إبراهيم يُسري… وداعا

دكتور محيي الدين عميمور

فقدت الجزائر بالأمس واحدا من أكثر أصدقائها إخلاصا ووفاء وتقديرا هو الديبلوماسي المصري الكبير إبراهيم يسري، سفير مصر في الجزائر في منتصف التسعينيات، والذي كان من أبرز السفراء الذين عرفتهم الجزائر، وعرف بجهوده الرائعة في توثيق الصلات بين البلدين، كما كان أحد أبرز مناصري القضية الفلسطينية ورافضي التطبيع في مصر.

وكان السفير قد احتفل في مطلع هذا الشهر، جوان (1930) بعيد مولده بكلمات أعطت الشعور بأنه كان يستشعر قرب النهاية، حيث كتب في موقعه على الفيس بوك : “اليوم أقول مع كامل الشناوي.. جئت يا يوم مولدي.. عدت أيها الشقي.. الصبا افلت من يدي.. وغزا الشيب مفرقي ..ليتك يا يوم مولدي.. كنت يوما بلا غد”.

ورغم أن إبراهيم يسري تقاعد عن العمل الديبلوماسي إثر انتهاء مهمته في الجزائر إلا أنه ظل على اتصال بكل الأصدقاء الذين عرفهم، وكان يتابع بكل اهتمام أحداث الجزائر، وخصوصا ما تعيشه منذ 22 فبراير 2019.

وكانت اتفاقية الغاز المصري مع إسرائيل من أهم المعارك التي خاضها الفقيد الكبير، برغم السن والداء والأعداء، وشارك في الدفاع عن مصرية جزيرتي “تيران وصنافير”، حيث حصل علي الحكم التاريخي بمصرية الجزيرتين، فضلا عن القضايا التي رفعها ضد إغلاق معبر رفح، وضد إغلاق الشوارع المحيطة بمنزل السفير الإسرائيلي في حي المعادي جنوبي القاهرة، والشوارع المحيطة بالسفارة الأميركية في حي “غاردن سيتي” بوسط القاهرة.

حصل يسري على ليسانس الحقوق عام 1956 من جامعة عين شمس المصرية، وعلى الماجستير في العلوم السياسية عام 1961 من جامعة القاهرة، وسجّل رسالة دكتوراه بكلية الحقوق جامعة القاهرة.

وفي عام 1963، عندما أطاح البعثبنظام عبد الكريم قاسم ، كان ابراهيم يسري يشغل منصب سكرتير ثاني في السفارة المصرية بالعراق، وأصدر وقتها الرئيس جمال عبد الناصر أوامره بأن من حق الدبلوماسيين العاملين بالسفارة أن ينقلوا إلى سفارة مصرية أخرى في أي مكان في العالم يختارونه، وأن يعوضوا عن الالتزامات التى تحملوها في شراء أثاث أو سيارة أو غيرها، وقرر إبراهيم يسري الاستمرار في منصبه في بغداد.

وإلى جانب العراق والجزائر مثّل الفقيد مصر خلال سنوات عمله الدبلوماسي في رومانيا وبريطانيا والهند، كما ترأس المحكمة الإدارية لمنظمة الوحدة الإفريقية من 1983 إلى 1985، وترأس اللجنة الفنية في مفاوضات طابا بين مصر وإسرائيل، والتي أعدت شروط التسوية بين الطرفين، كما كان عضوا في اللجنة القومية لطابا ونائبا لرئيس وفد مصر المفاوض في طابا، ووقع اتفاقية استرداد طابا كنائب لرئيس الوفد المصري المفاوض.

وهذا يوضح مستوى السفراء الذين كانوا يمثلون بلادهم في الجزائر في تلك المرحلة.

ويبقى أن من أهم نشاطاته السياسية الدعوى التي أقامها ضد الحكومة لإلغاء الاتفاقية السرية لتوريد الغاز إلى إسرائيل، والتي فضح فيها الاستغلال الإسرائيلي لمصر حيث كان الغاز يباع لإسرائيل بأثمان بخسة، وكان مما أثار الفقيد أن خط أنبوب الغاز من العريش لعسقلان بطول ألف كيلومتر هو الخط الذي سار عليه ألوف الجنود المصريين واستشهدوا فيه، وأثاره أيضا أن نهب إسرائيل للغاز المصري سيمتد 17 سنة، وأثاره أن اتفاقية التصوير لم تعرض على مجلس الشعب.

وقد لاحقته التهديدات والتحقيقات بسبب الادعاءات الكيدية أنه يروج أخبارا كاذبة، لكنه صمد، والتف حوله أكثر من ألف متضامن في حملة “لا لتصدير الغاز”، سددوا عنه الغرامات المقررة، والتي كانت نحو 16 ألف جنيه (كان الدولار امريكي يومها بنحو ستة جنيهات) وأخيرا حكمت المحكمة الإدارية العليا برفع أسعار الغاز المصدر لإسرائيل، وتقنين كمياته بحيث يسد الاحتياجات المحلية أولا.

وكان مما يُسجّل له من مواقف لها أهميتها بل وطرافتها أنه تقدم ببلاغ للنائب العام المصري يطلب فيه اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” عند زيارته لمصر، لمسئوليته عن مقتل 1500 فلسطينى وإصابة الآلاف في “هولوكوست” غزة.، الذي ما زالت مدينة هاشم تعاني إلى اليوم من آثاره، والوطن العربي يعيش ما أسماه عبد الحميد مهري “الزمن الرديئ”

رحم الله إبراهيم يُسري وأسكنه فسيح جنانه، وخالص العزاء لأسرته وللمناضلين المصريين الذين خسروا بوفاته رجلا من الصعب تعويضه بعشرات الرجال.

