إبراهيم محمد الهنقاري: ليبيا.. وكرسي الاعتراف!

إبراهيم محمد الهنقاري

يقول المثل ” الاعتراف بالحق فضيلة.”

فلماذا تتهرب الأطراف الليبية المسؤولة عن خراب و دمار الوطن من تلك الفضيلة ومن الاعتراف بالحقيقة المرة التي يشاهدها و يعيشها و يعرفها و يعاني منها كل المواطنين الليبيين و الليبيات اليوم و يشاهدها العالم في صمت مريب .

قد تكون الخطوة الأولى لحل الازمة الليبية الحالية الدامية و المخجلة والتي تهدد حاضر و مستقبل الوطن هي ممارسة فضيلة الاعتراف بالحق و بحقائق الوضع في ليبيا كما هي دون مواربة و دون الكذب و التدليس على الليبيين و الليبيات وعلى العالم.

فيما يلي نذكر بجملة من تلك الحقائق التي ينبغي علينا جميعا الاعتراف بها.

١- إن ثورة ١٧ فبراير كانت ثورة شعبية ليبية تلقائية لم تقم بها لا “المعارضة الليبية في الخارج ” ولا جماعات

” الإسلام السياسي” في ليبيا المتاجرة بالدين والدنيا ولا علاقة مباشرة لأي منهما بتلك الثورة رغم ادعاء كلا الطرفين بالانتماء اليها.

٢- من المخجل و من العار و من الفضيحة ان هذين الفصيلين اعني ما كان يسمى “المعارضة في الخارج ” و ما لا يزال يسمى “بجماعات الإسلام السياسي ” هما اللذان تآمرا على الشعب الليبي و سرقا ثورته المباركة في الظلام وبأدنى و اخس الطرق والوسائل و تسببا في كل هذه الحروب و كل هذه الكروب و كل هذه الدماء الليبية التي اريقت و لا تزال تراق فحسبنا الله و نعم الوكيل فيهم.

أما هم فمنهم من قبض نقدًا و عدا ثمن “المعارضة” نهبًا من أموال الشعب الليبي و عاد الى البلاد التي تحصل على جنسيتها و تركوا ليبيا ومن فيها يعانون من شر أعمالهم. ومنهم من ارتبط بتلك الجماعات المشبوهة و ربط مصيره بمصيرها ولا يزال ينهب معها و يقاتل معها سرا و علنًا من اجل الباطل ومن اجل المال الحرام و لكن ليس من اجل الوطن.

٣- بدا مسلسل الخيانة لثورة ١٧ فبراير الشعبية باغتيال قادتها الميدانيين من المدنيين و العسكريين و من الحقوقيين و المناضلين و الصحفيين والمدافعين عن الحرية و عن حقوق الإنسان الليبي لم يفرق المجرمون في ذلك بين رجال ليبيا و نسائها. فسيطرت تلك العصابات على بنغازي ودرنة و مصراتة و الزاوية و صبراتة وغيرها من المدن الليبية العريقة. و كونت و شكلت المليشيات و العصابات المسلحة باسمائها و ألقابها التي نسمع عنها و نعرفها جميعا.

فهي عصابات مجرمة و خارجة عن القانون ولا علاقة لها بثورة فبراير المجيدة ولا صحة لادعاء بعض عناصرها انهم من الثوار . وهذه هي واحدة من أهم الحقائق التي ينبغي الاعتراف بها.

٤- اجريت اول انتخابات في ليبيا منذ عام ١٩٦٥ يوم ٧ يوليو ٢٠١٢ لانتخاب ما سمي بالمؤتمر الوطني العام و سمي ذلك بالعرس الانتخابي ظنا من الليبيين والليبيات ان ذلك المؤتمر سيحقق أمل الجميع في استعادة حكم الدستور والقانون في ليبيا.

غير ان جماعات الإسلام السياسي سرعان ما كشفت عن انيابها “الدراكيولاتية” الصدئة و المتعطشة للدماء و للمال و الفساد و السلطة فتمكنت بأساليبها الملتوية و غير الديموقراطية من السيطرة على ذلك المجلس بتسخير و بدعم مسلح من المليشيات و العصابات المؤدلجة و التابعة لها رغم عدم حصول تلك الجماعات المشبوهة على أغلبية المقاعد في ذلك المؤتمر . فتم اقتحامه اكثر من مرة من قبل تلك المليشيات والعصابات المسلحة التي تدعي انتسابها زورًا و بهتانا لثورة فبراير. وقال رئيسه ان قوانينه تكتب بحبر البنادق أي بالرصاص. و بعد ان تعرض مكانه للاقتحام اكثر من مرة من قبل المليشيات و العصابات المسلحة وسمع الناس أعضاءه يتبادلون الكلمات البذيئة و النابية و شاهدوا احد أعضائه وهو يرقص “على وحدة و نص” وهو “فرحان قوي” باختطاف المجرمين لرئيس الحكومة الذي اختاره ذلك المؤتمر من غرفة نومه و بملابس نومه و اخذه إلى مكان مجهول. !!

٥- جاء رد الفعل مفاجئا للجميع.

