إبراهيم ناصر: سياسة توازن الأضداد السودانية.. لم تنصف الشعب

إبراهيم ناصر

يعتقد البعض المتابع للشأن الأفريقي وتحديدا للسودان، اعتمادها على سياسة غير ثابتة في بعض الأحيان، وتفتقر لمواقف ثابتة، إذ تشوبها في بعض مفاصلها حالة من التخبط، فتارةً تتقرب السياسة السودانية من النظام الإيراني، ثم تنقلب لتتحالف مع أنظمة أخرى، كالحالة الخليجية. دون إغفال العلاقات المقطوعة مع دمشق إبان الثورة السورية المزعومة، ثم زيارتها والتمهيد لعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية إلى جانب جس النبض لبعض الدول حول عودة العلاقات مع الرئيس الأسد.

إن التحركات الخارجية للسياسة السودانية، وعلاقة الرئيس عمر البشير بالأنظمة الأخرى، دفعت كثيرون إلى طرح هذه الأسئلة، (هل الرئيس البشير ونظامه سخي في تقديم خدمات سياسية دون جلب المنافع للسودان؟، أم أن هناك أهدافا غير معلنة منه لقواعد اللعبة في السياسة الدولية؟ وإذا إفترضنا عكس ذلك، ما هي المكاسب التي يجنيها البشير من إتباع هذه السياسية؟

سياسة التوازن بين الأضداد

تميّزت السياسة الخارجية السودانية في السنين الماضية في نسج العلاقات مع الدول المتعارضة، وحرصت الخرطوم على اعتماد التوازن بين «الأضداد» على المستوى الدولي والإقليمي، أو في الإقليم الجغرافي المشترك. وبإتباع أسلوب كهذا، كانت تتوقع الخرطوم أن تستفيد من حاجة كلّ طرف لدعمها ضدّ الآخر، ومن التنافس الذي يحصل بين الأطراف المتناقضة على خدمة مصالحها وأمنها القومي.

ولكن بحسب المعطيات المتوفرة في الواقع قادة الخرطوم لم يحصلوا بالفعل على نتائج كانت مرجوة من هذه السياسة، وهذا أمر طبيعي، لأن الدول التي تتبع سياسة التوازن بين الأضداد، هي دول لها مكانتها ونفوذها على المستويين الدولي والإقليمي، لعل البشير ونظامه لم يوفّق في إتباعه سياسات كهذه.

وفي إطار سياسة الأضداد التي إتبعها نظام البشير لعقود، نسج علاقات إقتصادية وسياسية قوية مع جمهورية الصين الشعبية، ولعب دوراً كبيراً في تغلغلها في القارة الإفريقية، دون أن جني أي مكاسب حقيقية، سوى كسر العزلة التي فرضت عليه من الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الغربية بشكل عام.

علاقات مع المعسكرين “الشرقي والغربي”

وبعد عقود من تجميد العلاقات مع الغرب، تأكد لقادة الخرطوم بأن العالم منقسم إلى الى قسمين، قسم بيده التطور التكنولوجي والإزدهار، وقسم متمترس وراء شعارات السيادة الوطنية، وبعد التغيرات الإقتصادية والإجتماعية التي شهدها المجتمع السوداني في السنوات الأخيرة، حيث تغيرت مطالب الجيل الجديد، وتفطن نظام البشير بأنه عاجز تلبية إحتياجاته وتطلعاته، لذا أُجبرت على طرق أبواب العواصم الغربية، وإنخرطت دبلوماسية النظام في مفاوضات مع واشنطن، من أجل إعادة علاقتها إلى طبيعتها.

ولكن بعد سنين من التفاوض لم يحصل ساسة الخرطوم على مبتغاهم، سوى رفع العقوبات عن السودان، وهذا ما دفعهم الى إدارة الظهر للغرب مجدداً، وإتجه شرقاً حيث روسيا، الدولة التي تعاني من العزلة الدولية والعقوبات الإقتصادية الغربية. وبذلك وضعت الخرطوم نفسها في قائمة الدول المارقة مجدداً، لأن تقوية العلاقات مع موسكو سيعيد العقوبات الأمريكية من جديد، لأن واشنطن مؤخراً شرعت قانون “مواجهة أعداء أمريكا”، والمعروف إختصاراً بــ”كاتسا”، وقد يستهدف السودان والدول المتعاونة مع موسكو في المجالات الدفاعية والإستخبارية.

السودان والإقليم

 وفي إطار سياسة التوازن بين الأضداد، أيضاً حاول نظام البشير الموازنة بين المتعارضين الإقليميين، حيث لزم الحياد في الخلافات الجارية بين القوى الإقليمية، وأيضاً لم يجنِ ثمار هذه السياسة على المستوى الإقليمي والعربي، عندما ثار الشعب السوداني بسبب تردي الاوضاع الإقتصادية، حيث ندرة السلع الأساسية كالوقود والدقيق والنقود، وبدلاً من إنقاذ النظام المتهاوي لاحظنا تقاعس القوى الإقليمية كالسعودية والإمارات في إرسال المعونات اللازمة لإخراجه من الأزمة.

أما ما جناه نظام البشير من “سياسية التوازن بين الأضداد”، هو عندما إندلع الحراك الشعبي ضد النظام، لم تتدخل هذه الدول في دعم هذا الحراك، بل إعتبرته شأن داخلي، ما أفقد الحراك الدعم الدولي والإقليمي، وبذلك إستطاع النظام أن يطيل من عمره ولو لحين، ولكن مادامت متطلبات الثورة متوفرة سيواصل المواطن السوداني ثورته، ويسعى لتغييره وإن طال الزمن.

كاتب سوداني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here