مفكر ووزير اعلام جزائري سابق

Print Friendly, PDF & Email

11 تعليقات

  1. د. محيي الدين عميمور . . . اسمح لى اختلف معك نعم كان جمال عبد الناصر مخطئا ونعم مضيق تيران مضيق دولي لكن فى مصر كما فى معظم الدول العربية لا احد يعترف بأخطائه و اسهل حل التضحية بكبش فداء .و قد كان المشير عامر هو الشماعة الجاهزة و كبش فداء الهزيمة المدوية . و الدليل ايضا انه كان هناك كتابا لمحمد حسنين هيكل اسمه حرب الثلاثين سنة.. سنوات الغليان اقر فيه هيكل ان الجز يرتين تابعتان للسعودية . لكن وقت عبد الناصر لم يكن هناك انترنيت ولا انفتاح على اى وسيلة اعلامية اخري و كان المصريون لا يسمعون او يشاهدون الا ما يقره لهم نظام عبد الناظر … تحياتي لك

  2. ان كتابات السيد عميمور تصنع رأيا يجمع حوله من يحب الجزائر وينور من اختلطت عليه الامور ، خاصة ان وسائل الاتصال تنشر ما هو صحيح وما هو غير ذلك .
    علما ان الاخبار الكاذبة والمغرضة اكثر بكثير من الصادقة .
    وشكرا على ما تنشره .

  3. كلما مر وقت على هذه الامة تناقصت مواقف الرجال الذين يقفون الى جانب الشعوب، وتلتف جموع الانتهازيين بجانب الطغاة والمستبدين والعمل على اذلال الشعوب والتامر ضد مصالحها ، وما تكابده الامة في الوقت الراهن لامر جلل اين صارت المنطقة بيئة للزور والبهتان والخنوع والخذلان الى درجة ان صار الرجال يتخوفون من الخطف والاعتقال لمجرد ابداء الراي والاعتراض على الفساد والظلم والكساد ،،،

  4. مجمد
    شكرا على اهتمامك لكن الاستشهاد بالسيد الجعفري يجعل من موقف الرئيس عبد الناصر في 1967 اعتداء على الملاحة الدولية ويبرر الاعتداء الإسرائيلي، وأنت تعرف نتائجه – وحكم القضاء المصري غير المسيس كان واضحا، تحياتي

  5. ____ فعلا ، د . عميمور / يصعب تعويض الرجال ، بل و يستحيل . الرجال كالطيور النادرة . راحت البيئة و راح المناخ و راحت القيم ، و راحت القدوة و العيشة السهلة . الزمن لن يعود إلى الوراء ، و القادم .. أجيال تصارع ’’ عصرنة ’’ مغشوشة .

  6. عفوا فى تعليقى السابق قال بشار الجعفري ((التلاعب بمصير اللاجئين الفلسطنيين فى سوريا )) . انا أخطأت و كتبت اللاجئين السوريين بدلا من الفلسطنيين
    ارجو نشر التصحيح و شكرا

  7. سلام دكتور
    “مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”
    مقالات دكتور عميمور أصبحت بالفعل جهاز لكشف معادن الرجال و استبيان الحقيقة. منطق تحليل للأشياء مبني على أسس واقعية و علمية: إنها المدرسة البومدينية.
    صحيييييييييييييت

  8. رحم الله السيد ابراهيم يسري ، وألهم ذويه الصبر والسلوان ، وعوض الله
    مصر وبلاد العرب مثله أو أفضل ، حقيقة أن هذا الرجل لم تفقده مصر وحدها
    بل فقدته الجزائر هي الأخرى ، سمعته في حوار متلفز فأعجبت بسعة معرفته،
    واليوم إستقر في وجداني حجم الفاجعة بعد إطلاعي على مضمون المقال ، رحمه
    الله ، وعوضنا عنه من رجال الأمة من يملأ الفراغ

  9. رحم الله السيد ابراهيم يسري هو و كل اموات المسلمين اجمعين و اسالكم قراءة الفاتحة له .
    كان رجلا محترما محبا لوطنه و اتفق معك فى انه ربح معركة تصدير الغاز ضد اسرائيل و فعلا الحكومة المصرية رفعت سعر الغاز المصدر .
    لكن قولك انه حصل على حكم تاريخي بمصرية تيران و صنافير غير حقيقي . تيران و صنافير لم تكن ابدا مصرية افتح اليوتيوب و شاهد فيديو لمندوب سوريا السيد بشار الجعفري فى جلسة فى مجلس الامن يقول نصا (( و قد كنا نتوقع من وفد المملكة العربية السعودية ان يقدم مشروع قرار لتحرير جزر صنافير و تيران السعودية المحتلة من قبل اسرائيل فى البحر الاحمر بدلا من التركيز على التلاعب بمصير اللاجئيين السوريين فى سوريا ))
    لا اعتقد ان مندوب سوريا سوف يزيف التاريخ و يكذب و ياخذ قطعة ارض من مصر و يعيطها للسعودية بدون دليل .

  10. “رحم الله إبراهيم يُسري وأسكنه فسيح جنانه، وخالص العزاء لأسرته وللمناضلين المصريين الذين خسروا بوفاته رجلا من الصعب تعويضه بعشرات الرجال ”
    أمين ، وانا لله وانا اليه راجعون !

  11. ____ رحم الله السفير إبراهيم يسري المثقف و المفكر و السياسي و صديق الجزائر ، و أسكنه فسيح جنانه، و ألهم ذويه و كل أحبابه الصبر و السلوان ، و إنا لله و إنا إليه راجعون .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here