إبراهيم محمد الهنقاري: فكرة ليبية مزعجة!

 

 

إبراهيم محمد الهنقاري

يبدو لي أحيانًا أننا نحن الليبيون شعب غريب. غريب الأطوار. غريب في سلوكه. غريب في تصرفاته. غريب في تعامله مع بعضه و مع العالم من حوله.

بعضنا قاوم الغزو الإيطالي ردحًا من الزمن. ثم قبلنا بالاستعمار الفاشي وهتف بعضنا لموسوليني الذي شنق مجاهدينا و أقام لهم السجون و المعتقلات و المنافي في الصحراء: “مرحبتين بعصلب روما. من غيرك ما نريدو حكومة”!!

و أركبه بعضنا الآخر على حصان وأعطاه سيفا وأسماه: “سيف الإسلام. “!!

و ملأنا الدنيا هتافا للملك الصالح باني الاستقلال السيد محمد إدريس السنوسي وولي عهده المحبوب طيب الله ثراهما وبعضنا تبرك بالتراب الذي مرت عليه عجلات سيارته. !! ثم قال بعضنا عنه دون حياء ولا خجل انه حاشا لله “إبليس و ليس إدريس”!!

و جاءنا ملازم مغمور من أقصى الأرض حاقد علينا جميعا و سامنا جميعا هو و زبانيته سوء العذاب مما لم يعرف مثله شعب عبر تاريخ العالم كله فكدنا نعبده من دون الله وهتفنا في كل المدن و الساحات باسمه و قرنا اسمه و العياذ بالله باسم العلي القدير سبحانه و تعالى وجل عن ذلك علوًا كبيرا فقلنا في كل الساحات : ” الله و معمر و ليبيا و بس”!! و أسميناه “الصقر الوحيد” و “عميد الحكام العرب” و “ملك ملوك إفريقيا” و “رسول الصحراء” !! و صدقنا ان كتيبه الأخضر قد حل فعلا كل مشاكل العالم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية. !! اكتشف فيه شيئًا تتعرض له المرأة ولا يتعرض له الرجل. ! كما اكتشف أن الطفل تربيه أمه.!! ومنا من تحصل على درجات و القاب علمية مزيفة عن “بحوث” و “دراسات” حول تلك السخافات المضحكة التي وردت في ذلك الكتيب التافه العجيب !!

ثم أهنا ذلك “القائد” الملهم و ذلك الطاغوت الذي صنعناه بأيدينا إهانة شنيعة و قتلناه شر قتلة و القينا ما تبقى من جسده في قبر مجهول. !!

و رغم بارقة الأمل التي اطلت علينا في ١٧ فبراير ٢٠١١ حولنا تلك الفرحة النادرة و ذلك الفجر المفعم بالأمل في الحياة الأفضل إلى ” ليل دموي الآهات !!.” كما قلت في احدى قصائدي عام ١٩٨٠. و لازلنا نعاني من أهوال أيلول و فبراير حتى الان. !!

هكذا نحن دائما . هكذا كنا . و هكذا نحن اليوم . حياتنا سلسلة متواصلة من المتناقضات . ولا نعرف لنا سبيلًا يوصلنا إلى طريق السلامة و العيش الكريم.

عشنا ثمانية عشر عاما في عهدنا الملكي الذي ربما كان هو العهد الشاذ في تاريخنا كله تمتع خلاله الشعب الليبي بالأمن و الأمان و عرف خلاله مشاريع التنمية و الرفاهية و لم نشهد فيه رغم كل الظروف المحيطة بنا و بالعالم في ذلك الوقت لا مشانق تنصب في ساحات الجامعات. ولا إرسال أبنائنا إلى مجاهل إفريقيا ليكونوا طعامًا للوحوش و التماسيح ولا إعدامات بالجملة لضباطنا في معسكرات الجيش. ولا طوابير المصارف. ولا قطع الطرقات. ولا نهب المال العام و الخاص . ولا المليشيات والعصابات المسلحة.

انقسمنا بعد فبراير إلى ثوار و ازلام.

إلى وطنيين و عملاء.

إلى وحدويين و فيدراليين.

إلى أغنياء حرب و شحاتين.

إلى “كرامة” و “بركان الغضب”.

إلى مقاتلين مجانين يمارسون القتال الشرس بين الاخوة الأعداء .!!