فقد أفاق الليبيون و الليبيات يوم ١٤ مايو من عام ٢٠١٤ بإعلان احد ضباط الجيش الليبي السابقين و المتقاعدين يعلن ما يشبه ” البيان الأول ” لانقلاب عسكري ليبي جديد بعنوان ” ثورة الكرامة “ربما اقتداء بثورة ” الفاتح ” ولم يكن ذلك الإعلان عبر محطة إعلامية ليبية ولكن عبر قناة تلفزيونية اجنبية هي ” قناة العربية “.!!

٦- أعلن ذلك الضابط المتقاعد الذي لم تكن له أية صفة رسمية في ذلك الوقت لا عسكرية ولا مدنية حل ” المؤتمر الوطني العام” المنتخب و الذي صار كما قلنا مشبوها وساحة للمؤامرات و التنابز بالألقاب و الخصومات الشخصية بين أعضائه وبعد ان تعرض مكانه في طرابلس للاقتحام عدة مرات من قبل المليشيات و العصابات التي تدعي انتسابها لثورة فبراير .!! فوجئ الليبيون و الليبيات مساء ذلك اليوم بأحد ضباط الجيش السابقين يعلن من خلال محطة فضائية غير ليبية ما يشبه الانقلاب العسكري ومن خلال ما يشبه البيان الأول أعلن حل المؤتمر الوطني و تعطيل الإعلان الدستوري وتم ذلك كله تحت مسمى “ثورة الكرامة”ربما تقليدًا لثورة “الفاتح” سيئة السمعة والله أعلم.

لقيت حركة ” الكرامة ” كثيرا من الدعم في شرق البلاد و بعض الرفض من غرب البلاد و كثيرا من عدم الفهم و عدم الاهتمام في جنوب البلاد.

ومع ذلك أصبحت “ثورة الكرامة” الغامضة في شرق الوطن الجريح و ما سمي “ثورة فجر ليبيا ” الغامضة هي الأخرى و التي تلتها في غربها و ما تلى ذلك من “الاستحواذ الأجنبي ” المريب على جنوبها من الظواهر الشاذة التي عرفها الوطن ولا يزال بعد انتفاضة ١٧ فبراير ٢٠١١.

وعلى اساتذة التاريخ الليبي المعاصر ان يدرسوا هذه الظواهر الثلاثة الشاذة و ان يبينوا للناس اسبابها و مدى مسؤوليتها عن النكبة الكبرى التي يعاني منها الوطن و المواطنون في ليبيا. على ان يتحمل كل طرف مسؤوليته الكاملة عن كل ما حدث ولا يزال يحدث.

٧- لا يمكن تحميل المأساة الليبية لشخص بعينه لان المسؤولية عن هذه المأساة تتحملها جميع الأطراف المشاركة في صنعها وفي مقدمة هؤلاء المليشيات و العصابات المسلحة وناهبي المال الليبي العام والخاص وعديمي الخبرة الذين وضعوا في مراكز لا يستحقونها ولا يقدرون عليها و من المتاجرين بالدين و الدنيا و الطامعين بالسلطة والنفوذ و المعارضين بالسلاح غير الشرعي لقيام دولة الدستور والقانون والحكم الرشيد أينما وجدوا داخل او خارج الوطن.

٨- يجب على جميع الأطراف القبول بان مدينة طرابلس هي العاصمة الرسمية للدولة الليبية أيا كان اسمها. ولكن ذلك لا يمنع من اعتبار مدينة بنغازي عاصمة للإقليم الشرقي من الوطن و اعتبار مدينة سبها عاصمة للإقليم الجنوبي للوطن و منح كل من المدينتين مزايا خاصة تبعا لذلك كتوزيع مقار المؤسسات العامة للدولة على المدن الرئيسية الثلاثة بينما تظل العاصمة طرابلس هي المقر الرسمي للحكومة المركزية و مجلسي النواب والشيوخ و السفارات الأجنبية.

٩- لابد من تفعيل القانون الملكي الذي كان ينص على تخصيص سبعين في المائة من دخل النفط و الغاز لمشاريع التنمية و توزيع هذه المشاريع توزيعًا عادلًا بين الأقاليم الثلاثة بحيث تغطي تلك المشاريع احتياجات المواطنين في كل إقليم بالتساوي و بنفس المستوى من الخدمات في الأقاليم الثلاثة.

١٠- لابد من الاعتراف بمزايا و خصائص كل اقليم من أقاليم ليبيا الثلاثة و احترامها من قبل الجميع. أقول احترامها وليس اتخاذها مبررًا لدعوات الانفصال و التجزئة للوطن الليبي الواحد.

تلك هي الحقائق التي ارى ان على جميع الأطراف الليبية ان تعترف بها وان تقبلها حتى يمكننا وضع حد للخلافات القائمة و للنزعات الانفصالية التي يروج لها بَعضُنَا و التي لا تصب أبدا لا في صالح الوطن ولا في صالح المواطنين.

