إبراهيم مشارة: الجزائر تستعيد رفات شهدائها من قادة الثورات الشعبية

إبراهيم مشارة

في عمل يستحق الإشادة والإكبار استعاد الشعب الجزائري رفات قادة ثوراته الشعبية تلك الثورات التي سبقت ثورة نوفمبر 1954ولا شك أن هذا العمل الجليل سبقته مساع جمة ومفاوضات عسيرة ومن حق كل جزائري أن يفرح ويبتهج مهما كانت توجهاته الفكرية والسياسية والاجتماعية فالأعمال الجليلة خليقة بالإكبار والمباركة ولا أجل من تاريخ الكفاح الجزائري الذي غدا مضرب المثل في الآفاق، تجربة مريرة وتضحيات جسام من أجل الحرية، واستعادة هذه الجماجم اليوم مسألة كرامة ورد اعتبار للشهادة والنضال وحرية الشعوب ، نتمنى أن يتبع ذلك استرجاع الأرشيف بكامله واعتراف بالجرائم الاستعمارية ومن ثمة يمكن الحديث عن آفاق جديدة للعلاقات بين البلدين على أساس الاحترام المتبادل والندية .

وكنت في عام 20017 قد زرت متحف الإنسان ومتحف التاريخ الطبيعي في باريس بحثا عن هذه الجماجم وكان حصيلة ذلك هذا المقال الذي كتب في ذلك التاريخ:

 منذ أن وصلت إلى باريس وضعت على رأس أولوياتي تقصي مكان وجود رأس بوبغلة والثمانية والأربعين شهيدا،فقد علمت أن أحد الطلبة الباحثين اكتشف في أحد مخازن متحف الإنسان أو متحف التاريخ الطبيعي جماجم هؤلاء الشهداء وتعود هذه الجماجم الـ38 حسب وكالة الأنباء الجزائرية، إلى شهداء المقاومة الشعبية على غرار «محمد لمجد بن عبد المالك» المعروف باسم «شريف بوبغلة» والشيخ «بوزيان» قائد مقاومة الزعاطشة (بالجنوب الشرقي الجزائري 1849) و«موسى الدرقاوي» و«سي مختار بن قويدر الطيطراوي»و «عيسى الحمادي» وكذا القالب الكامل لرأس «محمد بن علال بن مبارك» أحد مساعدي «الأمير عبد القادر الجزائري.».

قصدت متحف الإنسان في التروكاديرو المواجه لبرج إيفيل والكائن في الدائرة السادسة عشرة واقتطعت تذكرة الدخول بعد أن دفعت رسم الدخول .

يقدم المتحف حوصلة دقيقة رائعة لمسيرة الإنسان منذ فجر التاريخ وتعدد لغاته وألوانه وعاداته وملابسه مع عرض بعض الهياكل العظمية والجماجم البشرية وداخل المتحف وفود من السياح مع الدليل يشرح لهم جانبا من المعروضات وحقيقتها العلمية والتاريخية لكنني كنت مشغولا بهم واحد رؤية رأس بوبغلة واستحضار تلك القصيدة البديعة التي نسبت للشاعر الشعبي الأخضر بن خلوف وغناها البار عمر، في طفولتي كانت أمي مباركة رفقة بابا الطاهر تشغل الفونغراف وتضع أسطوانة البارعمر يطرق بابا الطاهر مغمضاعينيه وربما سالت من عينيه عبرة وتحرك أمي رأسها جيئة وذهابا تعبيرا عن انفعالها بكلمات الأغنية الحزينة منذ ذلك التاريخ رسخت في ذهني القصيدة وقررت أن أستحضرها بعد الترحم على الشهداء المعروضة جماجمهم في متحف الإنسان لكنني فوجئت باختفاء هذه الجماجم سألت الدليل وكانت امرأة فرنسية تشرح لوفد من السياح عادات وملابس وثقافة الهنود الحمر:

سيدتي إنني أبحث عن جمجمة مقاوم جزائري يدعى بوبغلة لكنني ذرعت المتحف جيئة وذهابا ولم أعثر لها على أثر.

