إبراهيم محمد الهنقاري: صلح الحديبة الليبي لماذا انهار؟

 

 

إبراهيم محمد الهنقاري

يبدو للمتابع للأحداث و التطورات المتسارعة في ليبيا هذه الأيام كما لو ان أطراف الصراع الليبي الدامي يخافون جميعا من الصلح ومن الاتفاق. !!

لماذا الخوف من الصلح و لماذا الخوف من الاتفاق. !؟

كلنا يذكر صلح الحديببة وما جرى فيه.

وكلنا يذكر ما جرى في صفين بين جيش امير المؤمنين علي كرم الله وجهه وبين “مليشيات ” معاوية بن ابي سفيان ان صحت المقارنة و ان صح التعبير.

في لقاء موسكو لم يفكر احد في صلح الحديببة . نسي الجميع صلح الحديبية وما نتج عنه .!!

ولكن في لقاء موسكو كان صلح صفين حاضرا بكل شخوصه و بكل حيله و بكل مؤامراته. !!

ترى من كان عمرو بن العاص ومن كان أبا موسى الأشعري !؟ من كان داهية العرب ومن كان الساذج. !؟

في صلح الحديببة قبل الرسول صلوات الله و سلامه عليه بشروط قريش كلها . قبل الا يوصف في الوثيقة بانه رسول الله ما دامت قريش لا تقبل ذلك وقبل ان يذكر فيها فقط اسمه واسم ابيه محمد بن عبدالله. كما قبل ان يعيد هو إلى قريش من دخل منها في “عهد محمد” بعد ذلك الصلح ولا تعيد قريش إلى محمد من خرج عن عهده و دخل في “عهد قريش” بعد ذلك الصلح .!!

فعل الرسول ذلك و قبل ان يعود هو واصحابه إلى المدينة دون ان تسمح لهم قريش بالحج على ان يعودوا في العام القابل معتمرين. ” و السيوف في أغمادها “.!!

و وضعت الحرب أوزارها عشر سنين بموجب هذا الصلح. !! وساد الامن والأمان بين مكة و المدينة.

وكل مسلم واع يعلم تفاصيل ذلك.

ولكن ما جرى في موسكو منذ يومين كان شانا اخر. كان الجميع كما يبدو يخافون من الصلح. وربما لم تكن لدى الأطراف الليبية المتقاتلة أية نية حقيقية في الصلح عكس الحال في الحديببة و إلى حد ما في صفين. !!

ولابد ان لكل طرف اسبابه لهذا الخوف.

فتركيا ووفد المليشيات الذي يجلس معها برئاسة وزير الخارجية التركي كانوا يخشون من الصلح لانه سيجردهم من سلاحهم غير الشرعي و يمنعهم من الاستمرار في نهب أموال الشعب الليبي و يضع كل قادة المليشيات و أمراء الحرب تحت طائلة قانون العقوبات الليبي وربما يضعهم أيضا تحت طائلة القضاء الدولي امام محكمة الجنايات الدولية.و احتمال استرجاع كل ما تبقى لديهم من أموال الشعب الليبي التي نهبوها. لذلك وضعوا ذلك الشرط المستحيل بعودة ” الجيش الوطني ” إلى مواقعه يوم ٤ ابريل ٢٠١٩ و كأنه جيش اجنبي جاء لغزو ليبيا و احتلالها في ذلك اليوم. !! كما جاءت الجيوش الوندالية و الإغريقية و الرومانية قديما والإيطالية و البريطانية و الفرنسية والأمريكية حديثا.

أما ” القيادة العامة للجيش العربي الليبي ” فإنها ربما ادركت انها تسرعت للاستجابة للطلب الروسي التركي بوقف إطلاق النار بعد ان تمكنت قواتها من دخول العاصمة و لم يبق أمامها سوى اقتحام وسط العاصمة و السيطرة على مقار المؤسسات العامة للدولة التي تسيطر عليها المليشيات و العصابات المسلحة. فبدت كما لو انها قد ارتكبت حماقة رغم اصرار كل بياناتها السابقة انها لن توقف العمليات العسكرية حتى يتم تطهير العاصمة من ما تبقى من فلول المليشيات. وكل بياناتها في ذلك موثقة و موجودة بالصوت و الصورة. !!

فاستغلت هي الأخرى انعقاد اجتماع موسكو لمحاولة إصلاح ذلك الخطا بوضع شرط تفكيك المليشيات و تسليم اسلحتها و معداتها للجيش مقابل التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار التي أعدتها حكومتا روسيا و تركيا دون مشورة الأطراف الليبية المتقاتلة. !!

وهذا أيضا خطا في حد ذاته فاتفاق وقف إطلاق النار كان يجب ان تضعه الأطراف الليبية المتنازعة وليس القوى الأجنبية الدخيلة. ومما زاد الأمر سوءًا و تعقيدًا جلوس وفد “المليشيات الليبية ” كما قلنا ضمن الوفد التركي برئاسة وزير خارجية تركيا و ليس كوفد ليبي مستقل أيا كان اسمه. ولم نشاهد وفد “القيادة العامة ” يجلس على طاولة “مفاوضات الصلح” في موسكو مع الطرف المقابل كما ينبغي .!!

