لعل و عسى تخدم البلاد و العباد ، ولكن للأسف هذه المسماة أحزابا ، عاثت في الجزائر خرابا ودمارا ونهبا و سلبا لثر وات الشعب الجزائري . ومن أمثلة ذلك ، اتفاقها جميعا ، على تحديد أجور و علاوات ، فاقت كل المعقول و التصورات ، حيث بلغت أجور وعلاوات الغرفتين ، سنويا، مليارات الدولارات ، تكفي الجزائريين قرونا دون الخروج من بيوتهم ، ولم نسمع ولم نر ، هذه المسماة أحزابا ، أن اتفقت على مصلحة عامة تخدم الشعب الجزائري ، فكانت تتصارع فيما بينها صراعات إيديولويجية مقيتة لتلهية الرأي العام عما تقوم به من نهب وسلب وخراب. وكان برنامجها الوحيد الأوحد : رفع الدعم عن القدرة الشرائية للجزائريين، وتعويض ذلك ، بقفة رمضان ، ومطاعم الرحمة ، ومنحة الدخول المدرسي ، وكل هذه الإجراءت هي إهانات للشعب الجزائري البطل ، لعل وعسى يمكن تدجينه وترويضه لقبول العبودية الرهيبة باسم الديمقراطية ، والحرية و وحقوق الإنسان ، وحرية الرأي،وباسم الصحوة الإسلامية التي كانت قناعا ماكرا لاستعباد الناس، وجعلهم قطيعا تابعا لأسيادهم الماديين الذين أغواهم الطمع و الجشع، والنهب و السلب ، تحت قناع الإسلام الحنيف. وهاته المسماة أحزابا ، بدون استثناء ، هدفها بل غايتها ، تحطيم الجيش الشعبي الوطني ، وإلحاقه بالجيوش العربية المحطمة، التي تمّ تفكيكها و إبادتها ، باسم الربيع الصهيوني ، الذي فتح كل الأبواب لعودة الاستعمار من جديد إلى الديار العربية ، فهو الآن يصول و يجول و يلعب و يمرح ، في كل دولة عربية تمّ تحطيم جيشها ، وصارت إسرائيل هي سيدة الشرق الأوسط بدون منازع ، و هي الآن تفرض على الجميع صفقة القرن ، و الكل يرحب و يسعى لإرضائها . فالتهجم على الجيش الشعبي الوطني ، يدخل ضمن هذا الإطار ، لتنفيذ صفقة القرن بكل أرييحية ، وهدوء و اطمئنان . لقد انكشف القناع عن القناع عن القناع ، حتى بان مخ العظام . والسلام على كل جزائري وطني شريف كريم أبيّ.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here