لا أعرف ولكن تأمل في تلك القوالب المعروضة ربما تجد بغيتك.

تعجبت أنا أحدثها عن جمجمة وهي تحدثني عن قالب.

تأملت القوالب وكانت لأجناس بشرية شتى من شتى أصقاع العالم وأدركت أنها ليست المقصودة

توجهت إلى رجل آخر من العاملين في المتحف أشار علي بالتوجه إلى متحف التاريخ الطبيعي والكائن بالدائرة الخامسة وأن ما يحتويه متحف الإنسان معروض بالكامل للزوار وأما الجماجم البشرية فهي معروضة هناك.

كنت أعرف أن متحف الإنسان بالتروكاديرو يحتوي مخازن لا تعرض لكل الناس وأن ما يعرض يشبه الجبل الجليدي فماخفي أعظم، وأن عرض هذه الأسرار لا يتأتى إلا لوفود معينة وأشخاص معينين بتصريح خاص. وكان التعب قد نال مني فقررت أن أستفيد من الفرجة العلمية مادمت قد دفعت الرسوم ذرعت المتحف لنصف يوم رأيت عجبا مسيرة الإنسان منذ فجر التاريخ ومسيرة التطور والنماء مع عرض اختلاف الألسنة والألوان والثقافات والتقاليد وكان شيئا رائعا لكن أغنية البارعمر كانت تدوي في أذني وغشت على عيني سحابة قاتمة حجبت كل المعروضات حتى حين تقدمت إلى قسم يعرض لغات العالم القديمة يكفي أن تجذب لسانا يبز من كوة في حائط عليه اسم اللغة حتى يحدثك اللسان بتلك اللغة القديمة العريقة لم أنتبه للغة العربية بل جذبت لسانا إغريقيا كرة ولسانا حدثني باللغة السواحلية كرة أخرى لكنني لم أسمع شيئا غير كلمات البار عمر:

هذا برك ولا جيت براني

ها راس المحنة لله كلمني

حين خرجت من المتحف متعبا مرهقا من التجوال بداخله حتى الإطلالة الساحرة على برج إيفيل من داخل المتحف لم أستمتع بها،كنت أبحث عن ضالة ولم أعثر عليها.

في يوم آخر قررت التوجه إلى متحف التاريخ الطبيعي بالدائرة الخامسة قرب مسجد باريس لكن هذه المرة خرجت من البيت باكرا حتى أنني وجدت الأبواب مغلقة فهي لا تفتح إلا عند العاشرة وانتظارا للموعد قررت التجول في الحديقة البديعة الموشاة بجميل الزهر والتامل في أشجار الأرز العملاقة ودراسة مخطط المتحف فبغيره تضل إنه يمتد لهكتارات وهو أقسام يضم التاريخ الطبيعي للحياة على كوكب الارض من معادنها ونباتاتها وحيواناتها وإنسانها وبين كل قسم وقسم مسافة ورسوم تدفع عند دخول كل قسم لكني راهنت على قسم التطور، وقسم الكائنات الحية الذي يضم في طابقه الأرضي الحيوانات المنقرضة كالديناصورات ولقد وقفت أمام هياكل عظمية لديناصورات بحجم طائرة الكونكورد وهياكل عظمية لفيلة عملاقة وحيوانات منقرضة أخرى ، وقفت خاشعا متأملا في العظام البشرية وتذكرت قولة تعالى : ( وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). هياكل عظمية لأجنة في شهرها الخامس والثامن وقلوب محنطة وأجنة غير مكتملة وجماحم لقرود وهيكل عظمي لإنسان تام سألت عاملا نفس السؤال الذي طرحته على الدليل في متحف الإنسان فأخبرني أنه لايوجد غير ما أراه بعيني لكن أردف:

اذهب إلى متحف الإنسان تجد ضالتك

قلت إنني جئت من هناك فاعتذر أنه لا يعرف شيئا وانسحب.

جلست مستريحا من وعثاء التجوال ،خرج رجل عليه سيماء الجد يرتدي مئزرا أببض ويضع على عينيه نظارة،حييته وأفدته ببغيتي .