لذلك بدى اجتماع موسكو كما لو انه حلقة من ذلك المسلسل الأمريكي الشهير ” مهمة مستحيلة ” وكان اسمه كما قد يذكر البعض : ” Mission Impossible “.

يبدو لي فعلا ان تلك المسرحية سيئة السيناريو و سيئة الممثلين و سيئة الإخراج كانت مهمة مستحيلة فعلا . ولم تكن هنالك أية نية لدى الجميع في نجاحها. ولذلك كان من الطبيعي ان تفشل.

في صلح الحديببة كان هناك الحنكة السياسية للنبي صلوات الله وسلامه عليه والتي أدت في النهاية إلى الفتح المبين و دخول الناس في دين الله أفواجًا.

وفي صلح صفين كان هناك الخداع والتضليل ما ادى إلى تفرق المسلمين و ظهور اول الدواعش الذين عرفوا بالخوارج واغتيال امير المؤمنين علي بن ابي طالب و انتهاء الخلافة الراشدة.

فلماذا اختار جماعة موسكو مثال صفين و لم يتخذوا مثال الحديببة .!؟

يبقى بعد ذلك السؤال الأهم. وهو:

ليبيا الان إلى أين .!؟

سؤال صعب لا يستطيع أي من الطرفين الليبيين المتقاتلين ان يجيب عليه فعلمه عند الله الذي لا نملك الا ان ندعوه سبحانه و تعالى ان يحفظنا و يحفظ بلادنا و ان يهدينا إلى سواء السبيل.

قد يظن البعض ان اتفاقًا ما قد يخرج عن مؤتمر برلين يوم الأحد القادم .

١٩ يناير ٢٠٢٠ قد يكون يوما له ما بعده بالنسبة لنا نحن الليبيون و الليبيات حيث قد يتم فرض وضع جديد في ليبيا ليس من طرف الليبيين ولكن من طرف القوى العظمى التي لا قبل للإخوة الليبيين الأعداء بها ولا تستطيع مقاومتها. ما قد يعني إما الدفع بليبيا إلى المجهول. و إما الدفع بليبيا إلى المعلوم الذي يريده البعض و لا يريده البعض الآخر. .!!

فهل هناك أسوا مما نحن فيه قادم إلينا . !؟ أم عسانا ان نكره شيئًا وهو خير لنا. !؟

هذا ما سنعرفه بعد بضعة أيام.

حفظ الله ليبيا و أهلها ” فالله خير حافظًا وهو ارحم الراحمين. ” كما جاء على لسان سيدنا يعقوب في الآية ٦٤ من سورة يوسف عليه السلام .

اجل. ” فالله خير حافظًا وهو ارحم الراحمين. “

صدق الله العظيم.

كاتب ليبي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الأطراف المتناحرة في ليبيا هي مجرد دمى تحركها دول عديدة عربية وغير عربية. هذه الدول تريد وضع يدها على الثروات الطبيعية للشعب الليبي… وبما أن الحرب قذرة وباهظة الثمن، فهذه الدول الطمّاعة لا تريد خوضها بل جندت عملائها في ليبيا للقيام بهذا العمل الشنيع في الشعب الليبي الابِي. هؤلاء الخونة والفاسدين باعوا ضمائرهم للشيطان بل تحالفوا معه على حساب مصالح الدولة الليبية. هذه الحرب بالنيابة تقود ليبيا والمنطقة إلى المجهول واليوم نرى المشهد السوري يتكرر أمام أعيننا مع فارق كبير وهو أن في سوريا، الدولة السورية، وليس الرئيس، هي التي تحارب العصابات والدواعش بجيش نظامي منظم. بينما في ليبيا، الحرب تدور رحاها بين المرتزقة التابعة لحفتر والدواعش التابعة للسرّاج… كان الله في عون إخواننا الليبيين الطيبين الذين لا حول لهم ولا قوة فيما يجري في بلدهم سوى الدعاء لله العزيز القدير ان يحفظ بلدهم من كيد الكائدين والخونة الفاسدين. حسبنا الله و نعم الوكيل.

  2. في يوما ما كنا نمارس عروبتنا و د يننا بكل أريحية وعلى السليقة كما يقال الي ان انبري غلمان منا غرر بهم فقالوا بأن باب العروبة هو البعث او الناصرية او القوميين العرب وان الدين القويم هو ما اتي به المرشد او بثه التحرير او الذي أفتى به ابن الشيخ ودخلت أمورنا في حيص بيص فعروبتنا اضحت عنصرية وشوفينية وديننا صار مظاهر وطقوس فانقلب الشعب الطيب الي شعب متربص ببعضه
    . تدنت الاخلاق وضربت القيم واصبح الوطن غنيمة والشعب يغلب عليه الجهل والسطحية يتبع كل ناعق. و الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كلمة حق يراد بها باطل.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here