لقد كانت مبررات الانفصال و الانقسام قبل اعلان الاستقلال قائمة و قابلة للتنفيذ ولكن رجال ذلك العهد كانوا غير رجال اليوم. فحافظوا على وحدة الوطن رغم قبول النظام الاتحادي وربما كان ذلك حكمة بالغة مكنت رجال الدولة في ذلك الوقت و على رأسهم الملك الصالح السيد محمد إدريس المهدي السنوسى طيب الله ثراه و الزعامات الوطنية الأخرى من تجاوز كل تلك المبررات و العقبات و اعلان ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة باسم المملكة الليبية المتحدة لها دستور نموذجي ربما سبقت به بلادنا كثيرا من الدول العربية و غير العربية الأخرى. صحيح ان النصوص الدستورية تقول إننا أقمنا “اتحادا ” بيننا و لكننا اسمينا دولتنا المملكة الليبية “المتحدة” و ليس “الاتحادية”.

وذلك للتعبير عن اننا متحدون معًا رغم اننا نتكون من ثلاث ولايات لكل منها حكومتها و مجلسها التشريعي. ولا شك انه كان في ذلك حينئذ صلاح لنا وللوطن. و ربما كان ذلك هو الخيار الوحيد المتاح امام اباء الاستقلال لإنقاذ الوطن و منع العودة إلى مخاطر الوصاية الدولية أو عودة الاستعمار الإيطالي بعد زوال الفاشية و اعلان الجمهورية الإيطالية التي انضمت لنادي الحلفاء. و حينما ألغى مجلس النواب ومجلس الشيوخ ذلك النظام بموجب القانون رقم ١ لسنة ١٩٦٣ فرحنا جميعًا بالوحدة و اعتبرناها انتصارا كبيرا لنا وللوطن.

أيها السيدات و السادة.

رغم الخلافات البسيطة بين مكوناتنا من حيث الطباع و اللهجات و اللباس فاننا شعب واحد قدره ان يعيش في هذه البقعة المباركة من ارض الله وان يتمتع بما وفر الله لنا فيها من النعم و الخيرات وان نحمد الله على ذلك حمدا كثيرا ولا نتنابز بالألقاب ولا يقتل بعضنا بعضًا وان نتعاون على البر و التقوى و ليس على الإثم و العدوان.

لقد عشنا ثمانية عاما في ظل النظام الذي اختاره لنا اباء الاستقلال و ثبت لأجيالنا المتعاقبة ان تلك السنوات كانت هي الأفضل لنا و لبلادنا رغم كل شيئ فلماذا لا نعود إلى رشدنا و إلى سنن الأولين من ابائنا و اجدادنا و نعترف بأخطائنا و نصححها و نبدأ في اعادة ما تدمر في بلادنا فما لدينا اليوم من الحكماء و العلماء و المفكرين يزيد كثيرا عما كان لدينا في ذلك الزمن الجميل. فهل إلى ذلك من سبيل. !؟

أقول قولي هذا و نحن نتذكر في هذه الأيام انتفاضة ١٧ فبراير المجيدة في ذكراها التاسعة بما لها وما عليها لعل الله سبحانه وتعالى ان يهدينا جميعا إلى سواء السبيل و ان يمكننا من تحقيق حلم فبراير كما اراده شهداؤها الأبرار.

والله و صالح الوطن دائما من وراء القصد وهو المستعان لتخليص البلاد والعباد مما نحن فيه من البلاء المبين.

إبراهيم.

كاتب بليبي

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. بنغازى عاصمة برقة
    سبها عاصمة فزان
    طرابلس عاصمة طرابلس
    هذا كلام ما ايزعل حد ويمكن أن نتفق عليه .
    اما العاصمة الإدارية ومقر الحكومة الاتحادية فيمكن ان نتفق على إنشائها عند نقطة التقاء الاقاليم الثلاثة .
    ( زلة مثلا ) .
    وليس مستحيلا إنشاء مدينة لتكون عاصمة للدولة الاتحادية .
    وليس يشترط فى العاصمة ان تكون
    أكبر المدن
    ولا أجملها
    ولا اعرقها
    ولا أكثرها سكانا .
    هذه شروط يضعها المتحيزون .
    حتى لا أقول الجهويون .

  2. لا اسمح لك بتوجيه هذا الكلام لأستاذنا الفاضل ابراهيم الهنقارى فهو سيد العارفين بكل ما يتعلق بتاريخ بلادنا ماضيا وحاضرا وقد اجاد فى مقالته هذه فشكرا جزيلا له وانا اتفق معه بالكامل .

  3. ال غندور عمار
    لا اسمح لك بان توجه هذا الكلام لأستاذنا الفاضل ابراهيم الهنقارى فهو سيد العارفين والمرجع الكبير لكل ما يتعلق بتاريخ بلادنا ماضيا وحاضرا !

  4. كلامك يا هذا مردود عليك،انت آخر من يفهم الوضع في ليبيا،ما يسمى ثورة قام بها الشعب الليبي بدون تدخل خارجي،ضحك على الذقون،والكل يعرف من أين جاء هؤلاء الثوار ومن وراءهم،ليبيا ستنهض وستسقط العملاء

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here