نظر في مليا وأشار ببده إلى جهة تقبع فيها جماحم القرود وهيكل عظمي مكتمل لإنسان وأخبرني أن هذا كل مايعرفه.

تعجبت فالرجل تبدو عيه سيماء البحث وأدركت أنه يعرف دقائق وأسرارا ولكنه لا يبوح بها ولا يرشد إلا وفق توصيات وتصريح خاص. تركته وصعدت إلى قسم النبات لأستريح قليلا وأتفرج على غابر الأرض الأخضر ونباتاتها البديعة العجيبة لكنني كنت مشغولا بهدف خاص وفي أذني أغنية البارعمر تترد تصمها عن كل صوت وتحجب عن العين دقائق صنع الله لقد أرانا الله آياته في الآفاق وفي أنفسنا وأنا أقف أمام قارورة تضم جنينا في شهره الخامس تذكرت قول ابن سينا:

وتحسب أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الاكبر

عدت إلى الطابق الأرضي وتوجهت إلى شابين من العاملين في المتحف حييتهما وبادرتهما:

إنني كائن فضولي جئت من الجزائر وأردت في تعريجي على المتحف رؤية جمجمة بشرية لمقاوم جزائري اسمه بوبغلة.

نظر في مليا وأبدى سيماء الاحترام:

سيدي هل تأملت المعروضات هناك

نعم لم أترك شيئا،الأجنة ،الهياكل العظمية ،جماجم القرود، هياكل الديناصورات ، الفيلة ولم أعثر على ما أريد

نعم سيدي هناك مخزن يحتوي على جماجم لا تحصى والمتحف لا يعرضها للعموم

ولكن سيدي لست رجلا مشتغلا بالسياسة ،وأنا أعلم أن هذه الجماجم أحدثت خلافا بين الجزائر المستعمرة القديمة وفرنسا ولأجل ذلك سحب المتحف بأمر خاص هذه الجماجم إلى سرايدب ومنعها عن الزوار إلا بتوصية خاصة،إنه مجرد فضول ورغبة خاصة لا علاقة لها بالسياسة هل يمكنك مساعدتي؟

نظر الشاب إلى زميله ثم ذهب وعاد يحمل ورقة كتب عليها عنوانا وتأملته فإذا هو بريد إلكتروني:

سيدي أكتب عاجلا إلى هذا العنوان وعرف بنفسك، والغرض من رغبتك في رؤية ما تريد وستجيبك إدارة المتحف سريعا وربما سمحت لك برؤية ما تريد هناك حقا جماجم لا تحصى من أصقاع العالم لكننا لا نعرضها للعموم.

شكرته وتأملت في الورقة ونظرت مليا في البريد الإلكتروني ثم رميت الورقة في سلة المهملات لقد أدركت أن السماح بالمرور إلى المخازن مستحيل ،فقد نظر الشاب في عين زميلة نظرة ذات مغزى حتى العاملة الشابة لما اقتطعت التذكرة وسألتها عن حاجتي نظرت إلى نظرة ذات معنى ففهمت كل شيئ .

كان التعب قد نال مني خرجت من المتحف حتى الزهور بشذاها الطيب والأشجار بظلالها الوارفة وحتى الشيوخ الذين كانوا يجتمعون على مدرب في رياضات الاسترخاء واليوجا وحتى قوافل الشباب التي كانت تمر قبالتي تمارس رياضة الجري لم تسرق مني تلك الكلمات التي سمعتها في صغري من البار عمر والتي ظلت تترد على مسمعي رغما عني .

أسفت على أنني لم أحقق بغيتي في رؤية جماجم أولئك الشهداء والترحم عليهم بالرغم من المصاريف التي دفعتها والإعياء الذي نال مني لدرجة أنني قررت الاستراحة في حديقة مسجد باريس وتناول غدائي فقد أوشكت الساعة على الثالثة ظهرا.