لماذا نحن هكذا. !؟ ماذا دهانا. !؟ إلى متى نظل شعبًا غريب الأطوار.!؟ لا يرى ولا يسمع ولا يعي ولا يعرف ما يريد. !؟

لماذا. !؟ لماذا.!؟ لماذا.!؟

لماذا نحن شعب مختلف .!؟

هل حقا نريد حل مشاكلنا بالحرب وبالتخوين و بالاستنجاد بالأجنبي. !؟

متى يعود إلينا الوعي!؟

متى نكون شعبًا كعباد الله العاقلين!؟

متى نرتاح من هذا الهم و الغم!؟

هل من مجيب!؟

اللهم ارفع مقتك و غضبك عنا .ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا .و ول أمورنا خيارنا .ولا تول أمورنا شرارنا .

و اخر دعوانا أن لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

كاتب ليبي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. نحن شعب تنقصنا فضيلة الصدق .
    فلو كنا نقبل الصدق ونرفض الكذب لكنا مثل شعب المانيا وشعب اليابان وشعب كوريا الجنوبية وغيرها من الشعوب المتقدمة التى تعرف هى وحكوماتها انها دول محتلة . وهى تدير علاقتها بالسلطة المحتلة بصدق وشفافية وتعلم ان للمحتل حقوقا واستحقاقات يجب الوفاء له بها وان للوطن والمواطن ايضا حقوقا واستحقاقات يجب ان تؤدى اليه .
    هكذا هى العلاقة واضحة لجميع الاطراف .
    اما نحن وعلى الرغم من وضوح علائق حكامنا بالمحتل وضوح الشمس وخضوعهم له بلا قيد ولا شرط . فإنهم يكذبون علينا ونصدقهم بأنهم هم الملائكة الأطهار وانهم هم المنقذون وأننا الشعب السيد الوحيد على وجه الأرض .
    ولن نتقدم قيد أنملة مادام هذا حالنا وحال حكامنا .

  2. اشكر إلاخ الكاتب راكانً الهوني على تعليقه.
    اعلم ان الفساد في العالم قد بدا على يد السيد قابيل بن سيدنا و ابينا ادم عليه السلام ثم انتشر بعد ذلكً في البر و البحر بما عملت أيدي الناس في قارات العالم المختلفة وفي جميع العصور ولكن ذلك لا يبرر ان يرتكب شعبنا كل تلك الحماقات التي اشرت اليها في هذا الحديث ما جعلنا فعلا تبدوا شعبا غريبا و مختلفًا. فقد تعلمت كل الشعوب من اخطائها ومن اخطاء الآخرين الا شعبنا الليبي غريب الأطوار.
    التنظيم الذي كنت انتمي اليه كان تنظيما وطنيا ذا توجهات قومية هو تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان ينادي بالوحدةُ و الحرية والاشتراكيةً و لست نادما اليوم على ذلك و لكننا لم نكن نخطط لقلب نظام الحكم.بل كنا ندعو الى تحقيق المطالب الوطنية في ليبيا وهي جلاء القوات الاجنبيةً عن التراب الوطني و مقاومة بعض أوجه الفساد التي بدات تظهر في ذلك الوقت. وفي كتابي ” هوامش على دفتر الأيام ” تجد التفاصيل الكاملة والتي تنشر لأول مرة عن ذلك التنظيم وعن اول محاكمة سياسيةً في ليبيا في عهد الاستقلال.
    اجل ان ما يجمع بيننا اكثر بكثير مما يفرق بيننا.
    ولك خالص التحيةً و التقدير.
    ابراهيم.

  3. نحن بشر لنا ما للبشر َوعلينا ما عليهم ونحن نعلم ماحدث في روسيا وإيطاليا والمانيا وإسبانيا وقبلها فرنسا َوالعراق بعد الملكية وعبد الكريم قاسم َوالصين بعد ثورتها الأولى َوالثانية ( الثورة الثقافية) كلها مجدت وعبدت حكامها وزعمائها قبل أن تنقلب عليهم و ََتنصب لهم المشانق و ََترديهم رميا بالرصاص فلا داعي من وجهة نظري لجلد الذات ََََ وإعتبارنا استثناء على أخلاق َومزاج بني البشر.
    أستاذ إبراهيم كثيرا مانراك تكتب بإشادة عن العهد الملكي وأنا أتفق معك في ذلك تماما. ولكن من باب الشهادة التاريخية لماذا كنت عضو بارزا في تنظيم سري مطلع الستينات هدفه قلب نظام الحكم الملكي.
    في مقال سابق أثنيت عليك بما تستحقه كوطني غيور نحب دائما أن نقرأ لك ونستفيد بأراءك المستنيرة في تشخيص أزمات وطننا والبحث عن حلول لمشكله وما إعلق به هو من باب المحاورة والمثاقفة. مع كامل الود والمحبة. وما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرق ويباعد .. شكرا جزيلا لكم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here