تذكرت مقولة لأم أبي عبد الله الأحمر لما بكى حين هم بتسليم مفتاح غرناطة :ابك بكاء النساء على ملك لم تحافظ عليه محافظة الرجال.، لكنني قلت في نفسي ستأتي براعم جديدة من أصلاب جزائريين أقحاح ومن أرحام طاهرة ، ستعيد تلك الجماجم إلى تربتها الطاهرة وتحظى بنومة هنية في رحاب الوطن المفدى.

 كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. تصوروا لو أن متحف الانسان هذا الذي تعرض فيه فرنسا جماجم المقاومين لها، موجود في الجزائر أو تركيا أو السعودية أو اي بلد عربي آخر أو إسلامي.. يضعون فيه جماجم الفرنسيس أو غيرهم من الصليبيين الغزاة؟ ولا أقول جماجم اليهود لأنها ستقوم بسببها حرب عالمية ثالثة.
    كيف ستكون ردة فعل العالم الغربي، ألا يقيمون الدنيا ويقعدونها على همجية العرب والمسلمين، ومعهم سمفونية المستلبين حضاريا عندنا، حول امتهان المسلمين لكرامة الموتى والتنكيل بجثثهم؟منقول

  2. أشكر الدكتور فايز غزال على التعليق كما أشكره على الأهمية التي أعطاها لمقالي وهذا يكشف عن عروبته وإسلامه وحسه الإنساني وذلك ماعهدناه من إخواننا ،أحرار الشام مفكريها وشعرائها وعلمائها وفقهائها وفنانيها ونحن وهم لعلى صراط الإباء ورفض الخضوع والاعتزاز بأوطاننا وعروبتنا وإسلامنا وهويتنا مهما حاول المغتصبون ومهما خان الخائنون وهرول المهرولون بتعبير الشاعر نزار -رحمة الله عليه- بالنسبة للبيت الشعري هو بيت مختلف فيه كثيرا لكن لا أظنه للإمام علي- كرم الله وجهه- فهو غريب عن حسه العرفاني وبيانه المقتبس عن الهدي المحمدي قال أبو عثمان المازني:
    “لم يصح عندنا أن علي بن أبي طالب (ع) تكلم من الشعر بشيئ غير هذين البيتين:
    تلك قريش تمناني لتقتلني**ولا وجدوك مابروا وما ظفروا
    فإن هلكت فرهن زمتي لهم**بذات روقين لا يعفو لها أثر
    وقياسا على ذلك مانسب من رائع القول الذي ينبئ عن ثقافة متفقة مع العصر الذي قيلت فيه هذا القول المنسوب لفريد الدين العطار”إذا فلقت ذرة وجدت في قلبها شمسا” فلعمري ماشأن العطار به ؟وهو سليل -أي القول- الثقافة الحديثة المتسقة مع مكتشفات العصر.
    على كل نسب للإمام علي-كرم الله وجهه- كثير من النثر في نهج البلاغة كما نسبت له كثير من الأشعار ولا يخفى عليكم أن الانتحال بالقصد أو بالتطاول من جهة أخرى سمة لازمة في ثقافتنا العربية لم يسلم منها حتى الحديث الشريف.
    شكرا لتعليقكم كرة أخرى وتحيتي الحارة وسلامي المضمخ بطيب المودة لعرين العروبة والإباء الشام المفدى ولجريدة رأي اليوم منبر الفكر والعروبة والإباء.
    إبراهيم مشارة

  3. الرحمة على شهداء الأمة من المحيط إلى الخليج فهم الشعلة التي يجب أن تبقى وضاءة أمام كل جيل لكي يعلموا دائما أن أبائهم وأجدادهم قدموا أغلى ما يملكون فداء التراب العربي الغالي لكي ينعموا أولادهم بالحرية مصانة فيها الأرض والعرض ( تحيتي إلى كاتب المقال وللجريدة الناشرة ) ولكن ما أود لفت الإنتباه إليه أن بيت الشعر والذي مطلعة — وتحسب أنك جرم صغير — إلى آخره لا يعود إلى أبن سينا الطبيب إنما يعود إلى الإمام علي كرّم الله وجهه — لذلك اقتضى التنويه وشكرا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here